تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة الحادية عشر والاخيرة)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2265)

(3)

خاتمة

لقد إتسم نقد غيفارا للنمط والسياسات السوفييتية في كثير من الاحيان بالقسوة، إلاّ انه تميز وانفرد، في سياق تلك الحقبة، بالراديكالية والوضوح والامانة العلمية والثورية. غير أن غيفارا لم يفعل ذلك بدوافع ذاتية أو إستجابة لنزوات شخصية، بل:

1) لانه كان ثائراً شيوعياً وماركسياً ذا بديناميكية نادرة وبذهنية منفتحة ورافضة للجمود العقائدي وكافة القوالب الفكرية المتزمتة والمتخشبة. ولان فكره كان في حركة مستمرة، أصبحت المسلمات لديه، كافة المسلمات وفي كل الاوقات، موضع شك وتسائل وتمحيص. لذا رفض غيفارا أن يسقط في الصنمية للسوفييت أو لاية ايديولوجية مغلقة.

2) ولانه رأى مخاطر النمط السوفييتي وإستشرف مبكراً خطورة إنهياره وعودة الراسمالية الى ذلك البلد.

3) ولانه كان اممياً رافضاً لمواقف السوفييت المتواطئة مع الامبريالية الراسمالية واللامبالية بنضال شعوب الارض وفقراء العالم.

* * *

يمكننا، في الخلاصة، إيجاز ما سعى غيفارا لتحقيقه من خلال نقده للنموذج السوفييتي في النقاط الرئيسية التالية:

□ ضرورة العودة الى المبادئ والمفاهيم الماركسية الاساسية والتي إعتبرها ثابتة وصحيحة.

□ تمحورت أوجه خلافه مع النمط السوفييتي والاوروبي الشرقي حول الجوانب الاقتصادية والانتاجية، وتجلياتها الاجتماعية والانسانية، التالية:

ـ دور قانون القيمة، وإعتباره قانوناً مؤقتا للتنمية الاقتصادية في مرحلة التحول الاشتراكي والعمل على نسفه.

ـ إعتبار السلعة اساس النظام الانتاجي.

ـ وسائل التحفيز (الحوافز المادية والمعنوية) والتوزيع.

ـ نقده للامتيازات التي حظي بها مدراء الشركات والمصانع.

ـ نقده إعتماد معايير السوق في العلاقات الاقتصادية بين الدول الاشتراكية.

□ ان إستخدام الاتحاد السوفييتي للآليات الراسمالية والتخلي عن الحوافز المعنوية والتثقيف الشيوعي، قد خلق نظاماً هجيناً في ذلك البلد، وبالمثل في بلدان المعسكر الاشتراكي في اوروبا الشرقية. فقد إصطدمت البنية الفوقية الراسمالية مع البنية الاشتراكية وأعاقت التنمية الاشتراكية والانتقال من الاشتراكية الى الشيوعية، كما أن إستنزاف الموارد في التكلفة العسكرية الضرورية للدفاع ضد العدوانية الامبريالية، كان عائقاً إضافياً للتحول الاشتراكي.

□ يكمن الهاجس الرئيسي والدائم لدى غيفارا في أن الافتقار الى التحليل النظري يحرمنا من تحليل العملية الدياليكتيكية الجارية، وبالتالي يستعصي حل التناقضات، وان تسنى حلها فغالباً ما يكون جزئباً او مؤقتاً وعن طريق تقديم التنازلات لصالح قانون القيمة والآليات الراسمالية التي تهدد بعودة النمط الراسمالي للانتاج.

□ إنتقد غيفارا السوفييت، التجربة والنمط، ورفض ان يكون الاتحاد السوفييتي مرجعيةً وحيدة للماركسية والاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي، كما رفض أي نمط آخر، ودعا الى الخروج من مأزق المحاكاة لاي منها. وهو ما تشير اليه كافة مواقفه وطروحاته وممارساته حتى لحظة إستشهاده.

□ ناضل من أجل الحفاظ على الاستقلالية الفكرية والتنموية للتجربة الكوبية، بل وتجارب كافة الشعوب، وحقهم بالمبادرة والاجتهاد في بناء الاشتراكية، أي حقهم في صياغة تجربتهم دون تبعية صنمية للنمط السوفييتي.

نقد غيفارا: الراهنية والدلالات

بعد عقدين من إنهيار الاتحاد السوفييتي والجمهوريات الاشتراكية في اوروبا الشرقية، يكتسب نقد غيفارا للنمط السوفييتي وسياسات انظمة “الاشتراكية المحققةً” الذي كتبه قبل أكثر من أربعة عقود، أهمية خاصة لا من الناحية السياسية والتاريخية فحسب، بل من منظور رؤيته المبكرة لاسباب هذا الانهيار ومساهمته في صياغة بديل للبناء الاشتراكي في كوبا وبلدان العالم الثالث. فبالرغم من ان هذا النقد ظل مطموساً لاربعين عاماً، إلا انه لم يصبح مشهداً من التاريخ اسدل عليه الستار، بل ما زلنا نعيش راهنيته وحدة تناقضاته، وما زلنا ندفع ثمن إنهيار القطب الاشتراكي وتداعياته التي ألقت بظلالها الثقيلة على الانسانية والاشتراكية فكرةً ومشروعاً وحلماً.

صحيح ان القضايا المطروحة عبرت عن الصراعات والتناقضات التي كانت محتدمة خلال ستينيات القرن الماضي، إلا أنها ما زالت ماثلة أمامنا، بطبيعتها وحدتها وتداعياتها، وربما بدرجة أفظع في كافة تجليات التناقض الازلي بين الراسمالية والانسانية. من هنا، تكتسب دراسة أفكارا غيفارا هذه الاهمية والراهنية لانها في الجوهر والاساس معركة من أجل الحفاظ على الوعي الانساني والوطني والاشتراكي والشيوعي أيضاً. هي معارك الافكار” كما يسمونها في الخطاب الكوبي، معارك الوعي والفكر، وهي الركيزة الاساسية لاي مشروع مناهض للامبريالية والراسمالية.

