تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة الخامسة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2257)

الادارة الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي وكوبا: نمطان مختلفان

يعتبر “نظام التمويل بالميزانية” الركيزة الاساسية للفكر الاقتصادي لغيفارا حيث رأى فيه حلاً لإشكاليات وتحديات مرحلة التحول الاشتراكي، وبديلاً عن نظام التمويل السوفييتي، “نظام التمويل الذاتي” (انظر لاحقاً)، الذي ساد بعد وفاة ستالين ثم تم إستنساخه ومحاكاته في البلدان الاشتراكية في اوروبا الشرقية.

يذهب البعض الى أن غيفارا اخترع نظام التمويل بالميزانية تجاوباً مع نزعته الطوباوية لمرحلة التحول الاشتراكي، إلا انه في الحقيقة رأى عكس ذلك ووجد في تطبيق هذا النظام ضمانة للإيفاء بالاحتياجات الاساسية والعاجلة للشعب الكوبي بعد انتصار الثورة وفي مواجهة التحديات الاقتصادية الجمة والحصار الامبريالي الاميركي الخانق.([1])

لقد كان غيفارا مقتنعاً بان نظام التمويل السوفييتي لا يصلح لمشروع التنمية في كوبا، وضمن هذا التحديد، فانه لا يجوز فهم نهج غيفارا (ونظامه في التمويل بالميزانية وغيره من افكاره الاقتصاديه) في فضاءه المطلق، بل في سياق البناء الاشتراكي في كوبا والحالات المشابه في العالم الثالث وحرصه على بلورة افكاره وبدائله قبل ان يستفحل النمط السوفييتي في مشروع التنمية في ذلك البلد وإستدراكاً لآثاره السلبية والضارة على غرار ما حصل في بلدان اوروبا الشرقية.

جوهر الخلاف: قانون القيمة

تمحورت مكامن الخلاف بين النظامين حول قانون القيمة وتحديداً حول المسائل الرئيسة التالية:

ـ الظروف التي تفسر وتبرر العمل بهذا القانون؛

ـ المجالات التي يسرى فيها مفعوله؛

ـ الى أي مدى يقوم هذا القانون “بضبط” الانتاج؛

ـ علاقة قانون القيمة بالخطة الاقتصادية العامة؛

ـ وأخيراً، وربما الاهم، هل المطلوب هو العمل بهذا القانون، أو العمل على نسفه؟

□ يتم العمل بقانون القيمة وتطبيقه في السوق الحرة، فهو من مخلفات التشكيلة الرأسمالية. وعليه، يقتضي التطور الطبيعي باتجاه الاشتراكية، غياب/تغييب السوق الحرة حيث يعمل هذا القانون القيمة، والذي يعمل اساساً لأن هناك سوقاً. أي أن العمل على تغييب قانون القيمة، هو المآل الطبيعي إلى حين يتم تقويضه. لذلك، رأى غيفارا أن العمل بهذا القانون يكون مؤقتا، أو هكذا يُفترض في المرحلة الانتقالية اي الاشتراكية، على أن تكون خطة الفكر والإنتاج باتجاه تقويضه. وقد رأى غيفارا انه في مرحلة البناء الاشتراكي لا يتم العمل بقانون القيمة وتطبيقه بحرية بسبب غياب السوق الحرة وبسبب الحاجة لتأمين منتوجات معينة للسكان بسعر محدد حيث تكون الارباح فيه متساوية في كافة الوحدات الانتاجية. بهذا فقد قانون القيمة تأثيره “التثويري” على الانتاج والذي يسري في ظل الراسمالية.

□ في مثل هذه الاوضاع، يصبح قانون القيمة المعيار الاكبر للفعالية بحيث يتم تكييف الاقتصاد حسب فعالية القطاعات المختلفة. فتكون النتيجة إغلاق المصانع مما تسبب في هجرة العمال اليوغسلاف والبولنديين الى بلدان اوروبا الغربية، عبيداً ترسلهم الدول الاشتراكية كي يصبحوا قرباناً للتطور التكنولوجي لبلدان السوق الاوروبية المشتركة.

