حول الكيان الصهيوني وكيان الدويلة القطرية الكولونيالية العربية وما بينهما (الحلقة الثانية)

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2258)

لم يقتصر الهجوم الاستعماري الغربي على المنطقة العربية بالطبع على الزمن الحاضر ولا يمتد بعمقه فقط إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إلا ان هذا القرن دشن المنطقة العربية بمسارين خطيرين حددا تبعيتها للغرب الاستعماري الغربي إلى يومنا هذا ورسخا لتواجده العسكري المباشر وغير المباشر السابق واللاحق وشكلا الدعامتين الأساسيتين لما قدم من مساع فيما بين قواه للتمهيد لتقاسمها بين مراكزه وما زالا يتحكمان بمصيرها حتى زمننا الحاضر وهما:

1) اتفاقية سايكس ـ بيكو التي نصت على تفتيت المنطقة قابلة للتذرذر في أي وقت، تقسيمها إلى دويلات كولونيالية متصارعة فيما بينها، تحكمها رأسماليات كولونيالية مستجلبة وطارئة من خارج منطق الصراع الاجتماعي الأساسي للبنية السائدة وتطورها الطبيعي والمنطقي، عميلة وتابعة له حتى في قوتها وشرطتها وسجونها ومرتبطة حصرا بمراكزه الامبريالية، لها مهمة وظيفية محددة: أن تكون عونا له على نهبنا والحفاظ على عهدته الاستعمارية مستقبلا، ساعية فيما بعد وبالتعاون معه لإنتاج المكونات السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية لسوق المنطقة نحو قابليتها للاستعمار واستدخال الهزيمة إلى مكوناتها الاجتماعية والنفسية وحتى الشخصية لتطال كل مواطن عادي بمفرده فكيف بمثقفي الكولونياليات وأجهزتها.

2) إصدار وعد بلفور الذي نص على/ورعى زرعا خبيثا لكيان صهيوني استيطاني، هو مستعمرة عنصرية أوربية لها مهمة وظيفية أيضا وبالتساوق مع المهمة الوظيفية الملقاة على عاتق الدويلات الكولونيالية العربية، يكون بمثابة قاعدة عسكرية متقدمة له ومخزن ضخم لجميع أنواع أسلحته وموانئ لبواخره وحاملات طائراته التي ستمنع أي محاولة تحرر أو وحدة أو نهضة في المنطقة العربية، وستفشل أي محاولة لإسقاط أي كولونيالية من كولونيالياتها لاحقا، ولتنطلق منها لتطبيق وتحقيق وتخطيط لما هو قادم من أهداف استعمارية للمنطقة بأكملها بتعميم ” الفوضى الخلاقة ” في حدودها لتعيد صياغتها إلى ” الشرق الأوسط الكبير ” أو الجديد.

ولكي ينأى الرأس مال الصهيو امبريالي بنفسه عن تكاليف استعمار المنطقة المباشر وتحمل أعباءها المادية والبشرية بذل كل الجهود وبكل ما تفتقت عنه قريحته الاستعمارية لإنشاء آلية تواطئ محكمة تربط ما بين هذين الكيانين الوظيفيين لحماية كل منهما لللآخر وبإدارة مباشرة من قبله للحفاظ على العهدة، مهد لذلك منذ وقت طويل ببعثات تبشيرية ورحلات استشراقية استكشافية سعت دؤوبة لمصادرة تاريخ هذه الأمة من خلال دراسات اجتماعية اقتصادية مبتسرة ومضللة ومخادعة تحكمها رؤية أحادية عنصرية للتاريخ وللبشر حاولت من خلالها إخراج بنيتنا الاجتماعية والاقتصادية عن نسق التاريخ العام ونسق تطورها الإنساني العام فكانت من وجهة نظرهم سديما، عدما، خرابا وخواءا لتبرير استعمارها، ولما حصل له ذلك راح يبذل كل المساعي ليعيق التحولات المبكرة لبنيتها واحتجاز تطورها الطبيعي، بل الأنكى من هذا كله أن هذه الرأسماليات الأوربية التي امتطت مشاعر شعوبها القومية وفخار بنائها لدولة الأمة في إطار سوقها القومية أنكرت على هذه الشعوب تاريخها وقوميتها وحقها في بناء دولة الأمة، وخططت مبكرا لتقسيم هذه البلدان حتى لأكثر مما نصت عليه خرائط سايكس بيكو. ولا تزال نفس هذه السياسة الى أيامنا هذه تحكم سلوكهم اتجاهنا كما يجري اليوم في العراق وكما يخطط للسودان لاحقا ولمصر والسعودية وإمارات الخليج والمغرب العربي بناءا على قاعدته الاستعمارية الذهبية: فرق تسد.

