إعادة بناء البلد: حلقة 10: الاقتصاد السياسي المكسور!

مقاطعة المستوطنات أم تنمية بالحماية الشعبية؟

عادل سمارة

حين يقوم الفُصام بين البنية السياسية بما هي بنية فوقية وقراراتية وبين المبنى الاقتصادي الاجتماعي تصبح التنمية بالحماية الشعبية أكثر مشروعية. ليس هذا حديث في التحديث الاقتصادي والنمو وتلاعبات رجال السياسة ونسائها بالطبع بل هو سؤال في الاقتصاد السياسي بما هو قراءة لمجريات العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع (وبالطبع لا اقتصاد بلا مجتمع) ولذا هو اقرب إلى التنمية منه إلى الاقتصاد بأرقامه وموديلاته ولوحاته البيانية التي تحقق النمو على الورق والجوع في مطابخ المنازل.

يطرح هذا سؤالا لا يفيد طلبة كليات الاقتصاد ولا يُعجب كثيرة من معلميهم بالطبع وهو:

هل هناك اقتصادا في الأرض المحتلة يمكن وصفه ب :الاقتصاد الفلسطيني، وتواضعا لنقل اقتصاد المناطق المحتلة؟

أم أن هناك “الاقتصاد في الأرض المحتلة”. هو إذن الاقتصاد في الأرض المحتلة، بمعى ان هناك مجتمع وهناك عمل ورأسمال وتوزيع واستهلاك ولكن لا توجد سيادة وطنية على المجتمع والأداء الاقتصادي. بل هناك على الأقل ثلاث سلطات:

· سلطة الاحتلال وبيدها القوة المسلحة وسلطة السياسة والسيادة على الأرض

· وسلطة الاحتلال الأجنبي (الغربي فلا احتلال إلا غربي) وبيدها الأموال والضوء الأخضر الأميركي الإسرائيلي ومن أدواتها الأنجزة والمراكز الثقافية…الخ

· وهناك السلطة الفلسطينية التي بيديها ما تسمح به الأولى وما تقدمه الثانية.

لذلك هناك اقتصاد في الأرض المحتلة وهذا أمر عام تاريخيا موجود في اي مجتمع حتى قبيل دولة حمو رابي في العراق.

نقطة واحدة للإثبات:

مبرر هذا النقاش هو ما لمسناه منذ تطبيق اتفاق أوسلو وصياغة بروتوكول باريس الاقتصادي. والتذكير هنا أخلاقي بمعنى:

كل من شارك في صياغة الاتفاقين ووافق عليهما وروَّج لهما، واستفاد منهما سواء بالمجيىء من الخارج أو شغل منصب أو إقامة تجارة، بغض النظر عن مشروعية المجيىء (المجيى-العودة حق عام وليس فردي) هو مطبِّع. على أن الأهم/الأخطر هو المشاركة في صياغة وترويج هذين الاتفاقين وليس مجيىء بسطاء الناس.

والأشد خطورة أن يتحول هؤلاء اليوم إلى ناقدين اشداء لما عملوا، ولكن بعد أن ينقلوا اسمائهم/ن من أوسلويين إلى بُناة دولة! من مثقفي ومُنظِّري التسوية إلى حاملي سياط جلد اوسلو وباريس، من مدَّاحين إلى نوَّاحين على نفس الجسد/الجثة! وكأنهم إبَّان صياغة هذه الاتفاقات كانوا في الزنازين أو حتى الإكسات[1]! خطورةهؤلاء أنههم يريدون تكرار/تطبيق قاعدتين:

· الأولى: من تاريخنا القديم “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام”

· والثانية: تجربة النومنكلاتورا في الاتحاد السوفييتي السابق حيث كانت تحكم وتتمتع ( لا تملك قانونياً) آنذاك، واصبحت تحكم وتملك اليوم؟

إن شخوص المرحلة الأولى سياسيا وثقافيا يجب أن لا يكونوا شخوص مستقبل الشعب والقضية. فالأخطر ليس وجود ترسانة سلاح فاسد ولا شح في السيولة المالية بل في وجود ترسانة بشرية فاسدة ومتلاعبة. فإن أوسلو وباريس هما محطتا التطبيع بمفهوم الاقتصاد السياسي، فلا يجوز لترسانتهما البشرية ان تقود مرحلة أعلى. لماذا الترسانة البشرية لأن الإنسان هو اصل في كل أمر سواء استقلال أم تنمية. ولا نقصد المرحلة الأعلى اليوم ما يسمونه الدولة، بل تجاوز كامل تراث التسوية وشعارات من طراز : القرار المستقل، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإزالة آثار العدوان 1967…الخ.