كان الاقتصاديون السوفييت قد خلصوا، في نهاية خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي، الى انه يمكن العمل بقانون القيمة والذي يستمر سريان مفعوله في ظل الاشتراكية ليقوم بمهمة “ضبط” الانتاج حيث ان المنتوجات في الاقتصاد الاشتراكي تظل، وسوف تظل، سلعاً طيلة المرحلة الاشتراكية الى حين الوصول الى الشيوعية.

أما غيفارا فرأى ان قانون القيمة لا يصلح كضابط للانتاج في قطاعات الاقتصاد الاشتراكي، بل أكد على ضرورة تحليل “كلفة الانتاج”، لانه ليس من الضروري ان تتوافق كلفة الانتاج مع السعر في القطاع الاشتراكي، وأشار الى أن تحديد سعر السلعة في القطاع الاشتراكي كمحدد لحركة العمل وتنقله داخل القطاعات والوحدات المختلفة للانتاج وصناعات الدولة، لا يجب بالضرورة ان يتوافق أو أن يساوي كلفة الانتاج، مذكراً بانه لو أن تبادل العمل بين القطاعات المختلفة للاقتصاد الاشتراكي كان محكوماً أو مضبوطاً بالتبادل على اساس القيمة المتساوية (أو على أساس الربحية)، فان المؤسسات ذات الربح المتدني أو تلك غير المربحة، لن تتمكن من البقاء وان العديد من نواحي الانتاج في الاقتصاد الاشتراكي سوف تنهار. ورأى انه اذا تم تطبيق قانون القيمة كضابط لتبادل العمل بين المؤسسات المنتجة في القطاع الاشتراكي، دون تدخل بشري إشتراكي بغية التحكم بهذا القانون وتوجيهه بوعي طبقا لخطة مركزية والحد من انفلاته الطبيعي الذي مآله تكريس الراسمالية، لأضحى من المستحيل التغلب على الفوارق بين قطاعات الاقتصاد وهي السمة المميزة للراسمالية.([2])

مع حلول عام 1964 وصل “الجدل الكبير” في كوبا ذروته ومن ثمّ الى نهايته. فقد أصبح غيفارا أكثر وضوحاً وتألقاً في أفكاره ومفاهيمة وإتسعت الهوة بين نهجه والنهج النقيض، نهج “اشتراكية السوق”: دربان في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يلتقيان. وقد أعطى غيفارا في تلك السنوات عصاره ذهنه وجل جهدة الفكري والجسدي، ولم تستطع القوى المعارضة أن تنل من عزمه او تحرفه عن الطريق الذي إختاره.

كان على القيادة الكوبية ان تضع حداً لهذا الجدل المحتدم، ولا يستبعد ان يكون السوفييت قد لعبوا دورهم ومارسوا ضغوطهم، وكيف لا وهم الذين وفروا لذلك البلد دعماً اقتصادياً كبيراً! ولا شك في أن مثل هذه الفرضيات التي تعزز دور السوفييت في الحد من دور وتأثير غيفارا في كوبا وخارجها، وهو ما يلحظه المرء في مطالعة المصادر والمواقع الاشتراكية والماركسية وخصوصا في فضاء الشبكة العنكبوتية، لا شك انها تجذب إهتمام الكثيرين في صفوف الحركات الاشتراكية والتروتسكية في الغرب الراسمالي وتدغدغ نزعاتهم وعواطفهم، إلا ان الامر يظل في حكم التاريخ الى حين تنقشع الغيوم وتتكشف حقائق جديدة. وفي كل الاحوال، فان الدخول في الجدل حول الدور السوفييتي في المسيرة الثورية اللاحقة لتشى غيفارا، على أهميته، لا يساهم في فهم إرث غيفارا الثوري وفكره الاقتصادي في مرحلة التحول الاشتراكي.

خلاصة القول، ان غيفارا كان قد توصل من خلال دراسته للاقتصاد السوفييتي الى قناعة راسخة بان النمط السوفييتي في التخطيط والاقتصاد السياسي (القائم على نظام التمويل الذاتي)، نمط لا يصلح لمشروع التنمية في كوبا. وبهذا المعنى، فانه لا يجوز فهم نهج غيفارا (في نظام التمويل بالميزانية وغيره من جوانب فكره الاقتصادي) في فضاءه المطلق، بل لا بد من فهمه في سياق البناء الاشتراكي في كوبا وحرصه على بلورة افكاره وبدائله قبل ان يستفحل النمط السوفييتي في مشروع التنمية في ذلك البلد، ومن اجل استدراك آثاره السلبية والضارة على غرار ما حصل في بلدان اوروبا الشرقية.

