سوريا وتكامل الصورتين

بقلم امين محمد حطيط*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2259)

اكتسبت قمة تركيا التي جمعت الرئيسين التركي والسوري وأمير قطر، اهمية مميزة بعد ان خرج المجتمعون على العالم في صورة ثلاثية تذكّر ومن اتجاه آخر بالصورة التي جمعت الرئيس الاسد الى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد وقائد المقاومة في لبنان السيد حسن نصرالله. ونذكّر بالأمر لان له دلالات مهمة تتعلق بالمسار الاستراتيجي السوري بشكل عام. صورة شباط اطلقت “استراتيجة الحرب الشاملة والجبهة الموحدة”، وجعلت اسرائيل تتراجع عن تهديدها بالحرب، وتتحول من سلوك المتأهب لحرب قد تندلع بين لحظة واخرى الى الحد الذي وقتوا لها ساعة الصفر وعلقوها على معرفة مقر اقامة السيد حسن نصرالله، الى سلوك يقصد منه الضغط على سوريا للتراجع عن استراتيجة اعلنت وان تبتعد عن جبهة لا يبدو ان الحوار بينها وبين اسرائيل ممكنا. لهذا كانت مسألة صواريخ “سكود” التي جعلت منها اسرائيل قضية “كارثية ” على امنها، والتحقت بها اميركا لتؤكد على الخطر ذاته وتهدد سوريا ايضاً من مغبة هذا “السلوك المرفوض” مع اقرارهما بعدم امتلاك البينة او الدليل الحسي الذي يثبت صدقية الادعاء. ثم الحق بـ”سكود” ملف الصواريخ من طراز M600 مع تضخيم خطره، مع علمهما انه لا يشكل تغييراً معتبراً في واقع التوازن في الردع والتكافؤ في التدمير للاهداف المتقابلة بعد ان اعلن السيد حسن نصرالله في 16 شباط 2010 ان لدى المقاومة القدرة الصاروخية للوصول الى اي هدف في اسرائيل وتدميره في مقابل اي تدمير يلحق بهدف لبناني يكافئه. اذن القصة كلها كنت ضغوطا تستهدف سوريا، ومحاولة حرف انتباه عما يجري في فلسطين من فظائع وجرائم باليد الاسرائيلية.
في ظل هذه البيئة المركبة (سياسياً وعسكريا واستراتيجياً) تطرح الاسئلة حول مفاعيل قمة اسطنبول الثلاثية، على المسار الاستراتيجي العام في المنطقة، واكثر تحديدا على المسار السوري في ظل بدء المفاوضات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل بضغط اميركي، حيث قد يرى البعض (كما سارع في المعلن من مواقفه) الى ربط تلك المفاوضات بهذه القمة بقصد القول إن القمة كانت حاجة “لذوي الشأن بالمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية” حتى يؤمن جانب سوريا فلا تتدخل لافشالها (وهي كما نعتقد فاشلة قبل ان تنطلق) ولكن وضع القمة في الاطار العام للحركة في المنطقة يؤدي الى رسم مشهد مغاير كما نرى.
اذ منذ مدة ليست بالقصيرة ايقن الرئيس الاسد بأن اسرائيل لا تريد السلام، او على الاقل ليست جاهزة له، وانها تناور في الشأن حتى تلقي بمسؤولية تعثر ما يسمى “العملية السلمية في الشرق الاوسط” على سواها، فتكسب مرتين، المرة الاولى حيث تتهرب من استحقاقات السلام واعادة الحقوق لاصحابها (وهو امر لا تريده ولا تقبل به خاصة في ظل الحكومة الحالية) ومرة ثانية حيث تجعل خصمها في مواجهة مع العالم خصوصا اوروبا التي تجد في طي ملف فلسطين والصراع مصلحة مهمة لها للتفرغ لشؤون ملحة تعنيها. ومع علم الرئيس الاسد بذلك فانه اعتمد سياسة سد الذرائع واصر على القول بجهوزية سوريا للتفاوض والحل السلمي مع اسرائيل دون ان يعني ذلك مطلقا استعداد سوريا للتنازل عن اي من حقوقها الثابتة بما فيها الارض والمياه، فضلا عن واجبها في دورها في القضية الأم: الصراع العربي – الاسرائيلي . لهذا سارت القيادة السورية كما يبدو على خطين متمايزين في الطبيعة، متكاملين في المفاعيل:

ـ خط القوة العسكرية والقدرات الميدانية الدفاعية التي تقيم التوازن الردعي مع اسرائيل فيمنعها من شن الحرب، وان اقدمت تكون سوريا مع حلفائها جاهزة لايقاع التدمير باسرائيل بما يفوق توقعها واحتمالها، فتفشل في حربها وتهزم وهذه هي رسالة صورة دمشق .

