في انتظار جو بايدن!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2262)

ينشغل العقل الباطن لقيادات ونجوم العملية السياسية في العراق، بما سيحمله جو بايدن من مواقف ملزمة واخرى اختيارية، مع ملاحق فراغية يستطيع الاربعة الاوائل في امتحان العبور للسلطة الدائمة في العراق، ملء فراغاتها المتباينة المستويات في اشكال مقايضاتها وضغوطاتها واستثماراتها الهادفة لاستكمال التركيب السلطوي الذي سيستخلف الحكم الامريكي المباشر للعراق، بحكم مستور ومحجب ومنقب بالسيادة الزائدة والاستقلال الناجز والديمقراطية المتعففة عن اي شكل من اشكال الفساد الكلي او الجزئي، حكم متقاسم الوظائف في اصطفافاته التنفيذية والتشريعية والقضائية، حكم متجانس بتخندقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والامنية، حكم لا يليق الا ببلاد متوكلة على شريكها الاستراتيجي، وعباد منقسمين الى مكونات ثلاث قابلة للانشطار الموقوت في انتظاره للضوء الاخضر القادم من وراء المحيط!

من المؤكد ان انتظار جو بايدن سوف لن يكون طويلا وعبثيا، كانتظار جودو في مسرحية صامويل بيكيت، صحيح ان بايدن لا يريد ان يظهر وكانه منتظرا ليقوم بما يلزم في مثل هكذا ظروف، وهذا نتيجة لسوابقه المعروفة والتي صاغت سمعته بين اهل الحل والعقد في العراق، فهو صاحب فتوى لاقت رواجا في الكونغرس الامريكي ايام الاحتلال الاولى للعراق والقائلة : لا حل لمشاكل العراق، ولا استقرار فيه الا بتقسيمة الى ثلاث دويلات ـ شيعية وسنية وكردية ـ!

اما وقد اصبح نائبا للرئيس اوباما ومسؤولا عن ملف العراق فانه قد تخلى عن فتواه المعلنة تلك، تماشيا مع شروط العملية السياسية التي صممت لتفتي لنفسها بنفسها وبما ذهب اليه جو بايدن نفسه، فلا غرابة بعد ذلك ان يكرر البرزاني ما قاله بايدن وفي كل مرة يعلن فيها عن زيارة جديدة له ـ لبغداد واربيل ـ كعاصمتين لكيانين في طور التشكل باتجاه عراق مفرمل على درب بتذكرة سفرمختومة لمرة واحدة فقط، حيث لا يعود الا مقسما بالثلاثة!

سيكون مجيء جو بايدن لبغداد وبعد كل استعصاء في مجاري العملية السياسية وخاصة مسألة اعادة توزيع اركان السلطة بين مكوناتها، استحضارا لزخم الدفعات الامريكية وباعلى مستوياتها التنفيذية باتجاه تذليل صعوبات الاستجابة لمقتضيات المسير على هدى خطة خارطة الطريق الامريكية للعراق والتي احتوت مضامينها الاساسية، اتفاقية الشراكة الاستراتيجية طويلة الامد بشقيها الامني ـ الخاص ـ والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي والثقافي ـ العام ـ وذلك لان الحضور الامريكي شاخصا في كل صغيرة وكبيرة في الداخل العراقي، فمازالت لامريكا الكلمة الاولى، القواعد الامريكية وقواتها هي المتحكمة فعليا بكامل التحركات العسكرية المهمة في البلاد، ومازالت المخابرات العسكرية الامريكية وراداراتها هي العيون التي ينظرمن خلالها من هم في مواقع المسؤولية ضمن طواقم التشكيلات السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية ومنذ بداية الاحتلال وحتى الان، اي حتى بعد قيام ما يسمى بالحكومات المنتخبة!

الان وقد انتهت المناوشات الاولى بين الاطراف المتنازعة على غنائم التوزيع الانتخابي، من خلال اعلان المفوضية المستقلة للانتخابات باستكمالها لعملية اعادة العد والفرز لصناديق الاقتراع الخاصة بمحافظة بغداد ومن دون تغيير للنتائج الانتخابية المعلنة، وبما يؤكد ما اشيع سابقا من ان قرار الموافقة على اعادة العد والفرز، انما جاء كترضية لغرور المالكي الذي اراد باعتراضاته وتشكيكاته بالنتائج المعلنة، اشعار الجميع بحرصه الضاغط باتجاه الاحتفاظ بمنصب رئاسة الوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة والرمي بكل ثقله بهذا الاتجاه، ثم من خلال تحجيم الدور الاجتثاثي الذي اثار الكثير من التشنجات السياسية بين اطراف العملية ذاتها بواسطة المساعي التوافقية التي تداعت لها اغلب القوى المتحاصصة المستندة للمشورة الامريكية والداعية لعدم الاخذ بالقرارات الاخيرة للجنة الاجتثاث التي وصمت بانها مخترقة تماما من الجانب الايراني، وذلك عندما اقدمت على عزل واجتثاث الكثير من الاسماء المعروفة بمواقفها المتشددة ازاء النفوذ الايراني المتصاعد في العراق، والذي يهدف بالاساس الى املاء الفراغ الناتج عن الانسحاب الامريكي او تقاسمه في اسوء الاحتمالات مع سوريا والسعودية!

ستبدأ مخاضات وعمليات للشد والجذب بين القوائم الكبيرة المتقاسمة للمقاعد البرلمانية، ومن الاكيد ان هذه المرحلة ايضا ستشهد تشنجا وتلاسنا وتصارعا، فمن اول يوم لتوقيع المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات وحتى التئام مجلس النواب وانتخاب رئيسا له، يكون على هذه الاطراف قد توصلت لاتفاق مفصل على توزيع كامل للمناصب السيادية وغير السيادية في الحكومة الجديدة، اي رئيس الجمهورية ونوابه، ورئيس الوزراء ونوابه اضافة لرئيس البرلمان ونوابه، وكذلك الوزراء، وهذه العملية برمتها ستخلق اجواء من المساومات والابتزازات والمفارقات والتحالفات والانسحابات، والتي ربما ستساهم في انقلاب امني جديد يعيق التوق الامريكي للانسيابية في تنفيذ مشروع انسحاب تواجده المباشر من على الارض العراقية، وعليه سيكون حضور جو بايدن ضروريا للجميع فكلهم ينتظر القول الفصل الذي يحمله!