أيهما في مأزق: تركيا أم إسرائيل؟

أمين محمد حطيط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2267)

لن تكون مفاعيل جريمة اسرائيل بحق “اسطول الحرية” وتداعياتها كسابقاتها من الجرائم الاسرائيلية المرتكبة منذ اغتصاب فلسطين والتي يميزها دائما “هبة حماسية عربية” تنديدا ورفضاً في البدء يليها قبول بالامر الواقع، ثم تتابع اسرائيل سيرها في الخط الاجرامي مطمئنة الى سياسة التفلت من العقاب التي ارستها قاعدة لسلوكها في المحيط، محدثة التحول او التغيير الاستراتيجي الذي تريد ويناسبها بشكل عام.

في المواجهة الراهنة الامر مختلف والسبب في ذلك يتمثل في ان تركيا هي المعنية المباشرة بتلك الجريمة كونها الضحية الرئيسة فيها، وهي تملك من عناصر القوة والقدرة على الحركة الدولية والاقليمية، وتقيم من العلاقات الثنائية والمتعددة ولديها من الطموح والآمال في المستقبل، ما يجعل سكوتها او تصرفها على الطريقة العربية مقتلا لها. وهنا يبدو ملحاً السؤال هل ان اسرائيل اساءت التقدير والحساب وارتكبت حماقة قادتها الى فخ اوقعت نفسها فيه وبملء ارادتها عبر المواجهة مع تركيا، ام العكس هو الصحيح وان اسرائيل خططت وقررت ونفذت ما تراه لمصلحتها من اجل معاقبة تركيا على سياسة بدأتها منذ انتهاء الاعمال العسكرية في العام 2006 في لبنان، وظنت – وقد يكون بالتنسيق مع اميركا – ان المجال فتح لها لتلعب دورا اقليميا في المنطقة يؤهلها لاحتلال مركز استراتيجي افتقدته منذ ان زال عرش سلاطين بني عثمان في مطلع القرن؟

في ظاهر المشهد قد ننحو للقول بالحمق الاسرائيلي الذي ارتد على فاعله كارثة استراتيجية قد تنتهي بخسارة تركيا، التي شكلت لاسرائيل العمق الحيوي الفعال في كل المنطقة وباتت الحليف القوي الوحيد لها في الشرق الاوسط بعد سقوط شاه ايران، لأن تركيا الجريحة في ابنائها الذين استشهدوا على متن سفينة مرمرة ببندقية الجيش الاسرائيلي، اوعلى شاطئ الاسكندورن بيد حرّكتها “الموساد” الاسرائيلية، تركيا الجريحة في هيبتها وسيادتها، لا يمكنها ان تمر على الجرائم المرتكبة بحقها من غير حساب اوعقاب ولو كان الامر يفرض التراجع عن الكثير من المعاهدات والاتفاقات المتعددة الموضوع، وصولاً الى قطع العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل ان اقتضى الامر.

لكن ومن زاوية نظر اخرى، قد نصل الى تقدير معاكس يتمثل بالقول، ان اسرائيل لو كانت انزلقت الى الامر عن غير قصد، او انها تتهيب مستقبل علاقات يخشى تصدعها مع تركيا نتيجة هذه الجرائم بحق الاخيرة، لكانت سارعت الى الاعتذار، او الى الفصل بين تركيا “الصديقة والحليفة” وبين مشاركة اتراك في “اسطول الحرية”، ولكانت لجأت اصلا الى طريقة اخرى للسيطرة على الاسطول عبر تسييره من غير نار بعيدا عن غزة، او كانت وفي اقصى الحالات توجهت الى غير السفينة التركية في الاسطول، ولكانت…ولكانت…. الخ، لكنها لم تفعل شيئاً من ذلك وبالعكس، استعملت القوة مباشرة لقتل الاتراك، وغيرت من طبيعة فعلها من قرصنة وقطع الطريق البحرية في المياه الدولية، الى قتل منظم ومتعمد بحق الاتراك، ثم ارسلت الى اردوغان اثناء ارتكاب جريمة القتل على متن السفينة مرمرة عبارة “one minute ” التي اطلقها في دافوس يومها صارخاً في وجه بيريس محتجاً على قتل اسرائيل الفلسطينيين في غزة، ما يؤكد ان المنفذ معبأ بالكراهية والحقد ضد رئيس الوزراء التركي، الامر الذي يؤكده منذ يومين قول نائب رئيس الاركان الاسرائيلي عوزي دايان (وهو معاون اشكينازي) بان “سلوك اردغاون بات لا يطاق ويجب وضع حد له، وان اسرائيل عليها اغراق اي سفينة يمتطيها اردوغان قاصداً غزة اذا فعل”… اسرائيل اذن مصرة على جريمتها دون اعتذار ومصرة على فعل ما هو اكبر منها ان اختبرت، ما يعني ان اسرائيل لا تشعر بانها واقعة حقيقة في فخ أو مأزق جدي خطر تخشاه. فهل هذه هي الحقيقة؟

