تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة الرابعة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(2)

نقد غيفارا للنموذج السوفييتي

سنقسم عرضنا لاهم ما جاء في نقد غيفارا للنموذج الاقتصادي السوفييتي الى المحاور الرئيسية التالية:

1) خصوصيات الحالة السوفييتية (والتأكيد على أنها ليست خصوصيات النظام الاشتراكي ولا مرحلة البناء الاشتراكي)

2) روسيا وكوبا: نمطان في الادارة الاقتصادية

3) الرأسمالية والامبريالية

4) التعاونيات الجماعية (الكولخوزات) في الاتحاد السوفييتي

5) الاشتراكية

6) العلاقات الطبقية

7) العلاقات الدولية

ولا يخفى ان كلاً من هذه المحاور يفتح على فضاءات رحبة من القضايا والإشكاليات التي تمس التجارب الاشتراكية في القرن العشرين كما تمس راهن الانسانية والاشتراكية ومستقبلهما. وسوف نكتفي بتقديم إضاءات على العناوين الرئيسية لاطروحات غيفارا ومساهماته في هذه القضايا:

المحور الاول

غيفارا وخصوصيات الحالة السوفييتية

السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب): السبب الجذري

ذهب غيفارا في نقده للسياسات الاقتصادية السوفييتية الى ان جذور النظام الاقتصادي الذي قام عليه الاتحاد السوفييتي كما نعرفه تكمن في “السياسة الاقتصادية الجديدة” (نيب) New Economic Policy – NEP) (، وعلاقات راسمالية ـ ما ـ قبل ـ الاحتكارية التي خلّفتها هذه السياسة. وقد أوصله منطقه النقدي الى إستنتاجات جريئة وخطيرة بكل المقاييس وخصوصاً في سياق المرحلة التي أتت فيها. يقول:

“… تقول فرضيتنا ان التغيرات التي أتت بها السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب) (NEP) قد أشبعت الحياة في الاتحاد السوفييتي وتركت، منذ ذلك الحين، آثاراً دائمة على تلك المرحلة برمتها. كانت النتائج مثبطة للعزيمة: البنية الفوقية الراسمالية تؤثر بشكل متزايد على علاقات الانتاج، أما الصراعات التي أثارتها السياسة الاقتصادية الهجينة، فيتم حلها اليوم لصالح البنية الفوقية، انها عودة الراسمالية” (Yaffe 2009, 240).

كان غيفارا يدرك ان فظاعة الظروف التي مرّت بها روسيا القيصرية من مجاعة وتدمير جرّاء الحرب الامبريالية الاولى وما تلى إنتصار الثورة البلشفية (1917) من حرب أهلية دموية وغزو إمبريالي، لم تبقي من القدرة الانتاجية لروسيا شيئاً. كما انه كان يدرك ان تلك الظروف، والتي إستمرت الى حين وفاة لينين، كانت قد أرغمت الاخير على إتخاذ إجراءات أدت الى السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب ـ NEP ) التي أعادت توليد العلاقات الراسمالية للانتاج، وهي المرحلة التي أسماها لينين “رأسمالية الدولة”، في حين رأى غيفارا انه من الأدق تمسيتها “الراسمالية ـ ما ـ قبل ـ الاحتكارية” من منظور تصنيف العلاقات الاقتصادية.([1])

فسّر غيفارا، إذن، لجوء لينين الى نظام اقتصادي هجين بأن ذلك قد تم نتيجة ظروف عصيبة وغير إعتيادية وفي لحظة حرجة في تاريخ الاتحاد السوفييتي، مما دفع لينين الى الخروج عن مفاهيمه النظرية وإعتماد نظام هجين يجمع العناصر الاشتراكية والراسمالية في آن واحد. وهكذا بدأت عملية طويلة تجلت في العديد من التغييرات اللاحقة في بنية الادارة الاقتصادية في ذلك البلد. غير أن لينين عاد في الفترة الاخيرة من حياته وإنتقد الارباح والدفعات (المكافأت) النقدية التي يتم تبادلها بين الشركات ووحدات الانتاج في المجتمع الاشتراكي، واستخلص غيفارا من هذا، وإن كان يقر بانه إستخلاص ذاتي، انه لو قُدر للينين ان يبقى على قيد الحياة ليقود العملية التي تزعمها وأحكم الامساك بزمامها، لكان قد غيّر العلاقات التي أسست لها السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب).

إلا انه، بالرغم من إدراكه للظروف والضرورات التي أدت الى تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة وأنظمة الادارة الاقتصادية التي نتجت عن ذلك، وبالرغم من الاحترام الكبير الذي كان يكنه للينين، رأى غيفارا انه كان ينبغي فهم هذه الاجراءات على انها تنازلات في وجه المشاكل وحلولها، لا أن تشكل نموذجاً للتحول الاشتراكي.