لنا ان نختلف مع غيفارا أو أن نشاطره الرأي، إلا ان نقده ل”الدليل السوفييتي” شكّل، يقيناً، الخطوة الاولى لمساهمته في صياغة نظرية حول الانتقال الى الاشتراكية والبحث عن حلول لمشاكل وإشكاليات البناء الاشتراكي وكسر الجمود العقائدي والتبعية للنمط السوفييتي اللذين هيمنا على تلك الحقبة.

تساؤلات

هل يجوز القول بان غيفارا “تنبأ” بانهيار الاتحاد السوفييتي؟

لم يكن غيفارا عالماً إقتصادياً، إلا انه درس الماركسية وإستنار بمبادئها. ومن خلال التجربة اليومية والممارسة العملية، التقط، ربما قبل غيره من زعماء تلك الحقبة، أن النمط الاقتصادي الذي إتبعه السوفييت كان يأخذهم بعيداً عن مفاهيم ماركس وانجلز في بناء الاشتراكية فلم يدخر وسعاً ولا توانى عن التصريح برأية والدفاع عنه.

غني عن القول ان ما “تكهن” به غيفارا في منتصف ستينيات القرن الماضي قد تأكدت صحته اليوم. نعم، لقد إنهار الاتحاد السوفييتي وعادت الراسمالية اليه والى كافة البلدان الاشتراكية في اوروبا الشرقية. إلا ان الاهم، هو ان هذا “التكهن”، كان نتيجة منطقية لرؤية نافذة مبكرة ولنهج علمي في تحليل الاقتصاد السياسي السوفييتي، وهو ما أوصل غيفارا الى التحذير من أن الانهيار قادم لا محالة إذا لم تتغير السياسات.

لا شك أن غيفارا كان يمتلك حدساً نقدياً قوياً، إلا ان مواقفه كانت تنبع أيضاً من رؤيته الشمولية للاشتراكية والشيوعية ولمستقبل الانسانية. وربما هنا يكمن بيت القصيد:فالانسان، لدى غيفارا، هو موضع الثورة الاساسي، هو جوهرها وغايتها. إلا ان هذا الانسان ذاته هو أيضاً وسيلة تلك الثورة وفاعلها الرئيسي. من هذا المنظور يتسنى لنا ان نفهم “تنبؤ” غيفارا: فقد رأى أن نظاماً إشتراكياً لا يتيح المرونة والتنوع للتعامل والتطبيق في بيئات مختلفة، ويفتقر الى القدرة على التعامل مع خصوصيات متباينة، ولا يقدم قيماً جديدة “لانسان” ومجتمع جديدين، ويهدر طاقته وموارده في محاولة محاكاة ومباراة نقيضة الراسمالي بل يطمح الى السباق مع المراكز الراسمالية… هكذا نظام لا مستقبل له.

* * *

وبعد، تبقى هناك اسئلة اخرى:

لماذا بقيت مخطوطة غيفارا في نقد “الدليل السوفييتي” طي الكتمان لاربعة عقود طويلة؟

وهل إخفاؤها دليل أهيمتها وحساسية ما تضمنته؟

وماذا لو رأت النور في حينها، ماذا سيكون أثرها؟

وقد يسترسل المرء، ولو من باب الرغائبية، في تساؤل أصعب: ماذا لو ظل غيفارا على قيد الحياة وأنجز مشروع كتابه الطموح ونشر أفكاره وطروحاته؟ ماذا ستكون مؤثراتها على الاتحاد السوفييتي ومجمل المسيرة الاشتراكية آنذاك؟

تبقى الاجابه على هذه الاسئلة، في جزءٍ كبيرٍ منها، بحكم التاريخ. إلا انه لا يساورنا الشك في أن مخطوطته هذه التي نشرت بعد اربعين عاماً، وغيرها مما لم يرى النور بعد، كانت ستشكل تحدياً كبيراً لمكانة ومصداقية “الدليل السوفييتي”، وربما لمكانة ومرجعية الاتحاد السوفييتي كمنارة للاشتراكية وكقائد للعالم الاشتراكي في تلك الآونة.

لو رأت النور، لأثارت اطروحات غيفارا الكثير من الجدل وفتحت آفاق الحوار الاممي، الذي كان يتوق اليه، حول بديل للاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي في الدول الاشتراكية والعديد من الثورات الناشئة التي سلكت الدرب ذاته.

يبقى الكثير مما ينبغى قوله، لذا فلا بد لنا من عودة.

أهم المراجع:

1) Che Guevara Reader: Writings on Politics and Revolution، Second Expanded Edition، Ocean Press، Australia، 2003.

2) Helen Yaffe، Che Guevara: The Economics of Revolution، Palgrave Macmillan، London، 2009.

3) Olivier Besancenot and Michael Lowy، Che Guevara: His Revolutionary Legacy، Translated by James Membrez، Monthly Review Press، New York، 2009

4) Jon Lee Anderson، Che Guevara: A Revolutionary Life، Grove Press، New York، 1997.

5) Adel Samara، Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs. Development by State، Ramallah، Occupied Palestine، 2005.

6) عادل سمارة، “الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار، وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني”، مجلة “كنعان” الفصلية، العدد 135، ص 50 ـ 83. كما يستطيع القارئ مطالعة الدراسة في موقع “كنعان” على الرابط التالي: http://kanaanonline.org/studies/?p=3