اطلبوا الإرادة ولو في تيانجين!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2260)

عندما يلتقي العربي بالآخر، فبعد السلام يبادره بالسؤال التقليدي: كيف الحال؟، وقيل لي يوماً أن ما يوازي هذا السؤال عند الصينيين هو: لوشان، خو بي خو؟ وزعم محدثي، ولا أدري مدى دقة ذلك، فأنا معرفتي بالصينية لا تتعدى معرفتي بالذرة، أن الترجمة الحرفية لعبارة المجاملة هذه إلى العربية، تعني: أيها الرفيق، هل أكلت اليوم؟!

يومها، عندما سمعت مثل هذا، أخذته في جانب منه مأخذ الطرفة، لكنني أيضاً تذكرت على الفور رواية “الأرض الطيبة” لبيرل بيك، التي صورت كفاح الفلاح الصيني المعدم وفوزه ضد المجاعات والكوارث المتلاحقة وحقب القنانة والعبودية المتوارثة… في تلك الأيام التي كان الصيني فيها يبيع ابنته وحتى زوجته. كما قفزت إلى مخيلتي عربة الركشا التي كان يجرها الانسان لا الحصان ولا الحمار، لايصال الركاب إلى مبتغاهم هناك، والتي كان في يوم من الأيام يجرها صيني واحد من كل ستة صينيين، في من هم من العمر ما بين السادسة عشرة والخمسين، وهؤلاء في حينها، ووفق هذه الإحصائيات، كانوا يعادلون ال 20% من سكان الصين! وبعدها، تأملت كثيراً في مسيرة الألف ميل التي قطعها ماوتسي تونغ وصينيوه الحمر سعياً لإخراج الصين من الهيمنة الأجنبية وانقاذها من تلك الحال، وليبدأ في بنائها على طريقته الصينية جداً، مستبدلاً يومها جماهير الطبقة العاملة، متخلياً عن الوصفة الأوروبية، بجيوشه التي تسد عين الشمس من حفاة فلاحيه، أو أحفاد أولئك الذين تحدثت عنهم بيرل بيك في رائعتها!

يومها، وعطفاً على ما تقدم، لم يكن لي الحق في استغراب مثل تلك الترجمة العربية الحرفية لطرافة السؤال الصيني عن الحال… وجاءت فيما بعد مسيرة دينغ هيساو بينغ الاقتصادية متوجة مسيرة ماوتسي تونغ الثورية، وإذ استبدلت اشتراكية الأول العمال بالفلاحين، تمسك الأخير باشتراكية السلطة وأطلق العنان إلى رأسمالية السوق… وهكذا في صين اليوم تقاعدت المبادئ لتفسح للبراغماتية أن تفعل فعلها على هدى دليل ما ثم سواه هو المصلحة الوطنية، والذي كان من شأنه أن أوصل الصينيين إلى هذه المرحلة من مسيرتهم التي ظلت مراحلها تجري على طريقتهم الخاصة، والتي فيها أصبحوا يصنعون كل شيء يصنع أو يقلدونه، ويبيعون كل شيء يباع، ويغمر تسونامي بضائعهم الآن أربع جهات الأرض… والأهم، أنهم كما يلحظ العالم الآن يستعدون لولوج العصر الصيني الكوني الذي يرتعد الغرب من مجرد تصور قدومه الذي هو، أي في الغرب، أول من لايشك في اقترابه، بما يستتبع هذا أو يترتب عليه سياسياً واقتصادياً وثقافياً، أو ما بدأت الصين تهمس به في أذن العالم مطالبة باستحقاقاته، وهي في طريقها للمجاهرة بمطلبها.

