مخاوف العقل الأنثوي الخمسة (الجزء الثاني والاخير)

كلاديس مطر[1]

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2257)

(6)

حين تخاف المرأة من الحرية فإنها تخاف من أمر ليست تعرفه حقاً. فهي لم تكن عبر تاريخها الطويل في موقع “العارف” أو المسموح له بالمعرفة. ولقد عرفت عبر تاريخها العربي الطويل الحقب أن المعرفة هي حكر على “صنف الرجال” أصلاً وهي من المحرمات (شجرة معرفة الخير والشر – مرجعية النص) بينما تُرك لها سقط المتاع منها، ولهذا فإنها أقصيت جيلاً بعد آخر عن مصادر المعرفة وبدت غير قادرة على أن تسلك في طريق الحرية الواعية والمسؤولة. إنها مختونة معرفياً قبل أن تختن جسدياً. فالمعرفة لا تستوجب الحرية فقط ـ المحرمة أصلاً على النساء ـ وإنما تستوجب المبادرة على كل الصعد (أي أن تكون مسؤولة) وإدارة كفة الحياة حولنا والتصرف؛ أي أن تكون على مساواة بالفعل مع الرجل في اتخاذ القرار (وهذا لا ينفي تكاملها الوظيفي معه وإنما ينافي مبدأ القوامة كما هو مقدم إلينا عبر الخطاب).

إذاً الخوف من الحرية هو خوف الجاهل الذي لا يعرف في أي اتجاه يتقدم وما هي نتائج هذا التحرك إلى الأمام. المعرفة تلغي الخوف من الحرية من جذورها، معرفة من نحن وماذا نتطلب من أنفسنا، وما هو شكل المستقبل الذي نتطلع إليه. إن الخوف من الحرية لربما كان الخوف الوحيد الذي يمكن التحكم به في بنية عقل المرأة في كل مرة نعطيها فيه حق المعرفة؛ معرفة تاريخنا، وما لنا وما علينا، وما لها وما عليها. اذاً هي حرية تبدأ بالمعرفة وتنتهي بها؛ معرفة أن:

1- الثقافة العربية والإسلامية تحديداً تعيد إنتاج ذاتها المرة تلو الأخرى بداعي الأمانة والحفاظ على النص. وإعادة الإنتاج هذه تحدث من دون إي ربطٍ للنص بأي صيرورة زمنية أو مكانية؛ أي المراوحة في ذات المكان والبناء على نفس أسس الثقافة القديمة. وحين نعرف أن كلمة حرية غير واردة كما هي منطوقة في القرآن، ندرك أننا لم نستطع أن نطور معنى للحرية خاصاً بنا وبتجربتنا الثقافية العربية الخاصة. والحق أن المكان أو المعنى الوحيد الذي ورد فيه مضمون الكلمة في القرآن إنما أتى بمعنى إلغاء الرق أو العبيد. ولقد ورد هذا المضمون خمس مرات في السورة الرابعة والخامسة والسورة الـ 58([2]). كما ورد المعنى في سورة البقرة، الآية (178 ،179)” “قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ) عدا عن ذلك لا نعثر على الكلمة في القرآن الكريم.

أما في الحديث فنعثر على معنى واحد من الحرية وهو الإعتاق من الرق أو العبودية عدا عن ذلك نعثر على نقيض هذه الكلمة أو الترويج لعكسها كما هو وارد في صحيح مسلم حديث ([3])3435، وفي صحيح البخاري حديث 6411([4]). حتى عمر بن الخطاب لم يخرج في حديثه عن الحرية عن هذا السياق فكان يقصد المساواة بين الناس وعدم استرقاق العباد “متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم احراراً”.

