حول الكيان الصهيوني وكيان الدويلة القطرية الكولونيالية العربية وما بينهما (الحلقة الثالثة)

حول القابلية للاستعمار

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2261)

عند الحديث عن تحميل الاستعمار أسباب تخلفنا وإفقارنا يتبادر إلى ذهننا مباشرة سؤال شائع يردده المتخارجون في منطقتنا العربية وكأن لسان حالهم عند طرحه علينا نحن مؤيدي مقاومة الاستعمار أن يقول أن جوابه بديهة وذلك لإحراجنا باعتبارنا منكفئون إلى الداخل وأصحاب توجه تحميل الاستعمار أسباب كل ما نحن فيه من حالة مزرية وهزائم متجددة معا، وسؤالهم هو:

لماذا نلصق كل مشاكلنا على ظهر الاستعمار، وهل الاستعمار مسؤول حقا عن كل أسباب فشلنا حتى الآن وتخلفنا ؟ ألا يمكننا إيجاد بعض الإيجابيات من استعمارنا لو بحثنا ؟ ألم يدخل نابليون على سبيل المثال المطبعة إلى مصر مع حملته الاستعمارية ؟ ألم يجري الاستعمار الغربي الحديث ثورة تكنولوجية في قطاع التصدير وخاصة تصدير النفط ؟ أنظروا إلى “إسرائيل ” الدولة الاستعمارية أليست مساحة الحرية فيها أوسع من كل المحيط العربي لدرجة يمكن تسميتها واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط ؟ ووو…وهكذا إلخ.

يدخلنا ما سبق لمسألة معقدة يثيرها نظرة مثقفونا المتخارجون أو المتغربنون الذي تخرجوا من كلياته ومعاهده أو أمواله حول هذا “الآخر” الذي قدم إلينا مستعمرا وعلاقتنا به، ويحرضنا لطرح سؤال ماانفك يراود البسطاء منا منذ أن غزانا هذا”الآخر” : ترى أتفتقر بنيتنا الاجتماعية لمقوماتها الذاتية للنهوض إلى هذا الحد فتحتاج لذلك “الآخر” فاعل الخير الذي أتى لغزوها في بناء هذه المقومات وبالتالي لا نملك الحق بمقاومته بل من الخطأ مقاومة هذا “الآخر” أو أي “آخرين” قادمين لغزونا ولندعهم يستعمرونا لأطول مدة ممكنة لكي يحدثونا ويحررونا من إعاقتنا، بل إن ممارسة هؤلاء المتخارجون هذه تدفعنا لسؤال أكثر أهمية وتعقيدا : هل لدى بنيتنا الاجتماعية عوامل ذاتية تحكمها استعدادا وقابلية للاستعمار؟ فبالتالي فإن المقاومين لدينا هم ثلة خارجة عن القبول العام السائد و”الشرعية الدولية” التي تفتي لهذا “الآخر” لغزونا وينبغي على الجميع معاملتهم ك “إرهابيين” ؟ وهل هذه الصفات يتمتع بها شعب دون آخر؟

إننا نقر أنه ما كان يمكن للاستعمار، الّذي كان ضرورة تاريخية لمنطق تطور الرأسمالية وقانونها الذاتي الداخلي، أن يتحقق لولا أن وجد في البلاد التي استعمرها شروطا تاريخية في بنياتها الاجتماعية الماقبل رأسمالية ما يمكنّه لاستعمارها، ولكن ينبغي ألاّ ننسى أنه لو تركت هذه البنيات لقانونها الداخلي الذاتي لتفتق خط تطورها الطبيعي عن أفق اجتماعي جديد لنمط جديد ليس بالضرورة أن يكون راسماليا كما حدث للبنية الأوربية. وبذا يظهر لنا الاستعمار أنه نتاج تاريخي لصدام عنيف بين ضرورة تطور تكمن في صيرورة البنية المجتمعية الرأسمالية نفسها وإمكانية تطور تكمن في صيرورة البنية المجتمعية الماقبل رأسمالية.

