الأســـطورة سرمدية رغم الحلم والعلم والفلسفة

رائدة الفقيه ـ رام الله المحتلة

يتميَّز الإنسان عن باقي الكائنات بتطور وعيه. هذا الوعي المتطورجعله ينتقل من الإنفعال المباشر بالطبيعة إلى تكوين الأفكار المجرَّدة. اعتقد الإنسان في البديئة أن هناك ترابطات وقواعد في الطبيعة بين أجزائها فحاول ان يؤثر على هذه الترابطات والقواعد بممارسة السحر كأن يقلِّد صوت المطر عندما يريد نزول المطر. ولكن عندما خذلته الطبيعة ولم تستجب له اعتقد أن هناك كائنات وهي الآلهة تتحكم بها، لذلك أخذ يتعبد لهذه الكائنات الإلهية، ويقدم لها القرابين لينال رضاها. فنشأت الأسطورة لتهب المعتقد الديني المجرد خيالا وحيوية، وصوراً حية لتبقيه في النفوس حيث أن الأسطورة وهبت الآلهة اسمائها وصفاتها وتاريخ ميلادها وسيرة حياتها.

عندما شاهد الإنسان الطبيعة ورأى طلوع الشمس وهطول المطر وراقب تعاقب الليل والنهار والحياة والموت سحر كل ذلك لبَّه وحيره لذلك أخذ يسأل اسئلة كبرى من أين جاء الكون، كيف جاء الإنسان ولماذا؟ فابدع الإنسان الأسطورة للإجابة عن هذه الأسئلة فكانت أُولى مغامراته الجريئة كما يقول فراس السواح صاغها في قالب شعري جميل لتخاطب وجدان الإنسان وتوقع اثرا عميقا في نفسه. لذلك فهي قصة أدبية تحكمها قواعد السرد القصصي من حبكة وشخصيات وما إلى ذلك. لقد ساهمت الأسطورة في تطوير المسرح والموسيقى حيث كان يجري ترتيلها وتمثيلها مع مطلع كل سنة. فهي قصة تقليدية مقدسة يلعب ادوارها الآلهة وأنصاف الآلهة وإذا ظهر فيها الإنسان يكون دوره ثانوياً.

تنتقل الأسطورة من جيل إلى جيل وهي ذات حضور دائم ولا تتحول أبداً أحداثها إلى ماضٍ فالإله تموز الذي قُتل ، يُقتل كل سنة في الخريف ويعود إلى الحياة في الربيع.

ترتبط الأسطورة بنظام ديني معين وتفقد قدسيتها وتتحول إلى حكاية عادية إذا انهار ذلك النظام. والأسطورة ليس لها مؤلف معين، فهي نتاج خيال جمعي وتحمل تجربة الشعوب وحكمتها ولكن قد يقوم مفكر معين باستكتاب اسطورة وإعادة صياغتها مثل الإلياذة والأوديئة اللتين استكتبهما هوميروس. والأسطورة مقدسة وذات سطوة عظيمة فهي تشدُّ الفرد إلى جماعته وثقافتها وتحافظ على تماسكها وتعطي معنى لطقوسها ويعد الكفر بها كفرا بكل القيم التي تشدُّ الفرد إلى جماعته.

عنيت الأسطورة بشؤون الحياة الكبرى وقضايا الإنسان المصيرية ولم تكم أمور الحياة العادية من مشاغلها فهذه تولتها القصص. وتشبه الأسطورة أشكالاً أدبية أخرى كالخرافة والقصص البطولية. ولكن هذه الأجناس الأدبية يلعب الإنسان فيها دوراً رئيسياً، ولا تتمتع بالقدسية التي تتمتع بها الأسطورة. من بين هذه القضايا الكبرى التي عنيت بها الأسطورة مسألة الخلق والتكوين. ومن هذه الأساطير اسطورة التكوين السومرية حيث تقول الأسطورة في البدء كانت الإلهة نمُّو وهي المياه البدئية الأولى حيث أنجبت ولداً وبنتاً والولد هو آن إله السماء والبنت وهي كي إلهة الأرض وقد تزوجا وانجبا ابنهما إنليل إله الهواء وكان سجينا بينهما فلم يطق إنليل ذلك السجن فقام بقوته الخارقة بفصل أمه عن ابيه حيث رفع السماء وثبَّت الأرض وكان يعيش في ظلام دامس فأنجب من زوجته إنليل إبنه إله القمر نانا لينير الكون بضيائه وبدوره نانا أنجب ابنه إله الشمس أوتو الذي فاقه ضياءً. بعد ذلك قام أنليل مع بقية الآلهة فخلق مظاهر الكون الأخرى. وتقول الأسطورة شعراً:

إن الإله الذي اخرج كل شيىء نافع

الإله الذي لا مبدِّل لكلماته

أنليل الذي أنجب الحب والمرعى

وابعد السماء عن الأرض وابعد الأرض عن السماء.