لنضع الامور في نصابها بعيدا عن تصريح حماسي او تمنيات عاطفية، عن تجاهل او مكابرة، ولنصف الموقف بموضوعية، بحثاً عما نتصوره من المخارج ونبدأ بالوضع الاسرائيلي:

1) اسرائيل خططت لعمليتها لعسكرية بكل تبصر وروية وقصدت نتائجها لتحقق امرين او لترسل رسالتين: الاولى الى تركيا ومضمونها انها تجاوزت الخط الاحمر المسموح لحركتها في الشرق الاوسط وعليها ان تكتفي من الفضل بما حققت وان تمتنع عن الاسترسال في سياستها المحرجة لاسرائيل منذ المفاوضات غير المباشرة مع سوريا، الى الموقف من حرب غزة، الى دافوس، الى القشة التي قصمت ظهر البعير في الاتفاق الثلاثي (ايران – تركيا – البرازيل) حول تبادل الوقود النووي على الارض التركية وهو ما عقّد المسعى الاميركي الاسرائيلي في استصدار قرار يعاقب ايران في مجلس الامن.

2) ترى اسرائيل في الحصار على غزة مسألة دفاعية تمس امنها القومي، وبالتالي فانها لن تتساهل بشأنه مطلقاً ولديها من القوة والحلفاء ما يمكنها من الاستمرار فيه.

3) هي لا تخشى من حساب. فسياسة التفلت من العقاب هي لدى اسرائيل ركن رئيس ترسم سلوكها على اساسها، وهي لن تخشى قراراً من مجلس الامن يدينها او ينشئ لجنة تحقيق او محكمة دولية لملاحقتها فالامر لا يؤرقها في الظرف القائم طالما انها محتضنة من قبل اميركا.

4) ومع ذلك فان اسرائيل تجد نفسها الآن بعد جريمتها تواجه بيئة عالمية يعبر عنها بـ:

– غضب جماهيري بدأ في البلدان التي ينتمي اليها الضحايا، وتمدد الى الكثير من دول العالم.

ـ رفض دولي للصيغة الحالية للحصار على غزة وبحث جدي في اعادة النظر فيه ليس كسراً او فكاً كما يريد المتضامنون مع غزة، بل في اقل تعديل ابقاؤه كمبدأ وتكليف جهة دولية تطمئن لها اسرائيل لتفتيش السفن الذاهبة الى الساحل في غزة وضبط حركتها بما يضمن حياة السكان ولا يعطي قوة للمقاومين.

– اصرار دولي على اجراء تحقيق ما في جريمة 31 ايار 2010 في المتوسط، مجرد فكرة التحقيق امر يزعج اسرائيل.

ـ اما عن العلاقات بتركيا فان امرها قد يزعج البعض في اسرائيل، الا انها حتى اللحظة لا تخشى من قطع او قطيعة لاكثر من سبب فضلاً عن ان الموقف العربي هو اصلاً من الوهن بحيث لا تنفق اسرائيل وقتاً للتفكير فيه.

