ألتعاقد الجديد وراء الخط الأصفر

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2266)

وقف الشيخ رائد صلاح يمجد موقف عضو الكنيست حنين زعبي، في جلسة الكنيست التي تعرضت فيها لاستغوال ” اليمين اليهودي “، بكلمات ذات دلالة سياسية خاصة. من ناحية الفقه البرلماني الخالص يمكن توجيه المديح لكل موقف يتميز بالصلابة. كما يمكن بالحس الإنساني الرافض للظلم، رثاء الضحايا في كل الحالات. ولكن لا يبدو أن هذا كان هو الهدف الرئيسي للشيخ من تصريحاته المفعمة برائحة سياسية انقلابية حادة، خاصة حينما وصف عضو الكنيست المذكورة أنها تمثل كل الجمهور الفلسطيني هنا في الكنيست. وليس من المهم أن يكون ذلك صحيحا أو دقيقا، في الشهامة أو الغضب، ولكنه من المهم جدا في السياسة، أن يكون صحيحا موضوعيا، وإلا كان إعلانا مقصودا عن موقف سياسي، هو في حالة الشيخ رائد جديد كل الجدة، أي انقلاب سياسي.

لا أعرف عن الشيخ رائد شيئا أكثر من تواضعه وبعده عن التفاخر الذاتي، ولكن ضرورة المهمة وحدها هي التي ألجأته إلى الظهور بموقف الذي يمثل كل فلسطينيي الداخل ويملك دخيلتهم السياسية، فهو يعلم أن ذلك لا أثر فيه للدقة سواء بالنسبة له أو لعضو الكنيست حنين زعبي. وموقف الشيخ رائد من التمثيل البرلماني للفلسطينيين في كنيست إسرائيل، ظل معروفا جيدا على اتساع ساحة المعرفة المحلية. وعضو الكنيست حنين زعبي لم تصل الكنيست بأصوات كل أو عشر المصوتين بين فلسطينيي الداخل. والذين صوتوا لغيرها أكثر بكثير ممن صوتوا لها. فهي في الحقيقة لا تمثل حتى كل المصوتين العرب. فكيف إذن تمثل كافة فلسطينيي الداخل، والممتنعون عن التصويت يوازي عددهم عدد الذين أدلوا بًأصواتهم؟ على ضوء هذه الإشكالات المعرفية يمكن أن نستنتج من تصريحات الشيخ رائد ما يلي :

أولا : أنه لم يعد ينكر كون الكنيست منبرا للنضال الفلسطيني كما كان يفعل هو ورفاقه في الحركة الإسلامية (أ). فهو يعترف – مثل الشيوعيين – بأن أعضاء الكنيست العرب لهم صفة تمثيلية وطنية. وهنا يجب الإشارة إلى أن تغييرا للأفضل لم يحدث في الكنيست، بالنسبة لفلسطينيي الداخل، بل على العكس، لذلك فيبدو أن الذي تغير، هو موقف الحركة الإسلامية فقط.

ثانيا : أن ممثلي الكنيست العرب هم قيادات وطنية – من وجهة نظر الشيخ الجديدة – وليس قيادات حزبية إسرائيلية، كانت جدواها السياسية أقل بكثير من كلفتها.

ثالثا : أن الحركة الإسلامية (أ) قد غيرت موقفها من قضية المشاركة في الإنتخابات، ما دامت قد غيرت قراءتها البرلمانية للكنيست.

رابعا : أن وراء الأكمة ما وراءها.

حينما بدأ عصر قافلة الحرية بشموليته العالمية، لم يكن هناك بد أن تتحرك كل الدواليب السياسية الصغيرة والكبيرة في كل مكان، بموازاة سير القافلة. فالقضية قضية سياق ممتد، ليست قافلة الحرية سوى مشهده الإفتتاحي. وفي الحقيقة قد لا تكون الإرتباطات المباشرة للدواليب السياسية بمنظمي القافلة الحقيقيين هي المحرك الوحيد. فهناك تلك الإغراءات السياسية التي قدمتها القافلة مجانا – كما اعتقد البعض أو الكل – والتي شملت كل المقبلات والمشهيات الوطنية والإنسانية والشخصية أيضا. والإضافة المأساوية للقافلة، رفعت التكلفة إلى درجة الإستشهاد، ولكن ذلك كان أيضا إضافة للجدوى السياسية لأصحاب الدواليب الذي لم يمس المشاركين منهم في القافلة أي ضرر. فقد انفتح أفق التسوية على إغراءات مرحلية قادمة يمكن أن تثير شهية أية فئة سياسية ذات طموحات عالية. موكب جليل مهيب لسفن تسير تحت راية العدل والحق والإنسانية نحو غزة المحاصرة دوليا، ولكن بممثل ميداني هو إسرائيل. لقد أنضجت المعاناة من بقي من أهل غزة، وأصبحوا مهيئين لقبول أية تسوية. ويبدو أيضا أن تفاهمات سياسية عميقة قد حدثت بالمقابل على مستوى العلاقة بين حماس و” المجتمع الدولي “. لقد استطاع أردوغان أن يلعب دور سفير الشيطان في اللعبة بنجاح في الجانب الفاسطيني، ولم يبق سوى الضغط على إسرائيل لتغير طبيعتها السياسية، وتصدق حماس وقسم كبير من الفلسطينيين الطيبين ذلك. سوف يتحول الضغط الدولي على إسرائيل في حالة تصديقه، ضغطا على الفلسطينيين وحماس لتقديم تنازلات حقوقية جوهرية، مقابل وقائع ميدانية شكلية وعابرة كالحصار، في الطريق إلى التكريس التاريخي والإجتماعي والجغرافي ليهودية فلسطين، مقابل التصفية التاريخية لشعبها.

