سودان ما بعد الانتخابات وما قبل الاستفتاء…

أحد الخيارين… أم نحو الخيار الثالث؟!

عبداللطيف مهنا

انتهت جلبة المعارك الانتخابية متعددة الأوجه والتعقيدات في السودان. خفت ضجيجها اللجب، ولم يلبث وأن همد، فانقشع من ثم مثار غبارها المبالغ في تكثيفه إبان الحملات الانتخابية… هذا الغبار الذي كانت قد اسهمت أطرافه، لاسيما معسكر المعارضات والشريك الجنوبي، مع من اسهم في الخارج، في اثارته، فاسفر هذا الانقشاع عن مشهد سوداني رسمته استحقاقاتها، ينسجم مع حالة المستوى السياسي فيه، ومع طبيعة المرحلة الخطرة التي يعيشها هذا البلد العربي، ومع المندرج في ظل ما يتهدد وحدته ووجوده أو بقائه على الشاكلة التي نعرفها… لم يكن هذا المشهد المسفر عنه بعيداً عن المتوقع، فاسفر عن التالي:

تقاسم الشريكان في اتفاقية نيفاشا والحكم غنائمها وكادا أن ينفردا بها… المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب… المشهد في الشمال تكشف عن شعبية واسعة لا يمكن حجبها بغربال لغط أحزاب المعارضة، كانت للرئيس البشير وحزبه ومن تحالف معه، ولا تضحدها محاولات هؤلاء والخارج المتربص التشكيك في نزاهة هذه الانتخابات بالتركيز على الأخطاء الفنية التي رافقتها، هذه التي يكاد يستحيل تفاديها في مثل هذا البلد القارة، والذي لم يشهد استحقاقاً مثيلاً منذ عقود. تراجعت حظوظ القوى التقليدية شبه الطائفية، التي تجذرت تاريخياً في التربة الشعبية السودانية وتنازعت فيما بينها لوحدها مراراً ولحقب الفوز هيمنةً ونفوذاً فيها. واجهت في هذه الانتخابات ما هو أشبه بالفضيحة الانتخابية. رحل كل ما كان لها مع الأجيال السابقة واضمحل بما ينبيء بالزوال ما بقي له من نفوذ فيما خلفها من الشباب أو أجيالها اللاحقة. المهدية بتفرعاتها الراهنة التي خسرت في معاقلها دون استثناء حتى في جزيرة أبا، ومثلها الختمية أيضاً بتفرعاتها انحسرت في بيئاتها. وتكشفت ضآلة حجم الترابية المنشقة عن المؤتمر الوطني الحاكم… ويمكن قول مثل هذا فيما يتعلق بباقي القوى الأقل حجماً، أو تلك العناوين الحزبية التي وشمت بحضورها النسبي أحداث الساحة السياسية السودانية لعقود، مثل الحزب الشيوعي على سبيل المثال.

كان للسلطة والانجازات الملموسة التي تم تحقيقها على صعيد التنمية متعددة المجالات، والاستعداد المسبق والكفاءة التنظيمية التي تمتع بها حزب المؤتمر في إدارته لحملته الانتخابية، بالإضافة إلى خطايا تحالف معارضته السياسية أولاً والانتخابية ثانياً، ما مكن له من تحقيق فوز كاسح، وبالتالي ما وضعه وجهها لوجه أمام مسؤوليته التاريخية في حماية السودان من استحقاقات معاهدة نيفاشا المصيرية التي هوالشريك في توقيعها، أو مسؤولية واحدة من اثنتين، إما حماية وحدة السودان أوالإسهام في تقسيمه ودور الشاهد على تفتيته. إلى جانب عبء وجوب حل مشاكله المعقدة والمتعددة، من دارفور غرباً وحتى كسلا شرقاً…