وينبغي ملاحظة أنه لم تتحقق ضرورة الاستعمار تلك لولا سد أفق إمكانية التطور في البنية الماقبل رأسمالية من قبل الاستعمار نفسه، ولولا نزعة التوسع لدى نمط الإنتاج الرأسمالي في البلاد الامبريالية الغربية لما سدت أفق إمكانية التطور المستقل في البلاد التي استعمرها، لذلك فهو وليد حركة صدام تناحري بين بنيتين اجتماعيتين حققت إحداها ضرورة تطورها بسد آفق إمكانية تطور الأخرى فتخلفت الأخرى. فالعلاقة بين الاستعمار والتخلف علاقة داخلية بنيوية تشترط إحداها الأخرى، فكما أن التخلف كان شرطا لعدم القدرة على صد الاستعمار صار الاستعمار شرطا أساسيا للحفاظ على هذا التخلف وإعادة آلياتها وإنتاج مولداته لدى البنية المستعمرة(بفتح الميم) من خلال علاقة سببية تربط بنيتين في وحدة بنيوية تفارقية لكنها كانت شرطا جوهريا من شروط التخلف كعلاقة إنتاج بنيوي في اتجاه واحد مما يؤدي إلى فهم مغلوط أو مقلوب لمفهوم التخلف، هو تضليل من صلب الأضاليل التي تمارسها عملية الرسملة الكولونيالية، لأن هذه الرسملة لن تسعى لفتح آفاق التقدم والقضاء على العلاقات الماقبل رأسمالية في البلاد المستعمرة كما تصور ماركس في حينه حسب قراءته لصيرورة الرأسمالية الغربية في بلادها من خلال ما رأى من نزعتها للقضاء على كل العلاقات والبنى السابقة عليها، لأنه لم يسعفه الوقت أم العلم لا ندري لاكتشاف أن الرأسماليات بعد تحولها إلى مراكز امبريالية مسيطرة اقتصاديا على جميع أنحاء العالم والأطراف مجرد مناطق خاضعة، وأن هذه الاقتصاديات المركزية في مرحلتها الاستعمارية لم تعد تتمتع بنزعة الهجوم على ما قبلها من علاقات إنتاج لأنها قد تمحورت حول ذاتها وهي مكتملة أيضا، أما اقتصاديات المناطق الطرقية الخاضعة هي منفلتة في اتجاهها كليا نحو الخارج وغير مكتملة ولأنها غير مكتملة هي متأخرة ومتخلفة لأن هيمنة الاقتصاديات المركزية عليها تلجمها وتكبح تقدمها وتحول بينها وبين استدراك تأخرها، فالتأخر لديها له أسباب خارجية بالرغم من استدخاله واستبطانه من خلال تحالفات طبقية تتولى إعادة إنتاج هذا التأخر والتخلف.

وحتى لو أقرينا بأن قوى الاستعمار الرأسمالي الامبريالي قد حررت تطور قوى الإنتاج للبلدان التي استعمرتها وحدثتها فقد فعلت ذلك بالقدر الذي ينبغي أن تلائم حركة تطور إنتاجه الرأسمالي التوسعي، وإن الشكل الذي اتخذه هذا التحرير كان تشويها لهذه القوى المنتجة ولجم بنيوي لتطورها لأنه لم يكن عبر خلق علاقات إنتاج رأسمالية كما حدث في بلاد منشأها أوربا بل بخلق علاقات إنتاج جديدة مشوهة ومشروطة بتبعيتها للمركز الأوربي نسميها علاقات إنتاج كولونيالية. فالاستعمار ليس محررا ولن يكون وإنما كان ومازال اغتصابا لتاريخ بلادنا وتشويها لحركة بنياتها إذ حررها من أفق حركتها البطيئة ليجذبها إلى أفق تبعيته المسدود.

صحيح أن الاستعمار قد بنى في البلاد المتخلفة قطاعا اقتصاديا حديثا فيما يتعلق بقطاع التصدير على وجه الخصوص لكنه حافظ على القطاع التقليدي القديم ومن ثم فصله وعزله عن سياق تطوره الطبيعي ولم يكن من الممكن أن يتحقق للاستعمار ذلك إلاّ بإيقاف تطور هذه البنية الخاص بها ولجم حركة التطور الاجتماعية الكلية لها.

