تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة العاشرة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2263)

المحور السابع

العلاقات الدولية

المباراة الاقتصادية والتعايش السلمي: إنتقد غيفارا ما أسماه السوفييت “الاطروحة اللينينية” التي دعا اليها الاتحاد السوفييتي في التعايش السلمي والمباراة الاقتصادية (economic emulation) مع الدول الراسمالية المتقدمة أو الامبريالية: يقول: “هذه واحدة من أخطر اطروحات الاتحاد السوفييتي. فمن الممكن قبولها كاحتمال غير عادي، إلا انه لا يمكن لها ان تصبح الدافع الرئيسي للسياسة. وحتى في هذا الوقت فان الجماهير عاجزة عن أيقاف الحرب في فيتنام وهي تخرج في تظاهرات بسبب دموية تلك الحرب. ان بطولة الشعب الفيتنامي هي القادرة على فرض الحل، أما سياسة الاسترخاء، من الناحية الثانية، فقد عززت العدوان اليانكي [على فيتنام]” (Yaffe 2009, 253).

المواجهة الشاملة مع الامبريالية: في رسالته الى الترايكنتينانتال Tricontinental (منظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية) والتي نشرت في 16 ابريل 1967، أكد غيفارا على:

ـ أن الامبريالية أعلى مراحل الراسمالية كنظام عالمي؛

ـ وعليه، فمن الضرورة محاربتها في مواجهة عالمية واسعة وطويلة المدى؛

ـ على الدول الاشتراكية ومؤيديها ان يوحدوا جهودهم في كفاحهم ضد عدو الانسانية المشترك: الامبريالية الاميركية؛

ـ في هذا الكفاح العظيم فان المهمة التاريخية لشعوب العالم الثالث تكمن في القضاء على قواعد ومراكز وجود الامبريالية في الدول النامية، هذه القواعد التي تشكل مصادر الربح والمواد الخام والاسواق لتصريف السلع القادمة من بلدان المركز. هذه القواعد التي تخضع اليوم الى “تبعية مطلقة”؛

ـ الضرورة الملحة لاستراتيجية عالمية للحرب ضد الامبريالية تكون قادرة وفعالة في دعم طليعة البروليتاريا العالمية: فيتنام.([1] )

(Guevara Reader 2003, 350-362)

التواطئ مع الامبريالية: إتهم غيفارا، في خطابة في الجزائر (25 فبراير1967)، الاتحاد السوفييتي “بالتواطئ الضمني مع الامبريالية”. وفي حين كان هذا التصريح صفعة للسوفييت، إلا انه شكل أيضاً خروجاً عن كافة البروتوكولات التي سادت العلاقات بين دول المعسكر الاشتراكين خاصة اذا أخذنا بالاعتبار طبيعة وخصوصية العلاقات السوفييتية ـ الكوبية والدور الذي كان يعوّل السوفييت على كوبا القيام به في اميركا اللاتينية والعالم. (Anderson 1997, 625)

وقد أثار ذلك حفيظة القيادة السوفيتية وحدد بوضوح الموقف السوفييتي تجاه غيفارا مما تجلي لاحقاً في العلاقة معه وفي مواقف الحزب الشيوعي البوليفي (الذي كان يأتمر بتعليمات موسكو) “وتقاعسه” من تقديم العون والامدادت لغيفار أثناء معاركه في أدغال بوليفيا حيث استشهد.

□ فيما يتعلق بالابعاد الاقتصادية، المبارة الاقتصادية في ظل التعايش السلمي، فقد إتفق غيفارا مع اطروحات “الدليل السوفييتي” بان الشيوعية تفترض وجود الوفرة والرخاء، إلا انه عارض القول بان الشيوعية تتميز بالضرورة بانتاجية تفوق الإنتاجية الراسمالية

ولم يرى ضرورة لمثل هذه المقارنة المتزمتة مع الراسمالية للاسباب التالية:

1) لان السباق المتواصل مع التقدم الراسمالي مسألة مقارنة آلية تجعل من الشيوعية تغييراً كمياً ومتقلباً باستمرار في مجاراته ومنافسته للراسمالية.

2) لان مثل هذه المقارنة هي موقف إنهزامي حيال الراسمالية تدمر روح الجماهير ومعنوياتها.

3) وأخيراً، لان السباق مع الراسمالية طموح سطحي وخطير وأحادي الجانب، لان الراسمالية لا يُؤتمن لها.

بالنسبة لغيفارا، فان التحدي الذي يواجه الاشتراكية لا يكون بالفوز في السباق مع الراسمالية أو منافستها، بل في حل التناقض القائم بسبب الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والعمل على ضمانة التثقيف الشيوعي.

□ إدعى “الدليل السوفييتي” بان التعايش السلمي والمباراة الاقتصادية يقوي المعسكر الاشتراكي في صراعه مع العالم الراسمالي، ويجرالدول التابعة للحاق بالدرب الاشتراكي من خلال العلاقات الاخوية، والدعم الاقتصادي والتبادل التجاري النزيه، إلا ان غيفارا أنكر وجود اية براهين تثبت صحة هذا الادعاء.

العلاقات والتعاون بين الدول الاشتراكية

□ يقول “الدليل السوفييتي” ان الدولة الاشتراكية تميزت، من حيث تنظيم العلاقات الاقتصادية، بالتخطيط الاقتصادي والدعم المتبادل بين بلدان المعسكر الاشتراكي. وفي رده، أكد غيفارا صحة هذه الاطروحة نظرياً، إلا انه وجد في الواقع القائم ان الشوفينية قد حلت محل الاممية، (شوفينية القوى الكبرى والصغرى) أو بالخضوع للاتحاد السوفييتي، والحفاظ على الفوارق بين دول اوروبا الشرقية، أي أنه كان يرى في مثل هذه المواقف تنكراً لاحلام شيوعيي العالم.