اتفاق أوسلو: لم ينص اتفاق أوسلو قطعيا على اي استقلال لأي شبر من الأرض المحتلة. ولذا كما نرى فإن سياسات الاحتلال هي منسجمة “تماماً” مع جوهر اتفاق اوسلو وجلسات مفاوضات مدريد العشرة التي سبقته. ولكي نكون على حذر من الذين خدموا تلك المرحلة وينقدونها اليوم محولين أنفسهم إلى “جذريين” ليقودوا كل المراحل وليستفيدوا. نقول للقارىء والمهتم أن يراجع اسماء من شاركوا في هذه المفاوضات ومن طلبوا المشاركة ولم تتسع لهم عربات القطار المتخمة “بالمتطوعين” ومن أتوا كقيادات من الخارج بناء على هذه الاتفاقات والمشاركة فيها، نقول راجعوا سجلات الأسماء لتعرفوا إلى جانب اي معسكر تقفوا. لماذا هذا القول، لأن المعلومة اليوم متوفرة، وعليه من يقبل أن يصطف كالقطيع لا يستحق الاحترام.

اتفاق باريس: لم يحوِ اتفاق باريس على استقلال ولا انفصال اقتصادي عن اقتصاد الاحتلال فقد أبقى الاتفاق على نفس جوهر العلاقة بين الطرفين وكأنهما طرفا واحداً، ولننظر الواقعة التالية: لم يتضمن لا اتفاق باريس ولا أوسلو خلع المستوطنات من الأراضي المحتلة 1967، بل تضمن حق المستوطنات في “النمو الطبيعي”، وعدم إعاقة الفلسطينيين له. وتضمن ان يقوم الكيان بتشغيل 100 ألف عامل من الضفة والقطاع في اقتصاده. ولم يتضمن النص أن يكون هذا التشغيل مؤقتا إلى أن يبني الحكم الذاتي اقتصادا معتمدا على ذاته، كما كان يحصل بين الاستعمار والشعوب المستقلة عنه وبعده…الخ. وتضمن الاتفاق كذلك أن تأخذ سلطة الحكم الذاتي 75 بالمئة من مقتطعات أجور الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر و 100 بالمئة من مقتطعات الذين يعملون في المستوطنات. بيت القصيد إذن أن الاتفاقين أعطيا شرعية للمستوطنات وللعمل فيها!

وهذا يفتح على اللغط الهائل اليوم عن منع العمل في المستوطنات ومنع استهلاك منتجاتها.

كتبت في هذا الصدد عام 1982 في مجلة “العهد” التي أغلقها الاحتلال طبعا بأن المستوطنات هي قاعدة إنتاجية تنتج اكثر من المناطق المحتلة (مستعمرات داخلية- بالمفهوم التنموي لمدرسة النظام العالمي إن جاز تطبيق المصطلح)، وأن إقامة مدن استيطانية على الحدود مقصود به إزالة حدود 1967 إزالة بوقائع على الأرض وذكرت حينها مستوطنات أريئيل قرب طولكرم، وموديعين قرب عمواس واللطرون، وجيلو قرب بيت لحم، والخان الأحمر قرب القدس وباتجاه “عمان!” وكلها أقيمت فوق خط حدود 1948 بشكل مقصود لمسحه.

وحيث كان المقصود التنبه لهذه الأمور، فإذا بنا بعدها بأكثر من عقد من الزمان، أمام اتفاق أوسلو السياسي واتفاق باريس الاقتصادي ليكتمل عقد الاقتصاد السياسي للتسوية التي هي جوهرياً كما اسميتها اكثر من مرة (أوسلو-ستان) وسلام راس المال. هذا إضافة للعمل على إقامة عشر مناطق صناعية على نفس خط الحدو د لتشكل آلية دمج وإلحاق اقتصاديين!