إن هذا النقص المعرفي لمعنى الحرية في الذاكرة العربية لا يعتبر الوحيد. فهذه الكلمة، على الرغم من تلازم مضمونها فطرياً مع البنية الروحية الأصيلة للإنسان، لم تعرف أبعادها الأخرى على الإطلاق. فالأمة العربية أمة بنت صروحها الثقافية على ملابسات السياسة وضروراتها ولم يكن وارداً فك الالتباس بين معنيي العدل والحرية في الإسلام، ذلك أن العدل يعرف بمدى الارتباط بالله وطاعة الحاكم بينما تعني الحرية نقيض ذلك تماماً، كما لم يتم تطوير أي مضمون أرحب لها ضمن معطيات ثقافتنا العربية المنقولة. وهكذا بنى العقل ذاته على هذين القطبين ولاحت الحرية وكأنها الخروج عن المعمول والموصى به وأقرب إلى خط الإلحاد.

(7)

إن عبارة ” لا يجب أن أكون حرة” إنما هي في عمقها اختيار قائلتها أن تلتصق بفقه المرحلة ومعطياته السياسية والثقافية وعدم الخروج عن الخط العام للجماعة. فالحرية لا تشي بأي طاعة لله أو للحاكم وهي شر مستطير وهي ليست بعد جزءاً فطرياً لازماً من بنية الإنسان الروحية، ولهذا يجب تجنبها.

الحق، إن الحرية منتج مستنبت لدينا في تربة ليست بعد صالحة ولا مهيأة لكي تطرح ثمره بكامل نضجها وحلاوتها. إنها بعبع العرب والعروبة وذلك لأنها السبب وراء القوانين المدنية وحقوق الإنسان والنزعة الديمقراطية، وهي الآفة التي تسمح بخلع الملوك والأمراء والقادة عن كراسيهم الاحتفالية كما إنها تسمح للمرأة بالتعبير عن نفسها والخروج عن خط سير القبيلة. الحرية باب مفتوح على كل الشرور التي لا يعرف العربي أن يحاربها إلا بالتمسك بقيمة أخرى أكثر ارتباطاً بمعنى الله؛ العدل. ولكن أي عدل بالضبط يقصد العربي؟

اليوم توصف الحرة بأوصاف شائنة كثيرة قد لا تكون فيها على الإطلاق. إن مجرد التعبير عن الذات يضعها في خانة خاصة بالنسبة للمجتمع ويجعل الكل ينظر إليها بريبة غير مفهومة. إنها تكفر بالصورة الأمثل عن المرأة كما رسمها المجتمع والدين. إنها مخالفة للقانون ضمناً، مارقة ولا مبالية.

إن الخوف من الحرية المبني على الجهل ونقص المعرفة هو الخوف الذي تحاربه المرأة بتؤدة ومثابرة متحدية بنية عقلها. إنه “كفاح” إن تم بنجاح سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام تغير كل هذه البنية لاحقاً وإعادة بنائها على أسس جديدة([5]).

(8)

هناك نوع آخر من الخوف تعرفه بنية عقل المرأة ألا وهو “الخوف من الفرح” أو المتعة أو حتى الخوف من الإقدام على السعادة. قد يبدو هذا النوع من المخاوف غريباً بعض الشيء ولكنه حقيقي على الرغم من باطنيته وقدرته الحثيثة على كبح جماح رغبتها في السعادة والجرأة على إعلان موضوع بهجتها وسرورها. إنها امرأة تتجنب المتعة وتفشل في الحصول عليها بل إنها ترفضها متى قدمت إليها إذا لم تكن من ضمن المتع الخاصة التي يسمح بها الدين والمجتمع. إنها امرأة اعتادت أن تجد لذة في متع محددة بعينها عبر التاريخ ولهذا فإن أي إقدام على متع أخرى من الممكن أن يجعلها تلتبس أو تهرب حتى. وكلمة متعة لا نعني بها اللذة الجنسية فقط وإنما كل المتع الفكرية والروحية والاجتماعية الأخرى الممكنة.