نعم فإن سعي الغرب الاستعماري لغزو منطقتنا يمتد لزمن أبعد من ذلك بكثير، فمنذ أن حسم الصراع في أوربا بمجملها إثر الثورة الفرنسية لصالح البرجوازية اللبرالية وأصحاب رؤوس الأموال المتراكمة من الربا وإنتاج المانيفاكتورة، قد أسس لمرحلة جديدة من تطور رأس المال هناك، كان من أهم سماتها أهمها أنها فتحت مرة أخرى شهية هذه القوى لنزعة امبراطورية وشهيتها لهجوم استعماري للعالم ومن ضمنه بلادنا بعد أن كانت قد طويت حقبة الحروب الصليبية التي اتخذت لنفسها في حينه في غمار خوضها تضليلا وتبريرا الاختلاف الديني ( تماما كما هو التضليل هذه الأيام بإضافات عصرية من قبيل ” صراع الحضارات” و”ديموقراطية” و”حقوق إنسان” و” حرية المرأة” و”حقوق الأقليات” )، فجاءت في هذا السياق الحملة الفرنسية سنة 1798 على مصر بقيادة نابليون، ومن مصر سعى نابليون للتوسع الاستعماري إلى الشرق نحو الشام لولا أن استعصت عليه أسوار عكا، وهناك تحت أسوار عكا باحت النزعة الاستعمارية الأوربية على لسانه، وقبل مايزيد عن مائة عام من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول وصدور وعد بلفور عن دوافعها العدوانية في تقسيم المنطقة وشرذمتها عبر خطابه الشهير الذي دعا فيه اليهود في أوربا للقدوم إلى المنطقة العربية ليقيم لهم فيها وطنا، فاضحا بذلك أن الصهيونية هي من ابتكار العقلية الغربية الاستعمارية المبكرة وأنها الابنة البكر لحاجة الرأس مال الغربي المبكرة في إقامة حاجز بشري غريب في المنطقة يكون قاعدة لهجومه عليها فأرشدته عقليته الفاشية العنصرية المدمرة لفكرة إقامة كيان استيطاني استعماري يحمل صفة اليهودية ذو طبيعة عنصرية فاشية في خدمة أطماعه لنهب المنطقة، لولا تحطم أحلامه على صمود عكا خلف أسوارها المنيعة حينذاك.

تلت حملة نابليون الاستعمارية بعد ذلك حملة انكليزية بقيادة الجنرال فريزر على مصر سنة 1807 والتي منيت أيضا بهزيمة نكراء على يد محمد علي والي مصر آنذاك، هذه الهزيمة التي دفعتهم فيما بعد لإدراك خطورة الإجراءات التي انتهجتها تجربة محمد علي وولده إبراهيم في إطار مشروع النهضة الأولى في المنطقة مما دفعهم للتحالف المشترك في أكثر من مرة رغم صراعهم على تقاسم العالم لتفكيك الامبراطورية العثمانية لاقتسامها فيما بينهم خشية تطور المنطقة وامتلاكها لمقومات القوة من خلال توحدها، ولولا أهمية ذلك لديهم لما مارسوا كل الضغوط على أتاتورك في حينه لإلغاء مؤسسة الخلافة فاستجاب لهم بطرد آخر الخلفاء إلى باريس.