□ إدعى “الدليل السوفييتي” ان التنمية الاقتصادية في الدول الاشتراكية تعزز العلاقات بين هذه البلدان في إتجاه مضاد للراسمالية. إلا ان غيفارا رد بانه حتى في ظل الاشتراكية ايضاً فانه يمكننا، من الناحية النظرية، إثارة مشكلة التنمية غير المتكافئة. فقد فرضت الممارسة العملية مشكلة التناقضات المستفحلة غير القابلة للحل والتي إتخذت في بعض الاحيان طبيعة ايديولوجية ولكنها كانت دائماً ذات أرضية مادية وإقتصادية. وكان من نتائج هذه التناقضات المواقف التي إتخذها كل من الاتحاد السوفييتي والصين ورومانيا وكوبا حيال المشاكل التي يبدو أنها في الظاهرغير مرتبطة بالاقتصاد. وهنا قدم غيفارا أمثلة من الصراعات التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتي والصين للتدليل على خطأ الادعاءات التي جاء بها “الدليل السوفييتي”، مضيفاً الى “ان هناك العديد من المشاكل الاخرى التي لم تطفو على السطح إما لاسباب تكتيكية أو بسبب الخوف” (Yaffe 2009, 255).

□ كان غيفارا يرى ان مثال الكوميكون (مجلس الدعم الاقتصادي المتبادل) Council for Mutual Economic Assistance (CMEA)، الذي كان قائماً آنذاك بين الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى، يعري كذبة ان الدعم الاشتراكي المتبادل قائم بين دول متساوية لان أساس سعر السلع المتبادلة تجارياً بين هذه البلدان كان يستند الى اسعار السوق العالمية والتي كانت مشوهة بالتبادل غير المتكافئ، وهو ما وفر المزيد من الارباح والإثراء للدول المتقدمة صناعياً في حين كان كارثة على البلدان التي تصدر المواد الخام.

□ خلص غيفارا، من تجربته مع الدول الاشتراكية بقطبيها الرئيسيين، الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، والتفاوض معهما حول وسائل الدعم الاقتصادي والعسكري، خلص الى ان سياسات هذه الدول الاشتراكية تفتقر الى الاممية. فقد أنّبهم لفرض شروط للتبادل التجاري مع الدول الفقيرة في سوق هيمنت عليها الامبريالية، معيباً عليهم أنهم لم يقدموا الدعم غير المشروط، بما فيه الدعم العسكري، للدول الفقيرة ولنضالها وخاصة في الكونغو وفيتنام (Besancenot 2009, 113).

□ عارض غيفارا بشدة فرض الفوائد على القروض التي تقدمها الدول الاشتراكية لبلدان إشتراكية اخرى، بنفس القدر الذي عارض فيه فرض الفوائد على القروض التي تحصل عليها الشركات داخل كوبا ذاتها، بل إعتبره عملاً غير أخلاقي بغض النظر عن قيمة الفائدة. بالاضافة، رأى ان البلدان الاشتراكية عجزت عن توفير الدعم للبلدان النامية بل أبرمت إتفاقيات مع هذه البلدان على أساس قانون القيمة (يقصد الارباح وفرض الفائدة على هذه القروض). بالرغم من نقده هذا، كان غيفارا يثمّن الدعم الذي لقيته كوبا من الاتحاد السوفييتي والصين.

ولم يتردد غيفارا في التعبير عن رأيه بان القروض التي قدمها السوفييت لدول العالم الثالث كانت تجني فائدة وتعود بالربح على السوفييت، تماماً كما يحصل في ظل النظام الراسمالي. ولهذا حاول، عندما تولى إدارة البنك المركزي ولاحقا كوزير للصناعة، الحد من ارباح البنوك من القروض التي يقدمونها للشركات مما وفر للصناعات الناشئة القدر الاكبر من السيولة المالية. (Besancenot 2009, 25)

□ طالب غيفارا بنظام يقوم على المساواة في علاقات التبادل التجاري بين الدول الاشتراكية:”فمن الضروري خلق مؤشرات إنتاجية تفرض على البلد الاكثر تطوراً ان يبيع السلع بسعرأرخص وأن يشتريها بسعر أعلى من الدول [الاشتراكية] الاقل تطوراً”. لان هذا من شأنه ان يساوي من وتيرة النمو بين البلدان المتقدمة والاخرى المتخلفة. فمثل هذا التضامن الاممي الذي لا يسعى الى مصلحة أنانية أو آنية، هو التعبير الاسمى عن الوعي الاشتراكي .(Yaffe 2009, 255) ([2])


[1] تفتح دعوة غيفارا هذه الى العودة الى مناقشة المصادر المبكرة للاممية الثورية (1919 ـ 1924) في السنوات الاخيرة لحياة لينين وقبل ان يتولى ستالين قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي واتجاهات السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي خلال عقود الحقبة الستالينية.

[2] بدأت كوبا منذ اوائل سبعينيات القرن المنصرم بمثل هذه الممارسات وهو ما ميّز الثورة الكوبية، التي أخذت منذ ذلك الحين تقدم كافة أشكال الدعم العسكري والتعليمي والطبي للدول الفقيرة في كافة أنحاء العالم من أنغولا الى فنزويلا الى نيكاراغوا.