فهل المسألة بعد كل ما سبق أزمة نص ديني كما يزعمون أم أزمة بنية ؟

ينبغي ألاّ يسمح لنا اعترافنا بالقابلية للاستعمار واستدعائه بالموافقة على ما ذهب إليه البعض من أن هذا الاستدعاء والقابلية تكمن في تخلف نصنا الديني دون أن ندرك وننوه إلى ما مهّد له وأعوانه المحليين لهذا على أرض الواقع في البنية بتوليد هذه الآلية، ثم ربطوا مصالحهم المادية والاقتصادية معه بشكل مطلق من خلال أعمال مشتركة ثم سعي كليهما معا للتأسيس لهذا سياسيا وسلطويا وانبريا بعد ذلك لصناعة شريحة اجتماعية من حولهما ترتبط مصالحها بهما عبر إفسادها بكل الوسائل الممكنة أو إرهابها، بعد كل ذلك تم التأسيس له فكريا ودينيا، وبالتأكيد لم ولن يعجزا عن ذلك بعد توفر الأساس الاجتماعي الذي أنشآه معا على أرض الواقع كما حدث تاريخيا في منطقتنا العربية ومازال، وأوضح ما يتجلى ذلك في مجريات ما يحدث في تركيبة سلطة أوسلو الفلسطينية تحت الاحتلال.

إن حركة التاريخ هي حركة صيرورة البنية الاجتماعية المادية وليس حركة النص الديني أو الفكري على أهمية تأثيرهما بعد أن يكون قد رسخ بفعل فاعل، وأن التاريخ في حركته هو البنية الاجتماعية في صيرورتها كما قال مهدي عامل.

ربما يأتي الخلط أحيانا لدى البعض بسبب ما يرتدي الاستلاب الاجتماعي من طابع ديني مطلق لدى البنيات الاجتماعية الماقبل رأسمالية أي الخراجية، فهذه البنيات تتميز باستلاب اجتماعي واحد هو استلاب في الطبيعة، وتتأتى خصائص هذا الاستلاب من شفافية علاقات الاستغلال الاقتصادية من جهة ومن محدودية السيطرة على الطبيعة في المستويات المقابلة لقوى الإنتاج من جهة أخرى، وكأنه شرط لا غنى عنه كيما تتبوأ الأيديولوجيا مكان الصدارة في إعادة الإنتاج الاجتماعي، في حين أن الاستلاب الاجتماعي في طور الرأسمالية يقوم على فقدان العلاقات الاقتصادية لطابعها الشفاف وتحولها إلى علاقات كتيمة بفعل تعميم العلاقات السلعية وعلى درجة متقدمة نوعيا في السيطرة على الطبيعة، أي في صيغة أخرى : إذا كان المركز الرأسمالي مترادف مع تقدم واكتمال، وإذا كان النموذج الخراجي الطرفي مترادف مع التخلف فإن المجال الذي يتجلى به هذا التقدم وهذا الاختلاف خاص بكل من تمرحلهما : المرحلة الخراجية والمرحلة الرأسمالية، في الرأسمالية تكون الغلبة للاقتصاد ولكن في الخراجية تكون الغلبة للايديولوجيا أي البنية الفوقية والدين جزء منها.

إنني أرى أن السؤال الذي ينبغي على الجميع طرحه ومن بداية الصفحة كما يقولون، ومن السخف طبعا الإجابة عليه هكذا علنا لبداهته وهو: ما اللذي دفع ومازال يدفع القوى الاستعمارية الغربية ومنذ الحروب الصليبية ولغاية احتلال العراق لتجشم عناء الزحف آلاف الكيلومترات من البر، وأن تمخر أساطيله عباب البحار والمحيطات آلاف مثلها، ويتكلف ملايين بل مليارات الدولارات والثروات ليغزو منطقتنا إن كانت لا تحوي سوى الركود والخواء والفقر والتخلف والقحط كما وصفوها ؟ هل قاموا بهذا وما زالوا يقومون لنقل الحضارة إلينا صدقة ولوجه الله؟ أم أنهم جاؤوا إلى بلادنا بحثا عن المسيح في موطنه الأصلي؟ أم عن موسى ؟ أم أتوا إلينا لمجرد أنهم يكرهون الإسلام في منطقتنا ويحبوهم في جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق عندما دعموا انفصالهم، وإسلام كوسوفو وسرييغو والشيشان ؟

من نافل القول أن نوضح أن الرأسمال الصهيوامبريالي ما غزا المنطقة العربية واستعمرها بسبب أهميتها اللوجستية للهيمنة الإستعمارية وثرواتها الفاحشة وموقعها الجغرافي ومهد الأديان السماوية الثلاث وحسب، بل لأنها تشكل خطرً انبعاث مشروع قومي تحرري عربي قادم لا محال، يخشى منه الاستعمار الغربي أن يسد أمامه طموحاته إلى السيطرة على العالم، بل ويهدّد شواطئ مراكزه المطلة على المتوسط، ومن هنا جاءت أهمية اتفاقية سايكس بيكو لخلق الدويلات الكولونيالية فاقدة السيادة بالتساوق مع وعد بلفور الذي أدى إلى زرع الكيان الصهيوني ليشكل كلاهما نواة لمشروع إستبدالي سموه”الشرق الأوسط الجديد”أو الكبير لا فرق.