… المشهد في الجنوب، أسفر عن هيمنة للحركة الشعبية على هذه الساحة التي تتهيأ للاستفتاء بداية العام القادم، الذي يختارعبره الجنوبيون إما البقاء ضمن الوحدة أو الانفصال… ومع هذا المسفر عنه، ورغم أن الحركة الشعبية لا تعلن عن موقفها الحقيقي تجنباً للانشقاقات الواردة في صفوفها، تتعالى النغمات الانفصالية الآن في الجنوب، ويتضائل نصيب تحقيق الشعار القائل بالوحدة خياراً جاذباً في هذه الأشهر القليلة المتبقية. وهنا لابد من الإشارة إلى الملاحظات التالية:

أنه، بالإضافة إلى تاريخها في الصراع مع الشمال، ونفوذ النخبة الجنوبية المثقفة التي تقودها، فقد أفادت الحركة أيما إفادة باستخدامها آليات الدولة، حيث بفضل نيفاشا تنفرد وحدها، كما هو معروف، بحكم الجنوب، الأمر الذي ساعدها في بسط هيمنتها الانتخابية، التي عززها استخدامها لسطوتها في إرهاب زعماء القبائل والسلاطين، وكذلك تصفيتها المعهودة للخصوم، كما يجب عدم إهمال ما تعالت من أصوات جنوبية تتهمها بالتزوير وإبدال صناديق الانتخابات… إلخ ما يتردد صداه حتى اليوم من شكاوى لمعارضيها والمستقلين هناك. بدءاً بإدعاءات الدكتور لام أكول وانتهاءً بالاحتجاج الدموي للفريق أثور في جونقلي الذي أعلن أن قواته المحتجة قد حصدت في غضبتها جراء اسقاطه في الانتخابات أرواح ثلاثة وثمانين جندياً من الجبش الشعبي التابع لخصومه في الحركة.

الآن، وبعد الانتخابات، وعلى أبواب الاستفتاء، ما يهمنا في هذه العجالة هو رصد الاحتمالات التي سوف تسفر عنهما، أو تفحص ما تنتظره الساحة السودانية من استحقاقات مصيرية أصبحت تدق الأبواب ويختصرها السؤال المسلط على هذا القطر العربي: الوحدة أم الانفصال؟!

لكل من هذين الخيارين معسكره. قبل الولوج إلى تفاصيلهما، علينا، إذا ما أخذنا بالحسبان ما تبديه تجليات الواقع، الاعتراف بأن الوحدة واردة لكن احتمالها هو الأضعف، وأن الانفصال وارد وهو الأكثر احتمالاً، وأن الأكثر احتمالاً من الاثنين هي الحرب، أو هي على ما يبدو الأرجح، لأن الجنوب إذا ما اختار الوحدة فإن انفصالييه سوف يلجأوون مرة أخرى إلى السلاح، كما أن الشماليين لن يترددوا في الذهاب إلى الحرب إذا ما احسوا بأن الانفصال قد فرض فرضاً، ويشجعهم على ذلك أن هناك في ظل المرحلة الانتقالية توالدت عشرات التنظيمات المسلحة المعارضة للحركة الشعبية، إلى جانب حزازات القبائل وتبرم السلاطين، وقلق القوى التي تخشى من هيمنة قبيلة الدينكا على الجنوب المستقل عن شماله، الأمر الذي ينبيء بحروب جنوبية جنوبية يشير إلى احتمالاتها من الآن احتجاج القوة من قبل الفريق أثور المشار اليه على نتائج الانتخابات…أي أنه وفي كلا الاحتمالين، أكان خيار الوحدة أم خيار الانفصال، تظل الحرب أمراً وارداً وخياراً شاخصاً، رغم إصرار طرفي نيفاشا المتكرر على تأكيد تجنبهما له!

