السفلس واقتصاد السوق في الصين

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2259)

“..إن العالم الثالث يقف الآن أمام أوربا كتلة عظيمة تريد أن تحاول حل المشكلات التي لم تستطع أوربا أن تأتي لها بحلول. ولكن يجب علينا أن لا نتحدث عن وفرة الإنتاج، وأن لا نتحدث عن الجهد العنيف، أن لا نتحدث عن السرعة الكبيرة. ليس معنى هذا أن نعود على الطبيعة وإنما معناه أن لا نشد البشر إلى اتجاهات تشوههم، أن لا نفرض على الدماغ إيقاعا سرعان ما يفسده و يفقده سلامته. يجب علينا أن لا نتذرع بحجة اللحاق فنزعزع الإنسان وننتزعه من ذاته، من صميمه، ونحطمه، ونقتله.

لا نحن لا نريد اللحاق بأحد، و لكننا نريد أن نمشي طوال الوقت ليلاً ونهاراً، في صحبة الإنسان، في صحبة جميع البشر. وعلينا أن نجعل القافلة متراصة غير متباعدة، وإلا لم يستطع كل صف من الصفوف أن يرى الصف الذي تقدمه، ولم يستطع البشر أن يعرف بعضهم بعضاً، وأصبحوا لا يلتقون إلا لماماً ولا يتحدث بعضهم إلى بعض كثيراً.

إن على العالم الثالث أن يستأنف تاريخاً للإنسان يحسب حساب النظرات التي جاءت بها أوربا وكانت في بعض الأحيان رائعة. ولكنه يحسب حساب الجرائم التي قامت بها أوربا في الوقت نفسه، وأبشع هذه الجرائم أنها شتت وظائف الإنسان تشتيتاً مرضياً، وفتت وحدته، كما أوجدت في المجتمع تحطماً و تكسراً و توترات دامية تغذيها طبقات، وكما أوجدت على مستوى الإنسانية أحقاداً عرقية واستعباداً واستغلالاً بل ومجزرة نازفة تمثلت في نبذ مليار ونصف مليار من البشر.

فيا أيها الرفاق، يجب علينا أن لا ندفع جزية لأوربا بخلق دول ونظم ومجتمعات تستوحي أوربا. إن الإنسانية تنتظر منا شيئاً غير هذا التقليد الكاريكاتوري، الفاجر على وجه الإجمال. إذا أردنا أن نحول أفريقيا إلى أوربا جديدة، و أن نحول أمريكا (اللاتينية) إلى أوربا جديدة كان علينا أن نعهد بمصائر بلادنا إلى أوربيين، لأنهم سيحسنون التصرف أكثر من أعظمنا موهبة….”. فرانز فانون في “معذبو الأرض”

منذ صعود دينغ سياو بينغ إلى السلطة في الثمانينات، والصين تحقق انجازات اقتصادية جبارة يمكن أن نطلق عليها بالمعجزة. لكن نادراً ما يتوقف أحد ليتساءل عن الثمن الانساني الذي تتحقق به هذه الإنجازات. فطريقة الحياة والانتاج الغربية التي تبنتها الصين أوقعتها بما حذر منه فرانز فانون في نصه القصير السابق، فهي تتحدث عن وفرة الإنتاج، وعن السرعة الكبيرة، كما أنها تركض لتلحق بالغرب، فتباعدت صفوف الناس إذ ازدادت الشروخ الطبقية، ولم يعد كل صف يرى الصف الذي أمامه، واغترب البشر عن بعضهم، واغتربت طبقات عن تاريخها. لقد قلدت الصين الحضارة الغربية بكل شيء استوردت طرق انتاجه واستهلاكه وتفوقت عليه، لكنها أيضاً استوردت أمراض الحضارة الغربية وهي تكاد تتفوق بها عليه.

قبل عدة ايام نشرت مجلة ” New England journal of Medicine ” تقريراً عن ازدياد انتشار مرض السفلس في الصين. والسفلس أو الإفرنجي، كما أطلق عليه اجدادنا و هم محقون بهذه التسمية، مرض وثيق الصلة بالحضارة الغربية ويمكن اعتبار انتشاره في مجتمع ما دلالة على اجتياح القيم الغربية لهذا المجتمع، فالعرب يُقال إنهم عرفوه مع الإجتياح الغربي أثناء حروب الفرنجة، ومن هنا جاءت تسميته العربية ، ونفس الشيء فعلته كثير من الشعوب، فالشعوب التي تسكن الجزر كانوا يسمون الأمراض التي تأتي مع وصول المستعمر الغربي ومنها الإفرنجي “بداء السفن”، كما فعل سكان جزر كوك في ثلاثينيات القرن الثامن عشر إذ كان يقولون “عندي داء السفن” عندما يقعون فريسة مرض أجنبي. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي انتشر السفلس ومعه مجموعة من الأمراض المنتقلة بطريق الجنس وأخطرها الإيدز في الفضاء السوفيتي السابق بطريقة مخيفة.