لن ندخل هنا في تفاصيل اختلاف أو خلاف وجهات النظر حول تقييم وتسمية فترة الحكم العثماني إن كانت تعتبر، وحسب وجهة نظر البعض، فترة استعمارية، أم أنها، وحسب وجهة نظر أخرى، مجرد دورة أو مرحلة أو فترة حكم كمثيلاتها من الدورات التي حكمت فيها الفئات القومية الأخرى التي تعاقبت على سدة الحكم في ظل الحقبة الإسلامية بمجملها، من عرب وكرد وترك وفرس وغيرهم، هذه الشعوب أو القوميات التي سكنت المنطقة الجغرافية للامبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، وبالتالي رأت أنه لا يمكن اعتبار الحكم العثماني فترة استعمارية بل يمكن إطلاق سمة مرحلة الحكم العثماني على الفترة التي ساد فيها العنصر التركي على مقاليد السلطة في هذه الامبراطورية، وفي كل الأحوال فإن الأمّة العربية التي استمرت تحت حكم الدولتين الأموية والعباسية لم يطرأ تغير كبير على حركتها الاجتماعية تحت الحكم العثماني لأنها استمرت في عيشها في إطار سياسي واجتماعي متواصل عمومًا وبحدود مفتوحة وبوعي جمعي مشترك لم يخلّ به سوى تنامي القومية الطورانية التركية على حساب الانتماء العثماني الإسلامي والتي ميزت نفسها بناءا على احتقار الأمم الأخرى التي كانت تنضوي تحت راية الرابطة العثمانية واشتد هذا الاستعلاء القومي التركي خصوصا أواخر عهد الامبراطورية بعد الانقلاب التركي عام 1908 على السلطان عبد الحميد الثاني وتولي جمعية الاتحاد والترقي الشوفينية مقاليد السلطة، وما تبع ذلك من اضطهاد لبقية القوميات الأخرى ومن ضمنها القومية العربية، وفي هذا الصدد لا ينبغي علينا غض الطرف عن المساعي التي كانت تبذلها القوى الامبريالية الاستعمارية ‏الغربية لتفكيك هذه الامبراطورية كما أسلفنا، ومن هذه الزاوية يمكن فهم المحاولات البريطانية والفرنسية آنذاك لفتح قنوات الاتصالات السياسية مع القوميات المكونة للامبراطورية العثمانية ودغدغة مشاعرها القومية لتحريضها للانفصال إلى جانب اللعب بالمشاعر الدينية والمذهبية الأخرى من مسيحيين ودروز وعلويين وغيرهم.

من الأهمية بمكان لفت النظر لطبيعة البنية الاجتماعية العربية تحت الحكم العثماني ولو بشكل سريع، كما ل ابد من التدقيق أكثر في نمط إنتاجها الذي كان سائدا حينذاك وتركيبة التحالف الطبقي المهيمن في طرفي الصراع، والإطلالة على بعض الأحداث الهامة التي ميزت أواخر العهد العثماني قبل البحث في طبيعة هجوم رأس المال الغربي المصهين والاستعماري الشرس على المنطقة العربية، وآلية تحولها الكولونيالي رأسماليا بتدخل ورعاية مباشرة من هذا الرأسمال الامبريالي المركزي في سياق سعيه لإقامة دويلات متساوقة مع الكيان الصهيوني كتعبير سياسي أوحد لها والذي سنفرد له الحلقة الثالثة. يحثنا على ذلك ما يقوم به بعض الدارسين والكتاب العرب المتأثرين ب والذين يتبنون نظرية المستشرقين الأوربيين حول البنية المجتمعية العربية القديمة والمتوسطة وحتى الحديثة التي تقر بافتقارها للمبنى الطبقي في الصراع الاجتماعي فيستنتجون بأنها راكدة وعديمة الحركة بل ميتة وتفتقر للقدرة الذاتية على التبدل والتقدم وبالتالي، وهذا هو الأهم، تحتاج إلى قوة خارجية تساعدها على الحركة، إلى أين؟ إلى قبول الاستعمار بل دعوته لأن يستعمرها لكي تخرج من ركودها، ومن هنا تكون ظاهرة الدويلة القطرية التي أفرزتها اتفاقية سايكس ـ بيكو هامة لهذه المهمة كما رأينا لسرعتها باستدعاء الاستعمار ليحتل أراضيها أو ليقيم بها قواعد عسكرية.