أهم الفروق بين النظامين

كما أسلفنا أن غيفارا وجد في “نظام التمويل الذاتي” الذي كان متبعاً في الاتحاد السوفييتي مخاطر كبيرة فعارض تطبيقه في كوبا، وقدم “نظام التمويل بالميزانية” كبديل سعى الى تطبيقه في الاقتصاد الكوبي حيث تقوم بالانتاج وحدات إنتاجية (او مؤسسات أو شركات) منتظمة في قطاعات مختلفة حسب التخصص الصناعي، يكون تمويلها مركزياً وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، أي كجزءٍ من تخطيط مركزي حقيقي(Yaffe 2009, 48 ).

فيما يلي موجز لاهم الفروق في البنية النظرية والتنظيمية بين هذين النظامين نوجزها في مجالات ست:

1) الشركات أو الوحدات الانتاجية

نظام التمويل بالميزانية: تقوم بالانتاج وحدات إنتاجية (او مؤسسات أو شركات) منتظمة في مؤسسات حسب التخصص الصناعي، تمويلها مركزي وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، وهو ما يؤكد خيار دور الدولة لا خيار مدير الشركة أو الوحدة الانتاجية.

نظام التمويل الذاتي: كل وحدة انتاجية هي كيان ذو هوية قانونية مستقلة وهي المسؤولة عن تمويل ذاتها.([3])

2) النَقْد

نظام التمويل بالميزانية: يستخدم النَقْد “كوحدة حسابية” وظيفتها مسك الدفاتر والتعبير عن السعر كمؤشر لأداء الوحدة الانتاجية. وضمن هذا الفهم، يكون النقد بيد السلطة التخطيطية المركزية، ويستخدم في دراسات وتحليلات وتخطيط الاجهزة المركزية للدولة. وعليه، فالشركات لا تملك رصيداً ولا صندوقاً نقديا، وليس بمقدورها الاستدانة، ويكون التبادل بضاعياً وليس نقدياً مما يؤسس لإلغاء قانون القيمة.

نظام التمويل الذاتي: يستخدم النقد هنا كوسيلة للدفع وأيضاً كوسيلة للحسابات ومسك الدفاتر. كما انه يستخدم كآلية غير مباشرة للضبط حيث أنه ضروري للانتاج وتسيير الوحدة الانتاجية. وعليه، فالشركات هنا لها حسابت مصرفية ولديها القدرة على الاستدانة من البنوك.

3) المصارف

نظام التمويل بالميزانية: تحتفظ المصارف بما هي مرتبطة مباشرة بالدولة، بحسابات سحب وإيداع للشركات وفق خطة إنتاج وطنية شاملة.

نظام التمويل الذاتي: علاقة المصارف مع الشركات تشابه الى حد كبير العلاقة القائمة بين المنتج الخاص والبنك الراسمالي، فبمقدور الشركات هنا الاستلاف شريطة إثبات قدرتها على الإيفاء بالديون ووضع خطة مالية / نقدية، إلا ان هذه القرارات تتم وفق خطة وطنية.([4])

4) الحوافز المادية والمعنوية

نظام التمويل بالميزانية:

ـ الحوافز المادية، الجماعية والفردية (للعامل كفرد أو لمجموعة عمال في وحدة انتاجية معينة)، هي في الجوهر تنازل ضروري، لا بد منه بحكم الضرورة وفي مرحلة معينة، إلا انها تقتصر على طريقة دفع الاجرة أو دفع المكافأة فقط ولا تشكل رافعة أساسية للانتاج او رفع الانتاجية.

ـ التدريب والتأهيل المهني القسري شرط للترقية في العمل الى وظائف أو مواقع عمل أرقى.