إستناداً الى هذا الفهم النقدي، أقام غيفارا تحليله للنمط السوفييتي في الادارة الاقتصادية ومستقبل الاشتراكية في ذلك البلد. وبفضل ما إكتسبه من خبرات في الممارسة اليومية كوزير للصناعة في كوبا، وصل غيفارا الى قناعة بان الاشتراكية ستهزم في الاتحاد السوفييتي وان هذا البلد في طريقه للعودة الى الراسمالية.

المحور الثاني

روسيا وكوبا: حالتان مختلفتان

الحالة الروسية:

لعل الاهم في تحليل غيفارا لتلك الحقبة من تاريخ الاشتراكية السوفييتية، وهو ما أصبح ركيزة أساسية في فكره وأطروحاته، هو إقراره بالفوارق الكبيرة بين روسيا القيصرية لحظة انتصار الثورة البولشفية (1917) من جهة، وحالة التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية (والتاريخية) في كوبا لحظة انتصار ثورتها (1959).

يشير غيفارا، في توضيحه لملابسات تلك الحقبة في الاقتصاد السوفييتي، الى ان الثورة الاشتراكية البولشفية جاءت الى روسيا القيصرية والتي تميز إقتصادها بالتخلف وتمركز عملية الانتاج فيها حول مصانع أو وحدات صناعية معزولة وإفتقار الدولة إفتقرت الى نظام إدارة مركزي، إضافة الى تدني المهارات الادارية والمستوى التكنولوجي. مما يعني ان النظام السوفييتي كان قائماً على راسمالية متخلفة سادت في روسيا القيصرية وهو ما لا يجوز مقارنته بالمستوى التكنولوجي والمهارات الادارية التي كانت مستخدمة في الشركات الراسمالية الاميركية العاملة في كوبا والمهيمنة على إقتصادها قبل إنتصار الثورة. وهو أمر كان لينين قد لاحظه مبكراً وطالب بالاستفادة من القدرات الإدارية والرقابية للرأسمالية.

إلا أن الاشتراكية بطبيعتها، كنظام اجتماعي ـ اقتصادي لا تسمح بإمكانية التطور الاقتصادي عبر المزاحمة الراسمالية، وعليه وجد السوفييت أنفسهم آنذاك أمام إشكالية مستعصية: فلا هم كانوا قد أزالوا المقولات الراسمالية capitalist categories،([2]) ولا أقاموا بدلها مقولات جديدة ذات طبيعة أرقى، بل انصرفت جهودهم نحو زيادة الانتاج معتمدة على الفرد وقدرته في رفع الانتاجية، ومن هنا كانت أهمية الحوافز المادية كمحرك رئيسي لرفع الانتاجية في الاقتصاد السوفييتي.

وفي هذا الصدد، يقول غيفارا: “كانت المصلحة المادية للفرد ذراعاً راسمالية بامتياز، أما اليوم [يقصد مرحلة الشروع في بناء الاشتراكية في الجمهورية السوفييتية الجديدة ـ م ع] فقد إرتقت الى رافعة للتطور، غير أنها تظل محدودة لان المجتمع الاشتراكي السوفييتي الناشئ لا يسمح بالاستغلال. وفي ظل مثل هذه الظروف فان الانسان لا يطور قدراته الانتاجية الهائلة ولا يطور ذاته كبانٍ واعٍ للمجتمع الجديد”. (Yaffe 2009, 237)

وفي وصفة لتداعيات هذه السياسات على الاقتصادي السوفييتي واقتصادات بلدان اوروبا الشرقية، كتب غيفارا:

“لقد تم زرع هذ الاخطاء، المعذورة في الاتحاد السوفييتي الذي كان صاحب المبادرة الاولى في التجربة [الاشتراكية]، في مجتمعات أكثر تطوراً أو مختلفة، مما أدى الى نهاية سيئة وأثار ردود فعل في دول اخرى. كانت يوغسلافيا الاولى التي تمردت، ثم بولندا وقد لحقت بها الآن على نحو مشابه كل من ألمانيا وتشيلوسلوفاكيا…. ماذا يحدث الآن؟ لقد إنقلب هؤلاء على النظام [يقصد السوفييتي ـ م ع]، إلا ان أحداً لم يتمعن في جذور المشكلة، فوجدوا أسبابها في البيروقراطية والمركزية المفرطة لجهاز الدولة… أما الوحدات الانتاجية الاكثر فعالية فهي تطالب باستقلالها. يشبه هذا على وجه صارخ نضال الراسماليين ضد الدولة البرجوازية التي تضبط نشاطات معينة”. (Yaffe 2009, 237)

وقد رصد غيفارا التطور الاقتصادي السوفييتي خلال العقود التي تلت الثورة البولشفية، ولاحظ ان التكنولوجيا السوفييتية كانت، في أغلب القطاعات الاقتصادية، ضعيفة النجاعة، متدنية الإنتاجية، راكدة مقارنة بالتكنولوجيا الاميركية لان الماكينات التي استخدمها السوفييت في إلغاء السوق الراسمالية كانت قديمة ومتخلفة تقنياً مما أدى الى خلل تكنولوجي وإنتاجية أقل.