وإذا جاز لنا مقارنة الاستنتاجات، لا يمكننا غض الطرف عن أن حقيقة هذه الاتفاقات قد لخصها نتنياهو بوضوح “وصدق” السلام الاقتصادي، أي ليس السياسي، وهذا جوهر هذه المقالة اي “انكسار معادلة الاقتصاد السياسي” انكسارا لا يمكن تجبيره تماما كحالة ما تنكسر من أرجل “النَجَسْ”!

من يعلق الجرس…ولو صغيراً؟

من يحلم بتغيير التاريخي بسرعة اليومي يموت كَمَداً ويموت ممروراً. ومن يبني التاريخ يوماً على يوم لا يخالطه اليأس حتى لو لم يحقق النصر……بعد!

حين تنكسر معادلة الاقتصاد السياسي الدولاني، أو لم تتكون بعد، تعقد الأمم الحية الراية للاقتصاد السياسي الشعبي، هكذا دون تلكؤ أو تردد، اي للتنمية بالحماية الشعبية. وليس هذا للحديث الموسع عن هذه الأطروحة، ولكن، وربطاً مع مسألة مقاطعة منتجات المستوطنات، وهي المقاطعة التي كمن : (يسُّد على الفأر بالدكران)، هي شعار لا هو اقتصادي ولا تنموي ولا سياسي. هو شعار وحسب، فإن المطلوب اختبار قدرة موديل التنمية بالحماية الشعبية ليكون بديلا ولا سيما في المستوى الاستهلاكي. الانسحاب إلى الداخل استهلاكياً.

ونقطة التركيز هنا هي كالتالي: إن بوسع السلطة السياسية تهميش المواطن سياسيا وقمعه وتوجيهه وجهات قسراً عنه حتى يثور، لكن تطبيق هذا في الجانب الاستهلاكي من الاقتصاد أمر صعبز هو ممكن في الجانب الإنتاجي بمعنى تشغيل العامل عند رب العمل طبقا لما يريد رب العمل، وفي هذا جوهر الاغتراب. ولكن لا يمكن للتاجر أن يرغم المستهلك على شراء ما يعرضه إلا إذا حوصرت السلع المنافسة!

وعليه، فإن التنمية بالحماية الشعبية تتوجه للفلسطيني داخل الأرض المحتلة بأن يعتمد نظرية الوعي بالاستهلاك/الاستهلاك الواعي، ضبط عملية الاستهلاك بمعزل عن شعارات المقاطعة. وهذا يعني وجود قرار داخلي ذاتي للشخص مع نفسه، تماسك فكري ونفسي ومسلكي بحيث لا يستهلك منتجات العدو/الأعداء. هذه هي المقاطعة الحقيقية لأنها قاعدية.

وهذا يشبكنا بمسألة رفض التطبيع. فالتطبيع الاقتصادي يعني مساهمة كل مواطن في خدمة اقتصاد الاحتلال بل وحتى “اقتصاد سلام راس المال” وهذا يشمل الصهيوني والفلسطيني المستفيدين من التسوية اي أوسلو وباريس.

وإذا كان التطبيع الثقافي هو ممارسة فئة من المثقفين التي تطبعت بالتبعية والتخارج فإن التطبيع الاقتصادي اوسع خطرا لأنه يمتص من نقود كل شخص.

من هنا تكون مناهضة التطبيع بشموله، وليس مقاطعة منتجات المستوطنات هي بداية تعليق الجرس، وهذا يبدا من الفرد وهو اساسي بالضرورة والقًطع انتهاء بقوى سياسية حية ونقدية.


[1] الإكسات من حرف ( x) بالإنجبليزية ويُرمز به إلى أماكن ضيقة معتمة وغير معروفة بالكاد تتسع للشخص الواحد وتُتسعمل لدى الاحتلال ونُظم القمع مثلاً، للأشخاص الخطرين أمنياً، أي أهل المقاومة والممانعة. وهي اسوأ من الزنازين.