بل أن العديد من دعاة الفكر الغربي ومن حذا حذوهم من العرب يعزو ركود المنطقة ومواتها للدين الإسلامي الذي تدين به معظم المنطقة العربية، وقد كثر هؤلاء في عصرنا الحالي، عصر العولمة و”الشرق الأوسط الكبير” أو الفرنكوفونية أو حوض البحر الأبيض المتوسط، وكل أنواع التسميات عدا أن تكون وطن عربي أو أمة عربية.

قبل أن نلج في تناول بعض الآراء التي تناولت البنية الاجتماعية الآسيوية بالبحث نود التأكيد على بعض النقاط العلمية اللازمة من وجهة نظرنا. إن القضيتين الأساسيتين اللتين ينبني الجدل التاريخي عليهما هما:

1) التفريق بين ما يجري على أرض الواقع من عمليات وما ينعكس منها وما يستقل عنها في الفكر، أي التمييز بين ما هو موجود واقعيا وبين المعرفة، شخصية كانت أم جماعية.

2) أسبقية ما هو موجود في الواقع على ما هو يعتمل في الفكر، أي أسبقية الواقع على المعرفة.

فمهما حاول العمل النظري أن يجرد الأشياء والمفاهيم فإنه يستند بذلك دائما على ما يجري من عمليات على أرض الواقع وعلى ما تحقق منها على الأقل، هكذا فعل ماركس عندما اكتشف فضل القيمة المنهوب من جهد العامل من قبل الرأسمالي في بنية نمط الإنتاج الرأسمالي في أوربا، وما فعله بالمقابل سمير أمين عندما أماط اللثام عن طبيعة البنية المجتمعية في آسيا والشرق عموما واكتشافه لنمط الإنتاج الخراجي.

وإلاّ فإنه لا توجد مفاهيم حقيقية أكثر من غيرها إن كان العمل الذي ينتج المعرفة مستقل بذاته عما يجري في الواقع ويقتصر على تناول الأشياء داخل نطاق الذهن وعملية الفكر لوحدها كما ينهج بعض المفكرين العرب وسنبتعد عن ذكر الأسماء لكي لا نشخصن الموضوع.

ونحن نرى أن الذي يلعب دورا أساسيا في أي بنية اجتماعية كانت ويحدد شكلها وحركتها ومآلاتها مستويات ثلاث هي: المستوى الاقتصادي، المستوى السياسي والمستوى الايديولوجي أو الفكري، وما يميز نمط إنتاج معين ويحدد نوعيته هو ذلك الشكل الخاص الذي يتخذه الترابط بين مستوياته الثلاث تلك وهو ما يطلق عليه اصطلاحا مصفوفة نمط الإنتاج.

وكما أن للمستويين السياسي والفكري في البنية المجتمعية عناصر ثابتة فإن للمستوى الاقتصادي أيضا عناصره الثابتة ولكنها لا توجد في الواقع إلا في صورة مركب متغير كما أشار إلى ذلك ماركس بنفسه: ” أيا كانت الأشكال الاجتماعية للإنتاج فإن عناصره تبقى دائما ثابتة: شغيل، وسائل إنتاج واللاشغيل، وأن كل عنصر من هذه العناصر يظل خارج العملية الإنتاجية مجرد إمكانية قابلة للتحقق فقط طالما بقيت منفصلة عن العناصر الأخرى ولا بد من عملية إنتاج ما تربط وتجمع بين هذه العناصر الثلاث لتتحقق، وأن الإسلوب الخاص الذي يتحقق به هذا الجمع هو ما يميز العصور الاقتصادية المختلفة التي مرّ بها تطور هيكل مجتمع ما “.