في كتابها “نساء على أجنحة الحلم”، تشرح الباحثة فاطمة المرنيسي هذه القواعد اللامرئية حين ترتاد المرأة مكاناً للمرة الأولى. إنها قواعد عليها مراعاتها لم تضعها النساء ولم تأخذ في الحسبان حقوقهن. كما لاحظت أن “الأنشطة المفضلة تندرج لسوء الحظ في إطار الممنوعات المطلقة على النساء، كالتجول واكتشاف العالم والغناء والرقص والتعبير عن الرأي. إن سعادة المرأة تخرق القاعدة، والواقع أن هذه الأخيرة غالباً ما تبدو أكثر صلابة من الحيطان والحواجز…..”([6]) إن علاقة المرأة بقنواتها الخاصة التي تؤمن لها مختلف أشكال المتع إنما هي علاقة مضطربة. فهذه القنوات تخضع لعملية رقابية كبرى ذاتية واجتماعية. إنها قنوات مشوهة وغير صالحة للاستعمال بسبب تراكم القوانين والعادات الاجتماعية والنظم الدينية المتشددة على جدرانها الداخلية. إنها تشبه “الخثرات أو الجلطات “الدموية التي تسد جدران الشرايين فتمنع تدفق الدم إلى القلب فيموت الإنسان كلياً. والمرأة العربية ميتة بهذا المعنى لأنها “تنفذ” المطلوب من دون أن يكون لهذه “الأوامر” أي تفاعل صميمي ووجداني في داخلتها. إن غالبية النساء العربيات يتجنبن الصراع حتى اليوم مع هذه الأوامر واقتنعن بالموت البطيء الاحتفالي في هذه ” الجنة المزيفة ” للعالم العربي الحديث.

ان ما يعمل على تسليك وتزييت هذه القنوات إنما هو أمر قد لا يخطر على البال للتو؛ إنه استقلالها الاقتصادي. إن السماح للمرأة بشيء من هذا الاستقلال المادي إنما يجعلها سيدة ذاتها. إن سيادتها لذاتها تفتح الباب على مصراعيه على جرأة الدخول إلى أحاريم الرغبات المقفلة وتذوق لذة اكتشافها على مهل وبسرية سعيدة مهما كان موضوع هذه الرغبات بسيطاً ووجدانياً. إن استقلالها الاقتصادي يبعد عنها تبعية الإحساس باللذة أو المتعة من أي صنف كان. فهي ليست بعد تفرح بما يفرح به زوجها فقط أو تستمتع بما تستمتع به الأسرة من أنشطة جماعية وإنما تبتكر متعها الخاصة ومواضيع سعادتها انطلاقاً مما ترغب أو تحب هي شخصياً.

لقد تعرفت خلال أسفاري على الكثير من المتع الصغيرة جداً لم يكن متاحاً لي أن أقوم بها لفترة سابقة في بلدي، مثل البحث عن زاوية صغيرة في مقهى تابع لمكتبة والكتابة فيه بهدوء، أو الجلوس منزوية تحت شجرة في حديقة عامة للقراءة، أو الذهاب إلى شاطئ البحر والمشي لساعات وحيدة، ثم الغذاء في مطعم صغير بصمت وانا أكمل القراءة بشغف، أو اللقاء مع صديق مثقف أحب التحدث إليه من دون أن أخاف من أن يظن الظانون سوءاً أو تخترع الجارات قصصاً لا تخطر على البال. إن هذه المتع الصغيرة كانت صعبة المنال فيما مضى بينما أصبحت متاحة اليوم في سوريا من دون الكثير من المنغصات.

ولكن هل تغير الزمن فتغيرت قناعات الناس؟ لا،لم يحدث شيء من هذا حقاً. فنحن على حالنا لكن الذي تغير هو القرار السياسي في سوريا والأمن النادر الذي يسمح للمرأة في التجوال ليلاً من دون أن يعترضها أحد، بينما لم تصل بعض الدول العربية الأخرى القناعة بضرورة تمكين المرأة وحماية حقوقها بالقانون، لهذا فإنها ما تزال تصارع للحصول هذه المتع الصغيرة التي هي في أدنى سلم المتع. أقول هذا، مع إدراكي أن هناك الكثير من القوانين التي يجب أن تتغير في بلدي تتعلق بالمرأة والتي مازال الطريق أمام المتنورين منا طويلاً لكي يسلكوه من أجل “شطبها”.

