تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة السابعة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2260)

المحور الرابع

المزارع التعاونية السوفيتية (الكولخوزات)

ظهرت المزارع التعاونية ـ الكولخوزات في الاتحاد السوفييتي في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وكان من أهم مميزاتها:

1) بان أعضاء المزرعة التعاونية يحصلون على جزءٍ من منتجوها وأرباحها حسب “عدد الايام” التي يقضونها في العمل والانتاج.

2) وبانه يحق لكل عضو ان يملك مساحة معينة من الاراضي ملكية خاصة مع بعض المواشي والتي هي ملكية خاصة أيضاً.

وفي نقده لنظام الكولخوزات، أبدى غيفارا بعض الملاحظات الهامة والتي تغوص الى جوهر النظام الاقتصادي السوفييتي:

□ رأى غيفارا أن نظام الكولخوز هو احدى سمات النظام الاقتصادي السوفييتي وليس من خصوصيات النظام الاشتراكي وبالتالي لا يجوز تعميم هذه التجربة خارج السياق السوفييتي. وقد أعرب عن تذمره من أن “الدليل السوفييتي” كثيراً ما كان يخلط بين فكرة الاشتراكية من ناحية، وما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي، من الناحية الاخرى.

□ كان غيفارا يرى ان التحدي الاكبر في التحول الاشتراكي يتمثل على وجه الدقة في الاشكالية التالية: كيف تتحول الملكية الجمعية (لمجموعة من الافراد) الى ملكية إجتماعية؟ هذه هو لب المشكلة كما رآها والتي لم تتصدى لها بلدان الاشتراكية المحققةً. وبدون حل هذا التناقض، وفق ما إرتأى، فان التناقضات الطبقية سوق تبقى وسوف تعيق التحول الى الشيوعية، الى المجتمع اللاطبقي.

يستشهد “الدليل السوفييتي” بقول لينين ان نظام المزارع التعاونية في ظل الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج وفي ظل إنتصار البوليتاريا على البرجوازية هو نظام إشتراكي.

اما غيفارا فقد إعتبر ذلك أحد أكبر أخطاء الاشتراكية للاسباب التالية:

1) قد تشكل ملكية “الجماعات المنتجة” لوسائل الانتاج تقدماً أو خطوة الى الامام اذا ما قورنت باشكال الملكية الراسمالية، أما بالمعايير الاشتراكية فانها تمثل ردة الى الوراء لانها تضع هذه الجماعات المنتجة والمالكة لوسائل الانتاج في تضاد مع ملكية المجتمع لهذه الوسائل.

2) كما أسلفت أعلاه، ان ملكية الارض في الاتحاد السوفييتي ملكية أجتماعية، إلا ان وسائل الانتاج الاخرى التي يملكها المزارعون الكولخوزيون ليست ملكية اجتماعية. ، ناهيك عن إقتنائهم لممتلكات صغيرة اخرى توفر لهم الاحتياجات الغذائية الاساسية وتعمق الفجوة بين المجتمع من جانب، والكولخوزيين من جانب آخر، على الاقل من الناحية الايديولوجية أن لم تكن من الناحية المالية (النَقْدية).

لذا إقترح غيفارا ان تعتبر هذه المزارع شكلاً لمرحلة “ما قبل الاشتراكية” أي الفترة الاولى والمبكرة للتحول الاشتراكي مكرراً إصراره على ان “الملكية التعاونية” ليست شكلاً إشتراكياً.

□ وحيث أن هذه التعاونيات ليست شكلاً من أشكال الملكية الاشتراكية، كما رأى عيفارا، فقد اعتقد انها تمثل بنية فوقية بما فيها من نمط علاقات الملكية والروافع الاقتصادية الراسمالية. كما ذهب الى أن هذا الشكل من التعاونيات يخلق تناقضات في علاقات الانتاج لانه يسمح بنظام ملكية يصطدم بالضرورة مع النظام القائم ومع تنظيم الكولخوز ذاته إذ ينحو المُزارع للتقليل من العمل الجماعي كي يزيد، بالمقابل، من العمل لحسابه الخاص ومنفعته وإنتاجه الشخصي.([1])

□ كان موقف غيفارا واضحاً: فنظام الملكية في التعاونيات ونظام الكولخوز سيخلق بنية فوقية راسمالية سوف تصطدم بملكية الدولة وبالعلاقات الاجتماعية الاشتراكية، وسوف تفرض المزيد من منطقها على المجتمع باسره. وفي حين كان هذا النظام أكثر تقدماً من أشكال الملكية الراسمالية الا انه سيعيق تطوير الانماط الاشتراكية.

□ يدعي “الدليل” ان علاقات الانتاج لشكل التعاونيات الكولخوزية يستجيب بالكامل لحاجات ولمستوى تطور قوى الانتاج الراهنة في الريف، وانهم لم يستنفذوا امكانياتهم بل انه بمقدورهم ان يخدموا لوقت طويل خلال مرحلة تنمية قوى الانتاج في القطاع الزراعي.

إلا ان غيفارا كان يعتقد ان المواجهة بين هذا الشكل الجماعي لمكلية وسائل الانتاج من جهة، والملكية الاجتماعية لتلك لوسائل من جهة اخرى، أمر لا مفر منه، محذراً من انه عندما يحدث هذا الصدام، والذي ربما يحدث في المستقبل غير البعيد، فانه سيكون للبنية الفوقية القدرة على المطالبة بالمزيد من “الحرية” أي انها سوف تفرض شروطاً يجدر القول بانها ستقود الى عودة الاشكال الراسمالية.

□ لم يرى غيفارا ضرورة للفوارق في الاجور التي كان يتلقاها هؤلاء المزارعون حسب حجم انتاجهم.

□ يصف “الدليل السوفييتي” الطبقة العاملة وفلاحي الكولخوز على انهما “طبقتان” في المجتمع الاشتراكي تتمتعان بعلاقات ودية ولكن لكل منهما موقع مختلف في الانتاج الاجتماعي. أما غيفارا فقد كانت له وجهة نظر مغايرة في هذا الصدد، إذ يقول: “إذا كان فلاحو الكوخوز يُعتبرون طبقة مستقلة بذاتها، فان ذلك عائد الى نمط الملكية التي يتمتعون بها، تلك الملكية التي لا يجوز إعتبارها سمة للاشتراكية، بل هي في الحقيقة مميزة للمجتمع السوفييتي” (Yaffe 2009, 245).

□ فنّد غيفارا إدعاء “الدليل السوفييتي” بان نظام الكولخوز قد أظهر تفوقه على نظام الزراعة الراسمالي، مذكراً أن الانتاجية الراسمالية في اميركا الشمالية تفوق الانتاجية السوفييتية على نحو غير معتاد وذلك بسبب الاستثمار في الزراعة هناك، معيداً الى الاذهان ان الاتحاد السوفييتي إضطر في عام 1963، بسبب تدني الانتاج السوفييتي المحلي، الى شراء القمح من الولايات المتحدة باسعار السوق العالمية. وان إدعاء السوفييت بتفوق مزارعهم ليس سوى “نكتة او محاولة للتغطية على الحقيقة ببضعة كلمات”.


[1] ليس العمل الزراعي اجتماعيا بدرجة العمل الصناعي، وهذا ما أعطى الكولخوز هذه الفرادة في علاقات الإنتاج وحتى “الملكية”. ولذا، فالحل هنا هو غالباً في الزراعة الموسعة والممكننة مما يقلل الاعتماد على الفرد بما يؤهله كي يملك.