ومن المؤكد، أن مخرجي اللعبة الدوليين، لم يبخلوا بتوضيح مزايا القافلة للمعنيين، فقد بينوا لهم أنها بالإضافة لكونها جهدا إنسانيا وسياسيا ساميا، لفك الحصار عن غزة، فإنها أيضا في طريقها إلى بوفيه سياسي مفتوح يمكن للجميع الإستفادة منه. والتخلف عنه سيكون تفريطا فئويا مستهترا بالمستقبل. لذلك فإن التجنيد الموازي لخفايا اللعبة، قد شمل من بين من شمل من فئات سياسية ومدنية دولية، جميع الفئات السياسية لفلسطينيي الداخل، بوصفهم إشكالا تهويديا وإشكال هوية، كما يوضح نص الوثيقة الأمني للدولة الديموقراطية الواحدة. وعلى أية تسوية أن تأخذهم في حسابها كشوكة في حلق إسرائيل، يجب استبدالها بمستوطنين يهود عندما يحين الوقت. وفي هذه الحالة لا بد لهم من قيادة سياسية تقوم بالتفاوض عنهم بهذا الخصوص. ويفضل أن تكون قيادة جماعية وإجماعية ووطنية متشددة أيضا، تخرج من رحم المعاناة النضالية.

من المؤكد أن كثيرا من النوايا الدولية الحسنة تقف من وراء السياق التصفوي للنزاع حول فلسطين. وكل شخص في إسرائيل من أصل فلسطيني سيؤيد السياق عفويا. فالقضية الآن لم تعد فلسطين بل ما تبقى منها. أي حصار غزة فقط. وهذا هو جوهر النوايا الحسنة التي دفعت بالدوليين إلى التحرك، فتخفيف الحصار بانقلاب دولي حميد، تسعيرة حماسية مناسبه يدفعونها من أجل السلام والإستقرار الذي لن يتم إلا بشراء التهويد التام من الفلسطينيين ببضعة أطنان من الخبز والحليب المجفف والأدوية. إذن فالنوايا الحسنة متوفرة هذه المره : شراء السلام بثمن تخفيف الحصار الإقتصادي عن غزة، وفتح باب الكلام على الباقي. فموافقة حماس على التطبيع مع إسرائيل برخصة السنة النبوية , مقابل ” رفع “الحصار عن غزة، هو بداية كل النهايات السعيدة. فحينما يفتح التطبيع ذراعيه يظهر ما كان مخفيا، ويعم السلام تلقائيا، وتفتح السوق أبوابها للمنافع، وتدور الدواليب السياسية مع اتجاه الريح، ويصبح أعضاء الكنيست العرب ممثلين لفلسطينيي الداخل في المفاوضات حول مصيرهم. والمهم أنه سيكون بوسع أي عضو كنيست عربي اسرائيلي في شيخوخته الأخيرة، أن يحدث أحفاده عن تاريخه النضالي الحافل من أجل الوطن، وعيناه تدمعان. أما فصائل ” التطرف ” فسوف تستطيع أن تزعم أكثر من ذلك بعدة أرطال.

لا أزعم أني أعرف من حرك دواليب الجماعات السياسية في شارعنا الداخلي في اتجاه موحد، فهذا أمر لا يطلع عليه إلا المعنيون. لكن النزق والعجلة التي تم بها الأمر، الذي عجزت الدهور السياسية التي عشناها عن تحقيقه، توحي بأن هناك مرجعا أعلى مشتركا بين كل الفئات قد تدخل في الأمر. ومن يدري، فما كان مرة أمنا في إسرائيل أصبح سياسة، وربما هناك من يريد الإطاحة بالليكود باستخدام ورقة ” الأصوات العربية “! وربما هناك اعتبارات تخص الرأي العام الفلسطيني مباشرة في الداخل والخارج. ربما أمريكا والتحالف الإسرائيلي القطري، فقناة الجزيرة لم تتوقف عن نسج الأساطير حول القافلة وبعض أبطالها.