(9)

إن المتع الدنيوية المحجوب بعضها عن المرأة ليست هي في الواقع كل المتع وليست هي أساس سعادتها المفقودة أو الناقصة، وإنما هناك متع أكبر وأكثر خطورة ألا وهي تلك التي تتعلق بالمعرفة. وهي متع يمكننا أن نضعها في مكان أعلى بكثير من المتع الأخرى التي تسعى إليها يومياً. إن العجز عن “تصور” متع أخرى أو “ابتكار” متع أخرى أكثر أهمية إنما يتوقف تماماً على مدى المعرفة المتاحة للمرأة وذلك لأن هناك ارتباطا عضويا قويا بين المعرفة والمتعة. ففي فصل جميل من كتاب ” كيمياء السعادة ” للإمام أبو حامد محمد الغزالي يتحدث عن “أعظم اللذات” فيقول: “…….. لذة القلب المعرفة. وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر. ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح، ولو عرف الملك لكان أعظم فرحاً. وليس موجوداً أشرف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم آثار صنعته؛ فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته، وليس منظر أحسن من منظر حضرته. وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس، وهي تبطل بالموت. ولذة معرفة الربوبية متعلقة بالقلب، فلا تبطل بالموت؛ لأن القلب لا يهلك بالموت، بل تكون لذته أكثر، وضوؤه أكبر؛ لأنه خرج من الظلمة إلى الضوء”.

الحق، إن الإمام الغزالي لا يحصر اللذة بمعرفة الله وحده كصفات وإنما ينطلق إلى معرفة كل ما يتعلق به، إنها لذة المعرفة الأرحب وهي اللذة التي لا تبطل بالموت كما هي الحال في الشهوات وإنما لذة مستمرة مقيمة كاشفة وأزلية بمعنى ما. لكن هذا النوع من اللذات لربما يعتبر الأكثر رفاهية على الإطلاق بين اللذات التي لم تستطع المرأة الحصول على الأدنى منها حتى. إنها لذة العارف المتأمل في الدنيا، الباحث عن معناها، الساعي إلى لبها وسبب وجودها. إنها اللذة التي يقترفها من عرف سقف اللذات الأدنى فاكتفى منها وزهد بها أو انتهى من صراعه الحصول عليها. لهذا فإن سلم اللذات أو المتع بالنسبة لما تبحث عنه المرأة مازال في درجاته الدنيا وإن الارتقاء فيه إنما يرتبط بشكل كبير في درجة معرفتها وعرفانها. والحق إن العقل الأنثوي الذي اعتقد أنه ما زال في مرحلة المرآة ـ كما أسلفت في فصل سابق ـ إنما بحاجة إلى سنوات ونضج أكثر لكي يبدأ بالعزوف عن المتع الأدنى واختراق الطبقات الأعمق والأعلى من المتع الحقيقية. إن المتع التي يسعى إليها هذا العقل الآن إنما هي متعة التعرف على ذاته وتلبية رغباته الأولى!! إنه عقل يبحث عن سعادته الآنية المتمثلة في الحصول على جواز سفر، وقيادة السيارة، والعيش مستقلة في شقة خاصة بها، والحصول على شهادات تخولها العمل، واختيار الزوج الذي تراه هي مناسباً لها، واللباس الذي تعتقد أنه يريحها، وحرية الخروج والدخول والتعبير عن النفس كما تشاء واستقلالها الاقتصادي واستقلال قراراتها…الخ وهي كلها “متع” تجسد الحد الأدنى من شرعة حقوق الإنسان ولا يمكن أن نعتبرها من المتع التي تتواجد في الدرجات العليا من سلم المتع الحقيقية التي ترتبط بالمعرفة.