ففي غياب المزاحمة الراسمالية كحافز راسمالي لتحقيق الربح اللامحدود، وعجز الخطاب السوفييتي عن تكريس بديل/نقيض اشتراكي لها، تخلف المستوى التكنولوجي عن لعب دور الرافعة للتنمية الاقتصادية السوفييتية، في النطاق المدني خاصة، مع إستثناءٍ واحد وهام لم يفت غيفارا ان يلتقطه، وهو مجال الدفاع العسكري حيث لا يُؤخذ معيار الربح في مجال التسليح بعين الاعتبار، ذلك التسلح الذي تحول إلى سباق تسلح مع المركز الراسمالي.([3])

إلا ان السوفييت، رغم العناية التي اولوها للانتاج العسكري ورغم الموارد الكبيرة التي إستثمروها فيه، إفتقروا، على خلاف الراسمالية الغربية، الى التطوير المتوازي بين القطاع العسكري والانتاج المدني. وعليه، فقد أخفقوا في تحقيق ما إتسمت به البلدان الراسمالية التي استفادت من إدخال بعض إنجازات ومكتسبات التكنولوجيا العسكرية الى قطاع الانتاج المدني مما أدى الى تحسين كبير في نوعية السلع الاستهلاكية ورفع مستوى المعيشة.

الحالة الكوبية:

إتسم الاقتصادر الكوبي، عشية انتصار الثورة الكوبية (يناير 1959) بالهيمنة الامبريالية الاميركية، هيمنة الاحتكارات الراسمالية الاميركية، على كافة القطاعات الاقتصادية الرئيسية في كوبا. فقد بسطت الولايات المتحدة سيطرتها على هذه الجزيرة ومقدراتها فور هزيمة وجلاء المحتل الاسباني عنها واستمرت في هيمنتها هذه طيلة العقود الستة الاولى من القرن العشرين والتي سبقت الثورة الكوبية.

هذه الهيمنة هي مصدر كافة الخصائص الاخرى التي ميّزت الحالة الكوبية عشية انتصار الثورة وبدون إدراكها فانه يستعصي فهم سياق الثورة الكوبية ونشأتها وأهدافها.

ومن هنا أيضاً كانت تحديات وإشكاليات التنمية في ذلك البلد مختلفة عن تلك التي وسمت الحالة الروسية كما أسلفت. وقد واكبت هذه التحديات والتعقيدات مختلف المراحل المتباينة التي مرّت بها التجربة الكوبية مما جعل منها تجربة ذات سمات مميزة ومختلفة عن التجربة السوفييتية، كما لاحظ غيفارا مبكراً:

1) مرحلة ما بين إنتصار الثورة الكوبية الى حين التحالف مع السوفييت.

2) مرحلة ما بين إعلان كوبا لتبنيها لللاشراكية (ابريل 1961) واندماجها في المعسكر الاشتراكي الى حين انهيار هذا المعسكر (إبتداءً من عام 1989).

3) مرحلة ما بعد الانهيار السوفييتي الى يومنا هذا.

ومع أن غيفارا لم يشهد سوى المرحلة الاولى وجزءً يسيراً من المرحلة الثانية، إلاّ ان مطالعة ما إستشرفه تكتسب راهنية مدهشة للمراحل التي تلت وتنبأ بقراءته لها بدقة علمية متناهية. وقد جاءت الاحداث لتؤكد صدق رؤيته: فما زالت كوبا حتى يومنا هذا تناضل بصمود مذهل للحفاظ على سيادتها الوطنية وانجازات البناء الاشتراكي في ظل حصار امبريالي غاشم فرضته الامبريالية الاميركية على مدى خمسة عقود، وفي سياق الازمة المالية/الاقتصادية الراهنة للنظام الراسمالي والعالمي.


[1] للاستفاضة، راجع معالجة د. عادل سمارة للحالة السوفيتية في تلك الحقبة في دراسته:”الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار، وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني”، مجلة “كنعان” الفصلية، العدد 135، ص 50 ـ 83. كما يستطيع القارئ مطالعة الدراسة في موقع “كنعان” على الرابط التالي:

http://kanaanonline.org/studies/?p=3

[2] وتجدر الاشارة الى أن التمسك بهذه المقولات يفتح على الخلل الثقافي، خلل الخطاب تحديداً، والذي ترسخ في الادبيات الاقتصادية ومن ثم العقيدية السوفييتية، وهو ما كان أحد اسباب التي دعت ما تسى تونغ للتمسك بالثورة الثقافية.

[3] راجع سمارة، المرجع السابق، “الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار، وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني”.