يقر البعض ممن يدعون لارتضاء الدويلة القطرية وطنا نهائيا بأنها حالة تجزئة ولن يمانعوا بل كانوا سيرحبون لو شبوا على وطن عربي موحد، ولكن الواقع أقوى من الجميع ولا يفرز إلاّ الممكن للحالة الواقعية والممكن هنا والواقع هو الدويلة القطرية، ويجدون هؤلاء حسب واقعيتهم أنه من الغباء طلب الشيء الغير ممكن فإنه من الاستحالة تعديل هذه الحالة الواقعية في ظل المعادلة الدولية السائدة ( نحو التوحيد بينما نحو التفتيت فإنه احتمال وارد تسعى إليه هذه المعادلة الدولية السائدة التي يحتمون بظلالها)، ليس هذا وحسب بل اكتشفوا بأن ما شبوا عليه هو حالة إيجابية متقدمة إذا ما قورنت بالواقع الذي كان سائدا في السابق أيام الحكم العثماني أو ما قبله حيث ساد حكم القبائل والملل والطوائف خالطين بذلك بين تقسيمات إدارية قامت بها إدارة الحكم العثماني للتسهيل على الولاة تحصيل الخراج وبين التقسيمات التي فرضتها قوى الاستعمار بناءا على اتفاق لتقاسم المنطقة وبناء الدويلة لمهمة وظيفية كما أسلفنا سابقا للحفاظ على العهدة الاستعمارية، وبالتالي فإنه من الواجب علينا شكر الاستعمار الغربي الذي وحد هذه الملل والطوائف، ربما من هنا على ما يبدو كان علينا أن نفهم كيف أتى هذا الولاء والركوع الكلي للاستعمار من قبل قادة هذه الدويلات ومنظريهم الواقعيين.

إنها رؤية لا تقرأ التاريخ بل تبرر له ما شبت عليه بعد أن عزلت التاريخ عن محركه الرئيس، الصراع الطبقي، ولأن مصالحهم تريد ذلك. إنها رؤية لا ترى في التشكيلة الاجتماعية العربية صراعا يحكمها، إنها بالنسبة لهم تركيبة هلامية تساوقا مع ما أقرت به المعادلة الدولية السائدة التي تسمى دون رتوش وتضليل حكم رأس المال الصهيوامبريالي المعولم.

نؤكد لهؤلاء الواقعيين جدا اللذين يعلمون جيدا كما نعلم وأكثر أن الدويلة القطرية العربية لم تظهر بقوة دفعها الخاصة وديناميتها الداخلية بل هي من صنع الاستعمار وبقرار منه ولمقتضيات هيمنته على المنطقة واحتلاله لها عسكريا من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي حسب اتفاق سري جرى بينهم لتقاسم المنطقة سمي إتفاق سايكوس-بيكو وبالتساوق مع اتفاق سري آخر زرع الكيان الصهيوني بناءا على قراره أيضا إبان قراره بالهجوم على المنطقة، ولو كانت كما يزعمون ضرورة تاريخية لكانت قد قاومت هذا الاستعمار الذي اجتاح المنطقة وفقا لمنطق الأشياء كما حدث في بعض منها ولرسخت الوحدة الوطنية بدل تفتيتها إلى مشاريع حروب أهلية ولتابعت قدما بعد طرد المستعمر للتوحد لبناء دولة الأمة، لا أن تتصارع فيما بينها على حدود مصطنعة وتتعاون مع قوى الاستعمار وتستدعيه للعودة مرة أخرى فتفتح له حدودها لاستباحتها، هذا إن ملكت أصلا قرار السيادة على هذه الحدود أو إرادة القرار، ولنا فيما يجرى في العراق أسوة، وما يجري في الأرض الفلسطينية هذه الأيام لخير دليل ومثال.