إذاً هو ليس خوفاً من المتعة أو السعادة وإنما هو بالعمق الجهل بها والعجز عن ابتكارها لأن السعادة هي فعل إبداعي داخلي تماماً وليس حدثاً أو أحداثاً تقع للمرء. إنها يقظة داخلية يكللها الفهم (أي المعرفة) والقناعة القصوى بأمر يركن إليه المرء بكل راحة ويقين.

(10)

هناك خوف آخر يعيشه هذا العقل ألا وهو الخوف من المسؤولية.

على الرغم من تميز الدين الإسلامي بالعلاقة المباشرة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه فلا يوجد في الإسلام ما يحول بين الإنسان وبين خالقه وبالتالي لا يمنع أي مسلم من أن يتصل بربه ويلجأ إليه ويدعوه ويشكو أمره إليه في أي وقت شاء وفي أي مكان، قال تعالى: (وَإِذَا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة : 186. إلا أن الخوف من المسؤولية يرجع إلى أمر يحدث كل الوقت ألا وهو في تنصيب الرجل لنفسه وسيطاً مفترضاً بين العالم والمرأة. والعالم هو نسق أدنى من الله بكثير. فإذا كانت علاقتها بالله لا تحتاج إلى وسيط فكيف يكون الرجل هو “الوسيط” بينها وبين العالم الذي هو نسق أدنى؟؟ أليس هذا في عمقه هو ما زرع في بنية عقلها عبر الحقب هذا الميل ـ الذي أصبح فطرياً ـ لتجنب مسؤولية الغوص في هذا العالم وأعدم لديها حس المبادرة والقيادة؟؟

الأمر ذاته نجده في المسيحية في رسالة القديس بولس تحديداً إلى أهل كورنتوس 11:3 ،8 ،9: “ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح وأما رأس المرأة فهو الرجل. ورأس المسيح هو الله. لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل. ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل”. إن الوحي هنا يربط الأبوة الروحية بالقيادة والترأس وهذا يعني الإمساك بزمام المبادرة والتفرد بالمسؤولية.

إن هذا الربط ” الإلهي ” بين القيادة والمسؤولية أمر يفهمه كل ذي دين، مهما كان هذا الدين. فالمسؤولية مناطة بالقائد والمرشد الذي هو دائماً الذكر.

حين تلقى العقل الأنثوي هذا المفهوم الإلهي للمسؤولية كان عليه أن يبدي الطاعة الكاملة كطفل صغير يستمع إلى إرشادات والديه. إنه عقل طفل ضمن معطيات النص لا يجب عليه أن يكبر لأن النص هو أيضاً لا يكبر أي لا يتغير.

إن الخلافة الكهنوتية في المسيحية والإسلام كانت دائماً لرجل. وكذلك هي المسؤولية. حتى مريم العذراء التي تعتبر في المسيحية “والدة الإله” لم تلق على عاتقها أية مسؤولية كهنوتية وإنما احتفظت بلقب الأم المقدسة فقط. إنها حتى لم تطالب بأي من هذه المسؤوليات على الإطلاق.

