تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة السادسة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2259)

المحور الثالث

الرأسمالية والامبريالية

رشو الطبقة العاملة في المجتمعات الراسمالية: ينتقد غيفارا “الدليل السوفييتي” لانه تبنى فهماً ماركسياً كلاسيكياً للعلاقات الطبقية بين البرجوازية والطبقة العاملة، دون إعتبارتأثيرات الامبريالية. وفي هذا الصدد، تركز إهتمام غيفارا في تأثيرات الامبريالية على الطبقة العاملة في البلدان الراسمالية المتقدمة مشيراً الى ان جزءاً كبيراً من هؤلاء العمال يحظون بمستوى معيشة عالٍ على حساب الفقراء من الشعوب المستغَلة. ولم يكن غيفارا في قوله هذا يقصد”الارستقراطية العمالية” فحسب، بل الطبقة العاملة برمتها في البلدان الامبريالية، تلك الطبقة التي تنتفع من الاستغلال الامبريالي ونهب موارد وثروات الشعوب المضطَهدة والمستعمَرة، ومن التقدم التكنولوجي للراسمالية الاحتكارية.

ففي حين اشار “الدليل السوفييتي” الى ان الراسماليين يهاجمون مستوى المعيشة للطبقة العاملة والتي تنهض بالتالي للمقاومة، فان غيفارا أقام الحجة على ان الامبريالية الحديثة في البلدان الراسمالية “تميل الى ان تتقاسم مع العمال بعض الفتات الناتجة عن إستغلالها للشعوب الاخرى. ومن الناحية الثانية، فان الميل نحو زيادة الانتاج يتطلب زيادة في الاستهلاك والتي يتسنى تحقيقها على نحو مستمر فقط حين تصبح البضائع الجديدة جزءً أساسيا من حياة العامل، وعليه فانهم [العمال] جزء من تشكيلة قيمة قوة العمل (بضائع مثل المذياع والتلفاز والسينما والاجهزة المنزلية… الخ).” (Yaffe 2009, 241)

أجور العمال: أعار غيفارا مسألة اجور العمال أهمية كبيرة مذكراً بتحليل ماركس بان هذه الاجور تتجه نحو التدني والذي رأى فيه غيفارا موضوعاً خلافياً:”يبدو لي انه لا بد من دراسة ذلك في أجزاء ثلاث: نزوع الراسمالية نحو تخفيض الاجور، الحاجة لرفع بيع المنتوجات والتي تتجه نحو زيادة قيمة قوة العمل، والامبريالية كنظام عالمي ينزع نحو إفقار البلدان وفي الوقت ذاته إلقاء بعض الفتات للطبقة العاملة [في البلدان الراسمالية ـ م ع ]” (Yaffe 2009, 242). وهذه الظاهرة الاخيرة، حسب غيفارا، تفسر لماذا توقفت جماهير العمال في البلدان الراسمالية عن كونها طليعة الثورة العالمية.([1])

في رده على “الدليل”، لم يغفل غيفارا ان الراسمالية تزيد من كثافة العمل دون رفع الاجور، مشيراً الى ميل الراسمالية الاحتكارية نحو الانتاج الآلي (المؤتمت automated) حيث تتحكم الآلات، بدل العامل، بوتيرة الانتاج وحيث تكون تباينات خفيفة عن المعدل الطبيعي للعمل لان وسائل وتكنولوجيا الانتاج الحديث تتطلب من الانسان جهداً جسمانياً أقل.

الازمات الاقتصادية: إدعي “الدليل السوفييتي” ان الازمات الراسمالية تبين أن تطور القوى المنتجة في الراسمالية قد تجاوز العلاقات البرجوازية في الانتاج والتي (اي العلاقات) تعيق المزيد من تطورالقوى المنتجة.

هنا يتسائل غيفارا: كيف يتسنى النظر الى تاريخ الازمات بالعودة الى الوراء مائتي عام بتقديم مثل هذا العرض والتفسير؟ ويضيف ان هناك “أزمة نمو” تقود الى التركيز الاحتكاري لرؤوس الاموال. والمشكلة عنده تكمن في ان ماركس لم يدرس معنى الازمة دراسة كاملة، إذ لم يتسنى له ذلك ضمن الحقبة التاريخية ـ السياسية التي عاشها، أما السوفييت فقد استمروا باستخدام ذات التعميمات التي جاء بها ماركس.

□ حذر غيفارا من وصف لينين للامبريالية على انها “الراسمالية في مرحلة الاحتضار” وليست مجرد راسمالية احتكارية وطفيلية، ورأى انه ربما الادق ان نستخدم مفردة “راسمالية ناضجة” للتعبير عن انها وصلت الى توقف قدرتها على المزيد من التطور. وقال موضحاً:”…قد لا يكون الرجل في منتصف عمره قابلاً للمزيد من التغيرات الفيزيولوجية، إلا ان هذا لا يعني أنه يحتضر. يصل النظام الراسمالي في مرحلة الامبريالية الى نضوجه الكامل، مع أنه بالرغم من ذلك لم يستنفذ كافة امكانياته في اللحظة الراهنة وما زال يتمتع بحيوية كبيرة”. (Yaffe 2009, 242-243).([2])

الانتاج العسكري والعنف ضد الراسمالية: لقد قدر غيفارا تقديراً دقيقاً القوة الانتاجية والعسكرية والسياسية الهائلة للراسمالية. وهو واقع لا يمكن تجاهله في طموحنا وتوجهنا صوب التحول الاشتراكي. وقوة العالم الراسمالي هذه هي التي تحدد سياق النضال من أجل الاشتراكية. وقد صلّب هذا الادراك عند غيفارا من إعتقاده بان الانتقال من الراسمالية الى الاشتراكية عملية لا بد ان تكون واعية ومفروضة بالعنف.


[1] تجدر هنا ملاحظة أن الراسمالية بطبيعتها ذات مصلحة في دفع أجور ضئيلة، راسمالية الأجر الأدنى. وتتجلى راسمالية الأجر الأدنى هذه في الأزمات الاقتصادية كما هي اليوم ولا سيما في الولايات المتحدة. وهذه بالطبع ظاهرة تتناقض مع الكينزية والفوردية اللتين كانتا وراء ازدهار فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

[2] لذا لعل من الادق الحديث عن العولمة كطور أعلى ـ حتى اللحظة- للرأسمالية، اي أنها لم تتوقف عند الإمبريالية. راجع عادل سمارة في Samara 2005: 1-25.