والآن جاء دور الصين. يقول تقرير السفلس في الصين “إنه في عام 2008 كل ساعة وُلد طفل مصاب بهذا المرض” حيث ينتقل له من والدته المصابة ، وإن السفلس ينتشر بمعدل مرتفع للغاية، بل إن البشرية لم تعرف معدلات انتشار كالمعدلات الصينية الحالية منذ اكتشاف البنسللين في الأربعينيات من القرن العشرين، كما يقول التقرير

“No other country has seen such a rapid rise in syphilis cases since the discovery of penicillin”

ويقرن التقرير بين السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة الصينية التي تقوم على تبني نموذج اقتصاد السوق المنفلت من عقاله وبين انتشار السفلس، فالسفلس كان قد قضي عليه تماماً في الصين في المرحلة الماوية، حين كان الهدف بناء إنسان جديد وحضارة جديدة. لكن منذ عهد دينغ سياو بينغ سيطرت فكرة اللحاق بالغرب فتخلت الصين عن هدف بناء حضارة جديدة وأناس جدد فتوسعت الفروق الطبقية وفسد الإنسان، فالتقرير يقول إنه نشأ في الصين جيل جديد من رجال الأعمال الذين يملكون المال ومن النساء الشابات اللواتي لا يملكن المال. وبالتالي بدأ تبادل بضاعة الجنس بين من يملكون ومن لا يملكون مقابل المال، واقتبس من التقرير كما ورد من المصدر

“After China’s economy became increasingly market-based in the 1980s, the growing numbers of Chinese businessmen with money and young women without money translated into expanded demand and supply for the country’s commercial sex industry”

يمكننا أن نشير رمزياً لإقتصاد السوق بالسفلس كما نشير للفقر والتخلف بالكوليرا. فاقتصاد السوق كالسفلس ما إن يحل بمجتمع حتى يفتك به.

لقد قررت الصين منذ صعود دينغ سياو بينغ أن تنافس الغرب في ميدانه فأبدعت في هذا المجال حتى أنها تفوقت على الغرب، لكن يجب أن لا ننسى ان الملعب الذي تجري عليه المسابقة مملوك للغربيين وهم من وضع قواعد اللعب عليه. فوضع الصين حتى اليوم أشبه بمن يسكن ببيت مستأجر يستطيع أن يضع به ما يشاء من الأساس ومن الأدوات وحتى أن يُخزن النقود بداخله لكن يبقى العقار غير مملوك له. وهذا يفسر اللغز الذي لا يستطيع الكثيرون إيجاد تفسير له، وهو اصرار الصينين على شراء سندات الخزينة الامريكية وعلى تخزين 2 تريليون دولار هي بالمحصلة مجرد أوراق تتناقص قيمتها يومياً، وقد تتبخر بلحظة واحدة.

إن هذه السياسة، عدا فشلها الإقتصادي المؤكد والبادي للعيان، تُحول أمة الصينين كلها إلى وضعية العبودية للولايات المتحدة، حيث أن الصينيين يعملون ليل نهار لينتجوا بضائع يدفع الأمريكيون ثمنها ورقاً لا قيمة له نعني الدولار. فالصينيون حتى الآن يعملون بخدمة الأمريكيين، و تتغير هذه الوضعية فقط عندما يقرر الصينيون الإنتقال إلى مسكن جديد صنعوه بالتعاون مع شعوب العالم الأخرى، مسكن جديد رحب يسع جميع أمم الأرض، و تقوم علاقاته على الاحترام والمساواة، والناس فيه لا يريدون سباق بعضهم بعضا بل يريدون أن يمشوا بصفوف متراصة حتى يرى كل صف الصف الذي يسبقه.

هذا هو الهدف الذي صار بامكان شعوب الأرض أن تنجزه فتتخلص من البيت الذي أسكنتها به أوربا واستطالتها الأمريكية لمدة خمسة قرون بصحبة الدم والقتل والعبودية والمرض. نحن بحاجة إلى حضارة جديدة تُنحي بعيداً طُرق الانتاج والاستهلاك الحالية المدمرة. حضارة تُعلي من شان الإنسان و تعتبره أسمى من أي سلعة، و تعيد الاعتبار للطبيعة بعيداً عن عقلية السعي نحو الربح التي دمرت الإنسان والطبيعة.

“فيا أيها الرفاق، يجب علينا أن لا ندفع جزية لأوربا بخلق دول ونظم ومجتمعات تستوحي أوربا. إن الإنسانية تنتظر منا شيئاً غير هذا التقليد الكاريكاتوري،الفاجر على وجه الإجمال. إذا أردنا أن نحول أفريقيا إلى أوربا جديدة، و أن نحول أمريكا (الجنوبية) إلى أوربا جديدة كان علينا أن نعهد بمصائر بلادنا إلى أوربيين، لأنهم سيحسنون التصرف أكثر من أعظمنا موهبة….”.

– Syphilis and Social Upheaval in China. Tucker JD, Chen X-S, Peeling RW. NEJM, May 2010: 362(18):1658-1661.

<!– /* Font Definitions */ @font-face {font-family:”Traditional Arabic”; panose-1:2 1 0 0 0 0 0 0 0 0; mso-font-charset:178; mso-generic-font-family:auto; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:24577 0 0 0 64 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-parent:””; margin:0in; margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:12.0pt; font-family:”Times New Roman”; mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;} @page Section1 {size:8.5in 11.0in; margin:1.0in 1.25in 1.0in 1.25in; mso-header-margin:.5in; mso-footer-margin:.5in; mso-paper-source:0;} div.Section1 {page:Section1;} –>
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin:0in;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}