“إن أنواع الكهنوت التي قدمها الكتاب المقدس كانت تشمل الرجال فقط ابتداء من كهنوت الآباء البطاركة الأول مثل نوح وأيوب وإبراهيم وإسحق ويعقوب، أو الكهنوت الهارونى، أو كهنوت ملكى صادق، أو كهنوت الرسل وخلفائهم من الأساقفة، كله كهنوت رجال وبهذا يكون كهنوت المرأة هو ابتداع في الدين”([7]) وهكذا” اقتصرت مسؤولياتها على الخدمة الاجتماعية، وفى تعليم النساء والأطفال وخدمتهن وفى رسم الأيقونات، وفى صنع ملابس الكهنوت، وفى رعاية الأيتام والمتغربات والمحتاجين.. الخ. ولكن لا يوجد أي سند في الكتاب المقدس أو التاريخ لتعليم المرأة للرجال أو قيامها بخدمة الكهنوت للرجال.” ([8]). أما موضوع الإمامة في الإسلام وهي أعلى مراتب المسؤولية الكهنوتية فله شأن مماثل. فالإمام يعتبر قائداً عاماً للمسلمين يخلف النبي. صحيح أن الأمة الإسلامية اتفقت على توقف الوحي بموت الرسول وتوقف التشريع، لكن الإمامة تكمن في كمية المسؤولية التي يمكن أن يتحملها عنه. لكن هذا التعريف المبسط لا يختزل حقاً بقية التصورات المختلفة حول ماهية الإمامة على ضوء الكتاب والسنة والمنطق. فهناك اختلافات كثيرة حول توصيف مهام الإمام وصفاته. فالإمامة هي مسؤولية أو تفويض اجتماعي أولاً من قبل الأمة التي تريد له أن يدير شؤونها. إنها تعني تدبير شؤون هذه الأمة ولا تعني الخلافة التامة عن النبي أو الرسول كما هي الحال في كل المناصب السياسية ـ الدينية إلا في بعض من مسؤولياته. إنها تفعيل للسلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية. ونظرية التفويض الاجتماعي هي واحدة من نظريتين حول شروط الإمام. وبهذا فإن هذه النظرية لا تفترض أن يكون أعلم الأُمّة وعارفاً بكل ما يرجع إلى الشريعة والسياسة إلا إذا أوتي من هذه المقدرة الغيبية التي كانت للنبي.

لكن هناك نظرية أخرى تعتقد أن الإمامة هي تفويض إلهي. إن أصحاب هذه النظرية يعترفون بختم النبوة والرسالة وتوقف الوحي بعد موت النبي ولكنهم مع ذلك يعتقدون أن الإمام” أعلم الأُمّة، وأقضاها، وأعرفها بأُصول الدين وفروعه، وأقواها على الذود عن حريم الدين والعقائد والمعارف إلى غير ذلك من المؤهلات الّتي يجب أن يكون النبي متّصفاً بها. “([9]) وبما أن مسؤوليات النبي كانت كبيرة جداً عدا النبوة وتلقي الوحي، فإن من يليه يجب على الأقل أن يكون “مصوناً من الزلل ومعصوماً عن الخطأ”([10]) الأمر الذي لم يكن في ثقافة “فهم المرأة” ولا في أي حقبة من حقب العرب المباركة. ([11])

وهكذا أصبحت المسؤولية في أعلى مستوياتها مرادفاً للذكورة، وهكذا ترسخت طوال الوقت في عقل الأنثى العربية حتى في المسؤوليات الأقل شأناً وأدنى مرتبة. المسؤولية، عربياً، هي مرادف آخر لمعنى الرجولة.

(11)

لقد جنن التعليم المجاني المرأة العربية حقاً. لقد أصبحت ليست راغبة في التعلم فقط والغوص في مصادر المعرفة وإنما جعلها تصل حقاً إلى أعلى مستويات اللذة المعرفية وتطالب من أجل ذلك بمكانها في أعلى درجات المسؤولية: الإمامة والسلطة الكهنوتية والقيادة.

الحق، لقد انتبهت إلى أن مطالبة بعض النساء اليوم الوصول إلى أعلى الدرجات الكهنوتية أو منصب الإمامة ليس مبنياً فقط على رغبتهن في اعتلاء المنصب الذي يشعرن أنهن جديرات به، وإنما لأنهن يردن أن يكسرن طبيعة هذا التمييز الجندري حتى في الصلاة. فالمرأة ليست فقط المولدة والمرضعة والمنشئة وإنما هي الآن متماهية في ثوب الحاكم الأول والمشرع وسانن القوانين والوسيط المباشر مع الذات العليا. إنها هناك في موقع المسؤولية. لكن أهمية هذا الأمر حقاً لا تأتي من رغبتها في اختراق المحرم كسنة وإنما تأتي من هذه الرغبة القوية في المساواة كروح قادرة على العطاء. أرجو الأخذ بعين الاعتبار هنا أن كلامي يحمل بعداً تشريحياً بحتاً وليس بعداً تشريعياً على الإطلاق. فلا أطمح لكي أرى المرأة تعتلي هذا المنصب حقاً قبل أن تتولى مسؤوليات أدنى مازالت تصارع لكي تحظى بها.