ـ الحوافز المعنوية: تلعب دوراً تقدمياً وأكثر أهمية، إضافة الى كونها حوافز لتنمية الوعي الاشتراكي من خلال آليات العمل الطوعي، ومن هنا كان إصرار تشي على خلق الإنسان الإشتراكي.

نظام التمويل الذاتي:

ـ تعتبر المصلحة المادية الذاتية للفرد هي الرافعة الاساسية لزيادة الانتاجية وتنمية القوى المنتجة كشرط لخلق الوعي الاشتراكي.

ـ الحوافز المادية تتحقق من خلال دفع العلاوات (المكافآت المالية) أذا ما أنتج العامل ما يفوق المعدل المتوقع وكذلك كمكافأة للعمال المتفوقين.

5) قانون القيمة

نظام التمويل بالميزانية: في مرحلة التحول الاشتراكي يظل قانون القيمة موجوداً بشكل جزئي بسبب رواسب “مجتمع السلع” الراسمالي، إلا انه يتم في الوقت ذاته العمل على نسفه عن طريق الخطة الاقتصادية والتي تشكل النقيض الدياليكتيكي له (anti-thesis) وعن طريق العلاقات الاجتماعية الجديدة.

ـ ليس هناك مقولات سلعية (تبادلات سلعية) في التبادل القائم بين المؤسسات والشركات.

ـ العامل الاساسي في تقويم أداء المؤسسة هو تخفيض الكلفة، كلفة الانتاج، وليس الربح أو تعظيم الربح.

نظام التمويل الذاتي: التخلف (التقني والثقافي) هو ما يفسر وجود وإستمرار واستخدام قانون القيمة في مرحلة الانتقال الى الاشتراكية.

ـ لا بد من أخذ هذا القانون بالاعتبار في تقييم الخطة الاقتصادية.

ـ العلاقات السلعية تبقى بين كافة الوحدات الانتاجية والمؤسسات والشركات.

ـ الربحية المالية هي المفتاح لتقويم الانتاج وتحفيزه.

6) الاسعار

نظام التمويل بالميزانية:

ـ تبقى أسعارالمواد الخام المستوردة ثابتة ومستقرة وفق أسعار السوق العالمية، وهذا كاضطرار للتعاطي مع قانون القيمة الراسمالي العالمي.([5])

ـ أسعار منتوجات الشركات الكوبية تتحدد بناءاً على الكلفة وليس على أساس الربح، ويجب مقارنتها بالاسعار العالمية التي تعكس الانتاجية العالمية.

ـ يتم تكييف وتعديل “سعر الجملة” وفقاً لاحتياجات المجتمع الاساسية.

نظام التمويل الذاتي:

ـ تتحدد الاسعار وفقاً لقانون القيمة.

ـ يتحدد السعر للمستهلك بحسب العرض على السلعة بالعلاقة بالطلب الفعلي.


[1] عُين غيفارا يوم 7 اكتوبر 1959، أي بعد عشرة أشهر من إنتصار الثورة الكوبية، مديراً “لبرنامج التصنيع” في “المعهد الوطني للاصلاح الزراعي”، ثم تحولت دائرته هذه في اواخر فبراير 1961 الى “وزارة الصناعة” وعين وزيراً لها.

[2] من هنا شدد جيفارا على ضرورة التخطيط المركزي، وإن اسماه التمويل بالميزانية، ووقف ضد إنفصال المشاريع عن بعضها مقودة بحافز الربح دون أن يحمل مشروع مشروعا آخر في حالات معينة.

[3] وهذا ما سمح للمدراء في الاتحاد السوفييتي بلعب دور على مستوى المشروع وليس على مستوى اقتصاد الدولة ككل، وبالطبع ولد الحوافز المادية، ولاحقا النومنكلاتورا.

[4] هنا أيضاً يكمن التناقض بين الخطة الوطنية والخطة الشركاتية.

[5] إلتقط الاقتصادي الفلسطيني د. عادل سمارة حالة مماثلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) والتي تمثلت في مقاطعة المنتوجات الصهيونية والتوجه نحو التنمية الفلسطينية المحلية بالحماية الشعبية، فأطلق على هذه الحالة إسم “قانون القيمة الوطني” كخطوة للفكاك مع قانون القيمة الاحتلالي الصهيونية والعالمي.