يتكون المستوى الاقتصادي بصفة عامة من العناصر الثابتة التالية:

1) الشغيل وهو المنتج المباشر أي قوة العمل

2) وسائل الإنتاج أي موضوع وأدوات العمل

3) اللاشغيل الذي لم يعمل ولكنه يمتلك فائض العمل أي الناتج إما ملكية شخصية أو بالاستحواذ.

ولا توجد هذه العناصر الثلاث إلا في مركب نوعي يربط فيما بينهم هو المستوى السياسي.

في هذه الظروف لا بد من وجود دوافع غير اقتصادية أيا كانت طبيعتها لإلزام الشغيلة بالعمل لحساب المالك أو المستحوذ بصفته مالكا أو مستحوذا، ولا يتم هذا إلا بوجود علاقات تدفع لتبعية شخصية من الشغيل للمالك أو المستحوذ أي لابد من حرمان الشغيل من حريته الشخصية ومن هنا تأتي أهمية دور الأيديولوجيا والدين لتوليف ذلك وقبوله للخضوع. وإذا كان المستوى الاقتصادي هو الذي يحدد البنية المجتمعية فإن هذا لا يعني أن الاقتصاد يلعب فيها دائما دور العامل المسيطر، أما دور الدولة في كل ما سبق فيتصل بالمقام الأول بالميدان الاقتصادي كمنظم لعملية العمل والحيازة أو التملك، ولا يمكن إثبات الطابع السياسي لوظيفتها الاقتصادية تقنيا، أو وظيفتها التشريعية بردها مباشرة إلى وظيفتها السياسية بالمعنى الضيق أي المتعلقة بإدارة الصراع الطبقي، وإنما تعتبر سياسية بقدر ما تهدف بالمقام الأول إلى المحافظة على التكوين الاجتماعي القائم، هذا التكوين القائم على السيطرة السياسية الطبقية. وفي هذا السياق يمكن القول أن وظائف الدولة الاقتصادية والأيديولوجية محكومة في النهاية بوظيفة الدولة السياسية بمعناه الضيق أي بدورها في الصراع الطبقي السياسي وبعبارة أدق فإنه بقدر ما يكون الهدف الأساسي لتلك الوظائف هو المحافظة على هذه الوحدة بقدر ما تكون مطابقة للمصالح السياسية للطبقة المسيطرة سياسيا.

ربما لا يتسع صدر الدراسة لمراجعة تفصيلية لدراسة وجهات نظر الجهات المختلفة الكثيرة والعديدة، وهي في الحقيقة خلافية، تمتد من ماركس وما قاله عن نمط الإنتاج الآسيوي ومن ذهب مذهبه من ماركسيين تقليديين أم صهاينة أم ستالينيين، أصحاب نظرية الاستبداد الشرقي، المستشرقون عنصريون كانوا أم غير عنصريين، وأخيرا من عارضوا ماركس بما ذهب إليه كأندرسون وتايلور وسمير أمين صاحب نظرية نمط الإنتاج الخراجي، والتي تناولت تشكيلة المنطقة الما قبل رأسمالية أو بالأصح وحسب سمير أمين الما قبل استعمارية بشكل خاص وآسيا بشكل عام كل حسب أهدافه وحسب هواه. ولكن سيتم الاكتفاء بنظرة سريعة على ما نعتبره من وجهة نظرنا مهمة للموضوع قيد النقاش على بعض هذه الآراء التي تناولت هيكلية البناء الاجتماعي لمنطقة العهد العثماني بشكل عام والعربية منها بشكل خاص.

ماركس ومن ذهب مذهبه: إن أهم ما ميز هذا الرأي هو وسم الشرق بالركود والافتقار للمبنى الطبقي المتعارف عليه أوربيا مما يؤدي إلى الاستنتاج أن هذه البلاد تفتقر إلى إمكانيات التطور الداخلية والذاتية وبالتالي فهي بحاجة إلى قوة خارجية لتحريك ركودها، ومن هنا، وربما مستعجلا، رأى ماركس أن للدول الرأسمالية دورا تقدميا باستعمار هذا الشرق، ولكن معظمنا رأى بالطبع مدى التقدم التي حققته هذه الرأسمالية الامبريالية لبلادنا عندما استعمرتها، من نهب ودمار وجرائم وتخليف وحروب…إلخ.