وتصريح الشيخ رائد الدينسياسي الإنقلابي، يقابله من ناحية اليسار افتتاحية الأمين العام لحركة أبناء البلد، في أجراس العودة الورقية حول الدولة الديموقراطية الواحدة. إنها كلمة حزينة ومؤثرة وتؤدي رسالتها السياسية بلهجة المراثي. ويبدو فيها أنه قد أوكل للأمين العام فيها، حمل جبل الرسالة الجديدة على كتفيه، وإيصاله للفئات الأخرى، بسبب ماعرف عن استقامته ونظافته التنظيمية. وقد فعل ذلك بكثير من الجهد، ومحاولات الترقيع غير اللازمة التي تدل على تردده وارتباكه. كان في الحقيقة وبكل الإخلاص الموضوعي، يشبه رجلا يدلي بأقواله تحت التعذيب. ولعل الهدهد حمل إليه من بلقيس ما كان يحمله كل مرة من رسائل حادة، قبيل أحد انشقاقات حركة أبناء البلد. ولكن الرسالة هذه المرة كانت أكثر وضوحا ومكتوبة بيد بلقيس شخصيا، وتدعو إلى وحدة الحركة على المباديء التي قامت عليها ” قبل قيامها “. عيني على الدولة العلمانية، وعلى حركة أبناء البلد الجميلة التي لن تخونها الذاكرة أبدا! لم يستطع أحد اغتيالها، إلا بعد أن اغتيلت فلسطين، فانتحرت طوعا. ناضلت من أجل فلسطين العلمانية والآن ستكتفي بالنضال من أجل إسرائيل الديموقراطية. لقد بدأ عصر سياسي بدون فلسطين، فماذا ينتظرون؟

أما التجمع وهو الأن يتصدر الساحة السياسية المحلية، فلم يتح لي الإطلاع على رأيه في الموضوع. ولعله الآن بعد غياب فكر حركة أبناء البلد، يعتبر التيار الأكثر تشددا وشجاعة على الساحة، ولكني أعتقد أنه لن يكون هناك خيار لأي تيار سياسي في الموضوع. فالثمن السياسي الذي سيدفعه سيكون غاليا إذا رفض رسالة الهدهد. والرسالة واضحة جدا. كما أن للتجمع ممثلا في فاتيكان الدوحة القومي يعرف من أين تؤكل الكتف، وسيقاسم الحركة الإسلامية نصف ثلثي الكعكة بالتأكيد.

أما الشيوعيون فليس لهم ولاء محدد الأن في الحلبة السياسية. ولكن الولاء الجديد على الساحة هو ذات الولاء الذي نا دوا به دائما، وهو التعاقد مع الدولة، ومحاربة الحكومة. ولا أعتقد أنهم يجابهون أية مشكلة في الموضوع. فورقة التعاقد الجديدة، موقعة من أبناء البلد ” الشوفينيين ” والحركة الإسلامية ” الرجعيين “. لم يعد أبناء البلد شوفينين، ولم تعد الحركة الإسلامية رجعية، ولم يعد الشيوعيون شيوعيون.

لقد أعطيت للمؤتلفين، كافة وسائل الدعاية المناسبة، للإستعداد للإنتخابات القادمة التي يعتقدون أنها، ستلد عشرين نائبا عربيا، لقد اتيح لهم إخراج المسرحيات الدعائية المناسبة، وتقديم الأبطال والضحايا البريئة، والإستعانة باليسار واليمين والوسط العالمي، لإضفاء الدهشة الللازمة على المواطنين قبل ذهابهم للتصويت للكتلة العربية الموحدة في الكنيست.

أخيرا انتهى الوجع المستجد وأصبحنا نعيش مع وجع النهاية. وإذا استطاع التعاقد الجديد أن يضمن لنا حدا أدنى من الكرامة الإنسانية، فسوف نوافق على انتظار المخلص في الفنادق السياسية المتوسطة التسعيرة، حتى يخيب الله رجاءهم، وتعود القافلة خائبة، ومعها سفراء الشياطين. لقد شاء الله أن نعيش عهدين من التعاقد على رقابنا. عهد التعاقد الشيوعي المنتهي، وعهد تعاقد الحركة الإسلامية الجديد. فنحن إذن مخضرمون في عذاب الدنيا، وليس أمامنا سوى الجنة.

يوم يخرج ابناؤنا وأحفادنا من حيفا ويافا وأم الفحم ومصمص وعرابة سيقولون بدأت المؤامرة بقافلة الحرية. وإذا لم يحدث هذا فمعنى ذلك أن إيران تفهم اللعبة جيدا، ولن تترك أردوغان يتمتع بدوره كسفير للشيطان.