تذكرت كل هذا، وتوقفت أمامه، وأنا استمع إلى حكاية تيانجين الصينية العربية، أو منتدى التعاون الصيني العربي… تقول الحكاية: أن الصين صديقة العرب التقليدية والداعمة تاريخياً لقضاياهم، والتي راهناً يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين دنياهم اليوم إلى ما هو أكثر من ترليون دولار في العام الواحد، أو أنه تضاعف ثلاثمائة مرة في ثلاثة عقود فحسب… أو التي تستورد حوالي نصف نفطهم وتصدر لهم كل شيء حتى فوانيس رمضان التي يستعيد فيها أطفال القاهرة بعضاً من تراثها الفاطمي… وهنا، تطل الإحصائيات برأسها: وصل حجم الاستثمارات العربية الصينية إلى ما يقارب الخمسة بلايين دولار ونصف. استثماراتها وأهمها النفطية في السودان، مثلاً، تعدت العشرين ملياراً. عدد الشركات الصينية المسجلة في مصر وحدها 1022 شركة، مائة مشروع تنفذه الشركات الصينية في السعودية… يجري العمل على إنشاء منطقة تجارية حرة بين الصين والخليج العربي… وقد نستطرد لنمر على أغلب باقي الدول العربية… هذه الصين، وهنا نصل إلى نهاية الحكاية، ترفض، التوقيع على وثيقة تقول بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية بفظاظة غير معهودة منها، ولا معروفة في تقاليدها الديبلوماسية، حين تمنع الصحافيين من حضور مؤتمر صحفي محتمل للمشاركين من ضيوفها العرب نهاية المنتدى… الجديد الصيني، الذي لا استغربه، أدهش وزراء الخارجية العرب ومعهم الأمين العام لجامعتهم، ونال استغرابهم، لكنه لم يصل إلى درجة أن يفك عقدة لسانهم حتى الآن؟!

بالمناسبة، فيما بعد برّر الصينيون موقفهم هذا، داخلياً ولم يهتموا بذلك خارجياً، قالوا لشعبهم: أن عرب تيانجين أرادوا مقايضة موضوع القدس مقابل موقف صيني مؤيد للعقوبات على إيران، وأن الصينيين قد ردواّ عليهم بأن المناسبة اقتصادية وإن أردتم أخرى سياسية فهذه مسألة أخرى ونحن لها.

على أي حال، أن يستغرب المستغربون فهذا شأنهم، أو المتوقع منهم، لكن لماذا هو غير مستغرب من الصين عندي أو عند سواهم ، فلجملة من الأسباب منها:

أن الذاهبين إلى التعاون مع الصين في تيانجين، وليطالبوها بالتوقيع على وثيقة تشير إلى القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين الموعودة أو الموهومة، تناسوا أمراً هو أنهم قد خذلوا القدس ويخذلونها على مدار الساعة، ويتركونها تهوّد على مرأى ومسمع منهم، ومنهم من وقع المعاهدات مع عدوها، ومن اعترف به، أو أبدى استعداده للاعتراف به إن قبل تسوية ما تريحه من الهم الفلسطيني، ومنهم من طبّع معه جهراً و آخر من يفعلها سراً، والجميع، ذهبوا إلى بلاد التنين دون أن يتركوا ورائهم بصيص استراتيجية يواجهون بها عدوهم… وعليه كيف للصينيين أن يلقوا بالاً لمطلبهم؟!

…والأدهى، أنه في غياب الإرادة السياسية التي قد تنجم عنها مثل هذه الاستراتيجية، قد تناسوا أن صين اليوم التي استبدلت “هل أكلت اليوم” بكم ربحت اليوم؟! لم تعد تحترم إلا قانون المصالح، وبدا وكأنهم قد غفلوا عن أن لا سياسة خيرية في هذا العالم.