التقت رؤية المستشرقين من حيث النتيجة مع ما ذهب إليه ماركس وذلك بتأكيدهم على انعدام إمكانية التقدم في الشرق دون قوة تأتيها من خارجها ( وبالطبع ستكون أوربية ) لتبرير وللتمهيد الأيديولوجي لاستعمار شعوب الشرق، وأكثر الذين تحمسوا لهذا ذوي الخلفية التوراتية الصهيونية.

أطروحة سمير أمين:التشكيلة الخراجية: إلى جانب تحيزنا لنظريته فإنه يعتبر سباقا في فهم آلية ودينامية هذه البنية الشرقية بشكل لافت للنظر، بل الإبداع لديه استنتاجه بأن البنية الأوربية التي انتقلت إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، والتي تميزت بنمط الإنتاج الإقطاعي في بنيتها الماقبل رأسمالية، هي الاستثناء عالميا بل كانت على طرف البنية التي سادت العالم القديم الذي كان الشرق مركزها ألا وهي البنية الخراجية، وأهم ما يميز أطروحة أمين أنها عارضت ما ذهب إليه ماركس حول ركودية نمط الإنتاج الآسيوي ومواته وعقلت البنية الخراجية باستعمال الديالكتيك الماركسي نفسه ومقولاته حول الصراع الطبقي محرك التاريخ والقابض على حركة التشكيلات الاجتماعية بل استنبط تمرحلا آخر للتاريخ البشري بالتعارض مع ما عرف من تمرحل حسب الرؤية السوفياتية المتعارف عليها.

في الوقت الذي كانت فيه الدول الأوربية الامبريالية آنذاك تجهز أساطيلها وجيوشها لغزو الشرق واستعماره ويسيل لعابها على تقاسم تركة ” الرجل المريض كان محمد علي والي مصر منشغلا ببناء دولة قوية عصرية من خلال رسملتها وتحديثها على حساب تهالك الامبراطورية العثمانية تمتد حدودها إلى بلاد الشام والسودان والحجاز بل وحتى إلى أبواب الاستانة وكاد أن يحققها لولا تدخل هذه الامبرياليات الغربية خشية وقلقا من طموح محمد علي بإقامة هذه الدولة على حساب تهالك السلطنة العثمانية مما دفعهم لحربه إلى جانب السلطنة وفرضوا عليه شروط معاهدة لندن 1840 التي قضت بانسحاب جيوش ابنه ابراهيم من بلاد الشام وانكفائها إلى مصر وللاكتفاء بها ولاية له ولأولاده من بعده في حين بذلت هذه الدول الامبريالية في الجزيرة العربية لدعم تمرد الحركة الوهابية ضد حكم السلطنة وسعت حثيثا للتودد لبدو الصحراء هناك وتحريضهم ضد حكم السلطنة العثمانية وبذلت جهودا حثيثة لتشكل منهم قوة عسكرية ساهمت إلى حد كبير في زعزعة أركان الامبراطورية وسقوطها بعد ذلك.

وفي العراق كانت هناك محاولة داوود باشا لمحاكاة تجربة محمد علي مما أثار قلق البريطانيين أيضا مما دفعهم إلى عزله.

وبذا استقرت الأمور ومهدت للرأسمال الامبريالي الفرنسي-البريطاني-الصهيوني في المنطقة لاستعمارها وتقاسمها على إثر هزيمة تركيا التي انخرطت إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، ولم تضيع جيوش وأساطيل المستعمرين الوقت فما كادت الحرب تحط أوزارها حتى توجهت إلى الوطن العربي لاحتلاله واقتسامه بتغطية من قرارات عصبة الأمم آنذاك (والتي كانت تمثل “الشرعية الدولية” في حينه كهيئة الأمم المتحدة في أيامنا هذه ) لانتدابها.

:::::

Givara1954@yahoo.de