إن الخوف من المسؤولية في العقل الأنثوي العربي على وشك الانهيار هو الأخر. صحيح أنها دربت لكي تمشي وراء رجلها بمتر على الأقل ولكن المسافة تقصر شيئاً فشيئاً في عقلها وفي خطواتها.

مع ذلك، إننا نحيا في زمن من المواجهات الخفية التي لا سابق لها. ولقد أصبح هناك الكثيرون ممن أتقنوا فن الإقناع السريع وخلق الثقة لدى الآخرين كمهارات كسبوها عبر خبراتهم السابقة وهم الآن قادرون على “بيعها” بخفة يد ساحر أو عن طريق الحذاقة اللفظية.

في الوقت الذي أطلب من المرأة التخلي عن مخاوفها، أشجعها على تبني الخوف الصحي الذي يبعد عنها المقاربات غير المرغوب فيها بالرغم من إدراكي صعوبة ذلك. إن الثقافة الغربية التي تشجع المرأة على إبداء الكياسة واللطف في حوارها حتى مع الرجال الغرباء قدمت لها بالمقابل نتيجة ذلك التوقعات الممكنة التي تضعها في حالة من الخطر. أما المرأة العربية فبالرغم من تحفظها الدائم من الرجل إلا أنها مع ذلك وقعت فريسة بين يديه جنسياً وروحياً واقتصادياً وتراثياً واجتماعياً. وبدا أن لا الكياسة والانفتاح ولا التحفظ يمكن أن يحمي المرأة من هذا الخطر المتوقع.

لكن هناك خوف صحي وهذا أمر لا يختلف فيه عاقلان. وهو خوف خصته الطبيعة بالبشر من أجل حمايتهم والإبقاء على حياتهم. إنه الخوف من المجهول والقوى الأكبر منها.

:::::

الموقع الالكتروني للمؤلفة www.gladysmatar.net


[1] ننشر اليوم الجزء الثاني والاخير من الفصل الرابع من كتاب الباحثة كلاديس مطر”تأخير الغروب: التقديس والتأثيم” وعنوان فرعي “بحث في إزدواجية بنية العقل النسوي العربي”، والذي صدر عن دار التكوين في دمشق عام 2009.

[2]النساء والمائدة والمجادلة.

[3] صحيح مسلم، الامارة حديث: 3435 :” ‏و حدثني ‏ ‏محمد بن سهل بن عسكر التميمي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن حسان ‏ ‏ح ‏ ‏و حدثنا ‏ ‏عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏يحيى وهو ابن حسان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏معاوية يعني ابن سلام ‏ ‏حدثنا ‏ ‏زيد بن سلام ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلام ‏ ‏قال قال: ‏حذيفة بن اليمان

‏قلت يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر قال نعم قلت هل وراء ذلك الشر خير قال نعم قلت فهل وراء ذلك الخير شر قال نعم قلت كيف قال ‏ ‏يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع للأمير “.

[4] صحيح البخاري، حديث 6411 : ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو النعمان محمد بن الفضل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد بن زيد ‏ ‏عن ‏ ‏أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏عكرمة ‏ ‏قال: ‏أتي ‏ ‏علي ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من بدل دينه فاقتلوه.