ـ خط العمل الديبلوماسي والسياسي الذي يظهر بأن سوريا ليست وحيدة او معزولة او متعنتة، وان جهوزيتها للسلام، هي حقيقة وليست خداعاً، لكنها جهوزية لسلام بشروطها ولاجل حقوقها و ليس سلام بشروط الاخرين ينتهك حقوقها وينقلب الى استسلام. وهنا تكمن اهمية التحرك السوري في اتجاه تركيا – الوسيط والراعي للمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل – وانضمام قطر الى تركيا لتشكل بما اصبحت تملكه من وزن اقليمي عنصر دعم لهذا المسعى وتعزيزاً للموقف التفاوضي السوري في ما لو استؤنفت المفاوضات.

وفي ضوء ذلك نرى ان الصورة الثلاثية في تركيا هي الوجه الآخر للعملة السورية التي كان وجهها الاول صورة دمشق. وبهذه العملة تدخل سوريا الى الميدان الدولي، بثقة تستعمل فيها القوة العسكرية الدفاعية إن الجأتها الحال الى الخنادق والقتال، او القوة السياسية الانقاذية اذا فتحت امامها وبشكل آمن ابواب التفاوض. لكن هذا لا يعني قطعاً بأن سوريا الآن امام احدى وجهتين: الحرب او المفاوضات كما قد يفسر من سياق العرض هذا.
نقول قطعا لا لأن الامر مختلف في الجوهر عما هو في الظاهر، حيث ان سوريا مع حلفائها منعت الحرب، بعد ان استعدت للدفاع بما جعل نصر المهاجم شبه مستحيل والزمه الآن بالإحجام عن المبادرة الى القتال. اما عن التفاوض والوصول الى حل فيه فإن امره اصعب بعد ان عادت اسرائيل الى طرح المخاطر الوجودية، وبدأت تتلمس بعض التحولات الدولية في مسألة احتضانها والامتناع حتى عن نقدها، وهذه امور تدل على ضعف اكيد في الموقف الاسرائيلي. والعاقل لا يفاوض ان كان ضعيفاً او يخشى من ثغرة او وهن ما في بنيته وموقفه. فاذا عطف هذا الامر على طبيعة الحكومة القائمة في اسرائيل قادنا التحليل الى القول بان اسرائيل لن تقدم على مفاوضات جدية توصل الى سلام مقبول موضوعيا مع احد (فلسطين او سوريا او لبنان) الا اذا كان الآخر جاهزاً للاستسلام، وسوريا ليست من هذا النوع قطعا وهي تراكم قوتها العسكرية الى السياسية التي تحول دون هزيمة في الميدان او استسلام في التفاوض، مراهنة على الوقت العامل لمصلحتها ومستمرة بالعمل. وما لقاء ميدفيديف – الاسد الأخير الا حلقة في سلسلة تراكم القوة المطلوبة.
لذلك نرى ان المنطقة لن تكون على اعتاب حرب قريبة، كما انها لن تشهد تفاوضاً جدياً للسلام العادل والمقبول، وستستمر المرواحة حيث سيكون الاكثر حرصاً على مصالحه ساعياً اكثر الى جمع القدر الاكبر من اوراق القوة مهما كان نوعها وطبيعتها ولا شرط او قيد على ذلك الا ملاءمتها او عدم تناقضها مع الحقوق والاهداف الاستراتيجية الكبرى. بهذا تكون قمة تركيا حاجة لسوريا في حشدها للقوة ولا تكون استداركا او تعويضاً عن قمم سبقت او صورة التقطت فأخافت ونظر اليها على انها خطر على الامن هنا او هناك حتى الوصول الى الامن الاميركي.

:::::

“النهار”

*عميد ركن متقاعد في الجيش اللبناني – قائد كلية القيادة والأركان سابقاً