لكل ذلك نقول، ان اسرائيل رغم انها شاءت الفعل واصرت عليه من غير ندم، فانها لم تبق بمنأى عن النتائج السلبية التي ارتدت عليها والتي يمكن ان توصف بمأزق ادخلت اسرائيل نفسها فيه لكنه ليس من الخطورة بحيث يجعلها تعيد النظر في سياساتها او يهدم حكومتها او يقود الى مساءلة جدية ومعاقبة لمسؤوليها، وان مكافأة الجندي القاتل ستة اتراك ومنحه وسام الشجاعة هو عنوان يفهم من خلاله الشعور الاسرائيلي الحقيقي.

اما تركيا فان امرها يبدو اكثر تعقيداً حيث نرى في موقفها:

1) حاجة لمغادرة آمنة للموقع الذي سكنته منذ قيام اسرائيل، تحالفا معها وتغرباً عن المنطقة واهلها واسلامها، وسعي الى عودة بصيغة ما لتكون دولة مشرقية دون ان تقطع مع الغرب او تعود الى ما كانت عليه قبل التغريب والتتريك.

2) حاجة لاستعادة هيبة مُست والتأكيد على سيادة انتهكت باليد الاسرائيلية.

3) شعور تركيا وبمرارة أن عضويتها في الحلف الاطلسي وعلاقاتها مع اميركا، هي امور لا قيمة لها ولا تصرف اذا كان الطرف المعني اسرائيل.

4) احساس لدى تركيا بانها ليست جاهزة اليوم لمواجهة حقيقية مع اسرائيل، لأن الذهاب الى الحد الاقصى سيرتد عليها خسارة محققة لا تستطيع تحملها وهي في مرحلة اعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية وترتيب اوراقها للموقع الاستراتيجي الجديد لها في المنطقة وعبرها الى العالم.

5) ومع ذلك فان تركيا تحتاج الى حل ما يخرجها مما هي فيه، مع حفظ ما حققته من نجاح، ويخفف ما لحقها من خسائر ويقطع الطريق على المزيد منها، فتركيا في الحقيقة تشعر انها في مأزق فعلي حيث انها لا تستطيع ان تتقدم في المواجهة والا فاقمت الخسائر، ولا تستطيع ان تتراجع والا كانت الكارثة وتضييع ما تحقق من ارباح، اما المخرج الذي ستسعى اليه فقد يكون عنوانه تلك الصيغة “اللفظية الادبية” التي عبر عنها البيان غير الملزم لمجلس الامن، من ادانة، من غير تحديد لمن؟ وطلب تحقيق من غير تكليف احد به!، وتمنٍ بفك الحصار من غير وضع آلية تنفيذية له، وفي الواقع العملي نرى ان اميركا ولمصلحة ذاتية قد تساعد تركيا على الخروج من مأزقها مقابل بدل يدفع،مخرج يكون عبر:

ـ السعي او الوعد باجراء تحقيق لا يزعج اسرائيل في نهاية المطاف ولا يكون مصيره افضل من تقرير غولدستون.

ـ البحث عن صيغة تفتيش السفن الى غزة بيد دولية تشبه ما هو قائم في مقابل الشواطئ اللبنانية من قبل اليونيفيل مع نظام متشدد اكثر.

اذن كلا الطرفين في مأزق ويبقى ان نشهد كيفية الخروج منه او تفاقمه، وهو امر عائد الى صلابة اصحاب القرار وشجاعتهم، فضلاً عن حجم علاقاته الدولية تحالفاته، فهل ينصر العرب تركيا ويحتضنون موقفها، ام سيتفرجون كعادتهم، ويضيعون فرصة الاستفادة ممن قام عنهم بالمواجهة؟

:::::

عميد ركن متقاعد

“النهار” اللبنانية

الرابط:

http://www.annahar.com/content.php?priority=3&table=kadaya&type=kadaya&day=Fri