…كان عليهم أن يتذكروا أو بالأحرى أن يدركوا أن صين الأمس كانت معنا لأنها كانت حينها تكافح ضد أخطار عدوها وعدونا الإمبريالي المهدد لها في حينه، وكانت معنا ومع عدم الانحياز، لأنها كانت ضد مشاريع الهيمنة الغربية التي كانت تعاني من مخططاتها وكنا و لا زلنا نعاني من احتلالاتها، ولأنها كانت ضد الهيمنة السوفيتية التي كانت صين ماوتسي تونغ تتمرد عليها… كانت ضد الحرب على العراق، لأنها ضد احتكار الشركات الأمريكية لنفطه والهيمنة الأمريكية عليه، التي هي بحاجة متزايدة له، وللنفط اجمالاً في مستقبلها المتطور… وكانت مع البشير في السودان، أيضاً لاسبابها النفطية والاستثمارية، ولأنها مع سياساتها التي تلاحق مصالحها الهائلة والمتعاظمة مع إفريقيا… نسوا أن لمسة دينغ هيساو بينغ التي وسمت صين اليوم وأطلقت تنينها الذي بدأ يجول في عالم يعتبره من اقصاه إلى أدناه مجاله الحيوي هي التي تسيّر السياسة الصينية!

الصينيون، اللذين قطعوا المسافة ما بين “هل أكلت اليوم” وصولاً إلى “كم ربحت اليوم”، لم ينتظروا طويلاً ليبددوا دهشة المندهش واستغراب المستغرب. فبعيد رحيل عرب تعاون تيانجين مباشرة أعلنت وزارة المالية الصينية أن إسرائيل سوف تقرض الصين 400 مليون دولار بمزايا تفضيلية بناءً على بروتوكول وقعه الجانبان هو بمثابة استكمال لآخر كان في العام 1995 يقضي بتقديم مليار دولار للصين يصرف في مشاريع زراعية وصحية وإنمائية مختلفة… وهنا، علينا التوقف أمام تطور العلاقات والمصالح بين الصين وإسرائيل، والتي بدأها رجل الموساد الداهية الراحل ديفيد كيمحي، الذي افتتح العلاقة الصينية الإسرائيلية بانشاء مصنع للزهور البلاستيكية في دنيا الصين، فانتهت هذه العلاقة اليوم إلى التعاون العسكري والتكنولوجي واسع المدى. فالصين اليوم هي أهم المشترين للسلاح الإسرائيلي، طائرات فالكون القتالية. الطائرات التجسسية الهجومية المتطورة دون طيار التي تدخلت واشنطن لإبطال صفقتها. رقائق الكمبيوتر. عديد الاتفاقيات بين الجانبين، الثقافية والتعليمية والفنية… إلى أكبر مهرجان للتبادل الثقافي يطلق عليه “تجربة الصين في إسرائيل”…

ما ينطبق على الصين ينطبق على روسيا، التي كانت ما كانت بالنسبة للعرب وقضاياهم، ولما أفاق الدب الروسي من بياته الشتوي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وطفق يتجول في الغابة الدولية، استبدل الإيديولوجيا بالبراغماتية، أو بحاله البراء، إذا ما صح التعبير، من تبعات أخلاقية المواقف السياسية. أو الجنوح إلى ذات السياسة التي اتفقت مع الأمريكي على تأجيل مسألة النووي الإسرائيلي إلى ما بعد “السلام” أو استسلام العرب، ونزع أسلحتهم الكيماوية والبيولوجية، بمعنى خلع الهدف الدفاعي على الترسانة النووية الإسرائيلية أو تشريعها… أو ذات السياسية التي جعلت من موسكو إذا ما خيرت بين طهران وواشنطن، كما جرى لاحقاً، تختار الأخيرة في نهاية المطاف… وفي الحالين العربية والإيرانية يكون هذا مقابل إغماض العين الأمريكية عن محاولات موسكو ترتيب حديقتها الخلفية المسماة جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة!

حكاية تيانجين الصينية، وربما قريباً حكاية بومباي أو دلهي الهندية، وما قد يتلو من حكايات مشابهة، تقول لنا أننا خسرنا دول عدم الإنحياز بعد أن خسرنا الأفارقة، وحكاية انفاقية دول المنبع في غياب دولتي المصب النيلية تخبرنا الخبر اليقين… وكل هذه الخسارات منطقية تماماً لأن من يخسر نفسه يخسر الآخرين بالضرورة… وقديماً قال نبي العرب وقائدهم الأعظم اطلبوا العلم ولو في الصين… فهل يتعلم العائدون من تيانجين آخر ما تلقوه من الدروس الصينية؟!