وهناك اسطورة الخلق البابلية الإينوماالييش ومعناها عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء ولا أرض لم تكن سوى المياه البدئية ممثلة بثلاثة آلهة … المياه المالحة وأبو المياه العذب وابنهما ممو وهو الضباب المنتشر فوقهما كما يعتقد فراس السواح. وقد أنجب أبو وتعامة ابنان آخران هما لخمة ولخماو . وهذان انجبا إنشار وكيشار وقد انجب أنشار وكيشار ابنهما إله السماء آنو وأنجب آنو إله الحكمة أنكي أو أيا فامتلأ الكون بصخب الآلهة الشابة وقد أزعج صخبها الآلهة القديمة وبدَّد سكونها السرمدي الذي كانت تعيش فيه فأخذت تناقش الأمر فيما بينها وقد صممت على الانتقام من الآلهة الشابة. علمت الآلهة الشابة بذلك فخافت خوفا شديداً وأخذت تناقش الأمر فيما بينها بدورها فاتفقت على التصدي للآلهة القديمة فنشب صراع بينهما انتهى بانتصار الآلهة الشابة وتم ذبح الآلهة القديمة وآخر من ذبح هي الإلهة تعامة علي يدي الإله الشاب مردوخ الذي شقها نصفين رفع الأول إلى الأعلى سماءً وابقى الثاني في الأسفل أرضاً ثم قام فخلق باقي مظاهر الكون من نجوم وما إلى ذلك . وتقول الإينوما إيليش شعرا:

ثم اتكأ الرب يتفحص جثتها المسجاة

ليصنع من جسدها اشياء رائعة

رفع نصفها الأول وشكل منه السماء

وضع تحته العوارض وأقام الحرس

يا خالقة الجنس البشري

اخلقي الإنسان ليحمل العبء

اخلقيه يحمل العبء

ويأخذ عن الآلهة عناء العمل

فتحت ننتو فمها

وقالت للآلهة الكبار

لن أنجز ذلك وحدي

ولكن بمعونة أنكي سوف يخلق الإنسان

الذي سوف يخشى الآلهة ويعبدها

فليعطني أنكي طيناً أعجنه

فتح أنكي فمه قائلاً للآلهة الكبيرة

في الأول والسابع والخامس عشر من الشهر

سأجهز مكاناً طهوراً

وسيندمج (هناك) أحد الآلهة

وعندها فليتعمق بقية الآلهة

وبلحمه ودمائه ستقوم ننتو بعجن الطين إله وإنسان معاً

سيتحدان في الطين ابدا.

في كل المجتمعات البشرية عبد الناس إلهة أنثى هي الأرض الأم رغم صعود الآلهة الذكور وتحوَّل المجتمعات إلى مجتمعات ذكورية إلا أنه بقي لهذه الآلهة قوتها وتأثيرها وهي في هذه السطورة خالقة الجنس البشري عند السومريين هي ننماخ أومامي أونتو وعند الكنعانيين هي عشرية وفي كريت هي رميا وفي آسيا الصغرى هي سيبيل وقد تقاسمت وظائفها على كل من عشتار وإنانا وعناة.

ثمَّ جال السماء فاحصاً أرجاءها

استقام في مياه ألبو (بحر المياه العذبة)

قاس الأب أبعاد الأبد

واقام لنفسه بناء له أسماه عيشارا (الأرض)

أخذ من لعاب تعامه

فخلق الغيوم وحملها بالمطر الغزير

وخلق من لعابها ايضاً ضباباً

ثمَّ عمد إلى راسها وصنع منه تلالاً.

وفجَّر من أعماقها مياهاً

فاندفع من عينيها نهرا دجلة والفرات.

ثم نزع عنها شبكته تماماً

وقد تحولت إلى سماء وأرض

تعد الإينوما إيليش من أروع ما ابدع الإنسان في الحضارات القديمة.

وبشأن خلق الإنسان فقد خلقت الالهة الإنسان ليعبدها ويمجِّدها ويحمل عنها عبء العمل ويقدم لها طعامها وشرابها . وتقول الأساطير إن الآلهة كانوا قسمين: قسم في الأرض وقسم في السماء وكان القسم الذي يسكن في الأرض يكدح في العمل، ليقدِّم للآخرين طعامهم وشرابهم وهؤلاء الآلهة قد احتجوا وملأوا الكون ضجيجاً وصل إلى مجمع الآلهة في السماء مركز الآب آنو فقام بقية الآلهة بتهدئتهم ولكنهم سألوا من الإله المسؤول عن هذا وعندما عرفوه قاموا بذبحه ومن دمه الممزوج بطين الأرض خلق الإنسان ليريح الآلهة من الكدح والعمل في الأرض، وقد خلقته على صورتها. تقول الأسطورة شعراً:

أنت عون الآلهة مامي أيتها الحكيمة

أنت الرحم الأم

إدعت الفلسفة انها أزاحت الأسطورة وقضت عليها. ولكن في عزِّ ازدهار الفلسفة اليونانية شهدت اليونان ازدهار الأديان التقليدية. وفي القرن الثامن عشر عصر ازدهار العلم والنظريات العلمية تم ازدراء الأسطورة من قبل الفكر الأوروبي . إلا أنه في القرن التاسع عشر أعيد الاعتبار للأسطورة وقد اعتبرت من قبل الرومانتيكيين أصلاً للفن والدين والتاريخ. وقد ظهر علم يعنى بدراسة الأسطورة وتفسيرها وهو علم الميثولوجيا وقد جذبت الأسطورة اهتمام كثير من العلماء والمفكرين منهم سيجموند فرويد ودراسة التحليل النفسي.

لقد اعتبر فرويد الأسطورة كالحلم هي انعكاس لرغبات وأمانٍ مكبوتة تنطلق من عقالها منفلتة من رقابة العقل الواعي الذي يحرس بوابة اللاشعور. لذلك تزوِّدنا الأسطورة بفهم عميق لنفس الأشياء.

واليوم رغم ازدهار العلم والتكنولوجيا بقيت الأسطورة حية في كل المجتمعات البشرية حتى المتقدمة منها. فكما يقول فراس السواح: ” بُنيت النازية على اساطير كانت السبب وراء اندفاع الشعب الألماني”.

يقي أن نقول أن الأسطورة أدب رفيع يحمل لوحات فنية جميلة ابدعها الإنسان القديم وما زالت تمارس تأثيرها على الناس حتى اليوم.

المراجع:

فراس السواح: مغامرة العقل الولى الأسطورة والمعنى دين الإنسان.