والآن، نظرة إلى معسكري الوحدة والانفصال في السودان وخارجه. في الخارج، معسكر الوحدة يضم الاتحاد الإفريقي الذي يخشى السابقة السودانية ولا يريدها، ومعه غالب دول الجوار باستثناء أوغندا وكينيا. وإلى جانب هاتين الدولتين، يضم الولايات المتحدة وإسرائيل ومتنفذي الاتحاد الأوروبي، ومجلس الكنائس الإفريقي وامتداداته في الغرب. أما في الداخل، فشمالاً لا يخفى أن الرئيس البشير والحزب الحاكم يعملان على تحشيد وحدويي الجنوب على مستوى القاعدة، أما هؤلاء فهم:

وحدويو الحركة الشعبية، وهم تيار تم اضعافه وتهميشه خارج أجهزتها المهمة، لكنه موجود في الشارع وأوساط معارضي الحركة. معارضو الحركة الجنوبيين، أو الذين يفضلون الوحدة على حكم الحركة للجنوب، وأهمهم، الحركة الشعبية لتحرير السودان التغيير الديموقراطي، أو المنشقة عن الحركة الأم، والتي يتزعمها الدكتور لام أكول، وزير الخارجية السوداني إثر اتفاقية نيفاشا، وهو الانفصالي السابق، والذي كان قد شكل مع ريك مشار ما عرف بجناح الناصر، لكنما بعد أن أقصى من قبل الحركة أو تم استبداله بوزير آخر منها، انفصل عنها وأسس حركته هذه المعتمدة على قبيلته “الشلك”. يضاف إلى هؤلاء، عبد الله دينغ نيال من دينكا بور ومرشح الترابي للانتخابات الرئاسية، وإجمالاً مسلمو الجنوب، وأغلب جنوبيي الشمال البالغ عددهم ما يقارب المليونيين، الذين سيتضررون من الانفصال وقد يفقدون بسببه كل ما لديهم في الشمال. وأخيراً عديد القبائل التي تخشى هيمنة الدينكا، ثم المناطق شبه المختلطة التي على طرفي ما يعرف بولايات التماس وترابط مصالحها وعلائقها تاريخياً.

أما انفصاليو الداخل، والجنوبيون الذين تتزعمهم النخبة المسيحية المثقفة، فهم رموز الحركة الشعبية أو قادة توجهاتها الذين ينقسمون إلى ثلاثة عناوين فاعلة، نائب الرئيس السوداني، رئيس الحركة سلفاً كير ميراديت، من دينكا بحر الغزال، وهو انفصالي مناور، وباغان أموم أمينها العام وهو انفصالي صريح، وريك مشار من قبيلة النوير، وهو يعد عقل الانفصال، وادوارد لينو من دينكا أبيبي أنجول، أو رئيس الاستخبارات في الحركة النافذ، وهو يساري علماني التوجه، وخياره رهن بهذا التوجه شمالاً أم جنوباً. يضاف إلى هؤلاء في الحركة، الأحزاب الانفصالية الأخرى المتحالفة معها، مثل المؤتمر الوطني الأفريقي، الجبهة الديموقراطية، حزب سانو بجناحيه، حزب الشعب الجنوبي… وهنا يمكن القول أن غالبية جنوبيي الشمال هم مع الوحدة وغالبية جنوبيي الجنوب هم مع الانفصال… ويمكن إضافة إلى هؤلاء انفصاليو الشمال، والذين يعد الطيب مصطفى، خال الرئيس البشير، وصاحب صحيفة “الانتباهة”، من اعتى رموزهم، والمعروف أنه لهذا سبق وأن ألقى الرئيس بخاله في السجن.

أمام هذه الخارطة، وبعد أشهر ليست بالكثيرة، سوف يجد السودان نفسه أمام مفترق مصيري تقرر نتيجة الاستفتاء وجهته، وحتى ذلك الحين الرئيس السوداني أعلن أولويته وهي الوحدة، أو العمل لأجلها في الجنوب، ووضعت الحركة الشعبية أولويتها وهي الأمن، بمعنى هدف السيطرة على إدارة الاستفتاء… وهنا، من الآن وحتى ذلك الحين، هذان الخياران هما ما ستدور حوله عجلة الصراع… ولعل في هذا ما قد يكفي للدفع باتجاه الخيار الثالث… الحرب!