[5] يطرح الدكتور محمد شحرور المفكر الإسلامي المقيم في دمشق فكرة في غاية الأهمية من أجل الإصلاح الشامل في الإسلام على أساس معرفي جديد : يقول في مقالة بالإنكليزية له بعنوان: مفهوم الحرية في الاسلام ” …

Religious reform should be based on the following elements:

Muslims should adopt a new epistemological approach that can effectively produce a comprehensive understanding of the Qur’an and Sunnah. Therefore، they need to break away from their heritage، though without bringing their history to an end. In this way، Muslims can review their standpoint and assess their understanding of the verses related to Islamic Law (al‑ahkām)، especially those referring to warfare، which are to be found in Surahs 8، 9 and 47. They should also distinguish between the “history of a text” and the “historical basis of a text” or the context. An example of the “history of a text” is Joseph’s story، one of the many related in the Qur’an. The objective of including these historical stories is to provide guidance and teach us about historical legislation. Nevertheless، it should not be the platform for Islamic legislation. An example of the “historical basis of a text” or the context of a text is the laws of inheritance. The verses in Surah 4 are not to be taken literally، for the laws could be applicable only at the time of the Revelation، in accordance with the established epistemological system and the practice of the people during that stage of Islamic history. Muslims need to reread these verses along the lines of a new episte­mo­logical system so that they can acquire a thorough understanding of them and thus create new laws on inheritance. In other words، there can be no reform without the violation of certain established sentiments in Islam، which were created by people in the first place.

[6] نساء على اجنحة الحلم، فاطمة المرنيسي، ص 73، منشورات الفنك، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

[7] http://www.metroplit-bishoy.org/files/Dialogues/Anglicans/ordinationofWomen

رأى الكنيسة الأرثوذكسية فى كهنوت المرأة، الذى قُدم إلى مؤتمر لامبث للأنجليكان بإنجلترا سنة 1988، رسالة أعدها قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عن رأى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى موضوع منح الكهنوت للنساء.

[8] المرجع السابق

[9] مفاهيم القرآن للمؤلف المحقق جعفر السبحاني، الجزء الخامس: ص 346

[10] (وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ ومِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) البقرة: 124.

[11] ابن عابدين الحنفي في رد المحتار 1/577: “ولا يصح اقتداء رجل بامرأة، أي في الصلاة”.

-وقال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته المشهورة (المطبوع مع شرحه الفواكه الدواني) 1/205: “ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالاً ولا نساء”.

وقال الحطاب المالكي في التاج والإكليل 2/412: “قال المازري: لا تصح إمامة المرأة عندنا وليعد صلاته من صلى وراءها وإن خرج الوقت”.

-وقال الشافعي في الأم 1/191: “وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة، وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة; لأن الله عز وجل جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهن عن أن يكن أولياء، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبداً”.=

=-قال النووي الشافعي في المجموع 4/151: “اتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح، وسائر النوافل، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف ـ رحمهم الله ـ وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود وقال أبو ثور والمزني وابن جرير: تصح صلاة الرجال وراءها، حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري”.

-وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف2/263: “ولا تصح إمامة المرأة للرجل هذا= =المذهب مطلقاً، وعنه تصح في التراويح ولا يجوز في غير التراويح، فعلى هذه الرواية، قيل: يصح إن كانت قارئة وهم أميون وقيل: إن كانت أقرأ من الرجال ، وقيل: إن كانت أقرأ وذات رحم، وقيل: إن كانت ذات رحم أو عجوزاً. واختار القاضي يصح إن كانت عجوزا”.

-وقال ابن حزم في المحلى 2/167: “ولا يجوز أن تؤم المرأة الرجل ولا الرجال، وهذا ما لا خلاف فيه ، وأيضا فإن النص قد جاء بأن المرأة تقطع صلاة الرجل إذا فاتت أمامه، مع حكمه عليه السلام بأن تكون وراء الرجل في الصلاة ولا بد، وأن الإمام يقف أمام المأمومين ولا بد”.

ولم ينقل عن أحد من أهل العلم جواز إمامتها في صلاة الجمعة حتى الذين جوّزوا إمامتها في الفرائض الخمس.