الأميركان لا يتعلمون… والإمبراطوريات لا تحسن قراءة التاريخ!

عبد اللطيف مهنا

ليس ثمة ما يشير إلى أن الأميركان لديهم القابلية للتعلم من أخطائهم، أو الإفادة من الدروس التي ما انفكوا يتلقونها من خلال تجاربهم المريعة في هذا الكون الشاسع، هذا الذي يصرون على اعتباره مزرعتهم الإمبراطورية. في مثل هذا منهم بعض من أعراض الغرور ولوثة جنون العظمة، أوما ينجم عن العمى الإمبراطوري الذي يصيب بالضرورة من تضخمت عضلاته وصغر عقله السياسي، وحتمية ما يأتي بعد بلوغ القوى العظمة قمة التحكم في قرارات العالم، أو ما يعرف بأحادية القطبية، ومن ثم وصولها مرحلة بدء العد العكسي للانحدار المحتوم، وفق السيرورات الإمبراطورية التاريخية المعهودة. كل المؤشرات الكونية تقول لهم كفاكم مراكمة لحماقاتكم التي تسم سياساتكم الدولية. فلا حروبكم الاستباقية التي شنيتموها، ولا حربكم الكونية الشاملة على عدوكم اللا مرئي الذي تنعتونه بالإرهاب، ولا اقتصادكم المأزوم، ولا صورتكم المزدادة باضطراد قبحاً على قبح في نظر العالم، ولا هذه التغييرات، أو التحولات الكونية، المبشرة بنهاية أحادية القطبية وبداية تعددها، لا سيما الآسيوي النكهة منها، يسمح لكم بالتمادي قدماً في غيكم، أوزيادة رصيدكم في بنك هذه الحماقات… هل يملك الأميركان القدرة على التوقف وإعادة الحسابات؟!

كل الدلائل لا تبشرنا بذلك… قبل أيام كانت أولى مآثر الجنرال جورج كايسي، المعين رئيساً لأركان الجيوش الأميركية، حين أبدى توقعاً له يقول ببقاء جيوشه الغازية في العراق وأفغانستان لمدة عشرة سنوات. أما حرب بوش الكونية المستمرة أوباماوياً على “الإرهاب”، والتي طفق أوباما في تطويرها لا وضع أوزارها، فيقول الجنرال: “أعتقد أن أميركا أمامها عقد أو أكثر من النزاع المتواصل”، ويزيد الجندي كايسي فيقول: “هذا نضال إيديولوجي طويل الأمد”، بمعنى أنه يراد له حروباً أيضاً طويلة الأمد!

… نظرة إلى العراق، بلد المقاومة المنسية، أو بالأحرى قيد التناسي، أولاً، من قبل قومها العرب، وثانياً، من قبل كل من دار ويدور أو يمالئ أو ينافق أو يتحاشى إغضاب الوحش الأميركي، أو يصطف طمعاً أو هلعاً وراء جيوشه أو سياساته. هناك هذه المقاومة التي سجل لها التاريخ إنها حتى الآن أسرع مقاومة أعقبت احتلالاً عرفه العالم. والتي كلما تزاد حلقات التعتيم الإعلامي الأسود كثافة من حولها سارعت فذكرت المتناسين مكرهين بإطلالاتها الدورية على المنطقة الخضراء وقاطنيها، محتلين وموالين، وحاورتهم بالتضحيات في سائر جنبات بلاد الرافدين، آخر من ذكرتهم هذه المنسية، مهما كلفتهم من أثمان، ومن لاحقهم حضورها من هؤلاء، كان جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، الذي كان يحتفل بعيد استقلال بلاده في عاصمة الرشيد المحتلة.

جو بايدن صاحب مشروع تقسيم العراق، والمشرف على تنفيذه، والذي ربما على وقع مخططاته ينطق قائد جيوش احتلاله للعراق الجنرال اديرنو، بأن هناك حاجة لقوات فصل بين عرب العراق وأكراده بعد الانسحاب… الانسحاب من العراق الذي يتحدث الأميركان عنه، لكن دائماً مع ضمانه بقائهم فيه… والأكراد الذي يهدد زيباري وزير خارجية العراق المحتل بعدم المشاركة في أية حكومة تشكل في المنطقة الخضراء إن لم يكن الطالباني رئيساً للعراق!

بالمناسبة جو بايدن جاء للعراق المحتل زاعماً أنه ليس لواشنطن “أجندة خفية فيه”، وتزامن وجوده مع وفد من الكونغرس كانت عضويته من تلك الأسماء إياها، من مثل، ماكين، ليبرمان، غراهام، واودال… بايدن والآخرين، حضروا للعراق محاولين تدخلاً، آن أوانه ومنع الآخرين منه، وذلك لضبط الأمور حكومياً وفق المراد لها، أو كما يقول بادين، تفادياً للتهديد بـ “الكارثة”، الناجمة عن تأخر تشكيل تلك الحكومة العتيدة، حيث يرى أن أزمة التشكيل هذه المتفاقمة قد بلغت مرحلة الخطر، جراء التجاذبات بين التشكيلات الطائفية المختلفة والمتنافسة على تقاسم كعكة الحكم في ظل الاحتلال، هذا الذي بدأ في الإعداد لمراحل تمديد مواعيد انسحاباته، ومخططات بقاءه الدائم في بلد حوله إلى أنقاض، وتتبارى تصنيفات ومكونات ما تدعى “العملية السياسية” هناك في حجز أماكنها على تلال ركامه.

هذا في عراق الأكثر من مليون شهيد سفك الاحتلال دمائهم، وملايين المهجرين والمشردين في المنافي، والذي يوازي جيوش الاحتلال فيه جيوش أخرى من اليتامى والأرامل والجوعى، والذي يقاوم ويقاوم وتقلق مقاومته بايدن وعتاة الكونغرس، هؤلاء الذين شاءوا أن يضيعوا بتواجدهم في المنطقة الخضراء والثكنات الأميركية، على أنفسهم مشاركة مواطنيهم احتفالاتهم بعيد الاستقلال في وطنهم، حرصاً منهم على توخي سبل استعباد الآخرين ونهب ثرواتهم، وكيفية حماية جيوشهم من ضربات المقاومة، التي قلنا ونكرر: أنها الأسرع اندلاعاً في التاريخ… فماذا عن أفغانستان؟!

في أفغانستان، حملة استعمارية مترابطة الأهداف والسياسات والأدوات يقودها الأميركان وينفقون عليها وعلى سائر خطوط جبهتهم العربية والإسلامية ما يقارب نصف موازنتهم العسكرية البالغة ترليون ونصف دولار! وتغرق في تفاصيل هذه الحملة 27 دولة أطلسية، وهي أذ صرفت من الزمن ما يقل عاماً واحداً عن العقد، ثبت أخيراً لأطرافها، ولكل من يهمه الأمر، لا سيما للمايسترو الأميركي، الذي يكلفه، في حقبة أزمته الاقتصادية، الجندي الواحد من جنوده مليوناً من الدولارات في العام الواحد، إنهم اليوم في مواجهة شعب غير قابل للاحتلال ووطن كان عبر تاريخه، ومنذ الاسكندر وحتى الجنرال ماكرستل، هو مقبرة للغزاة. الانكليز ذاقوا مرارة الهزيمة هناك في مضائقه وأوديته وسفوح جبال الهندكوش ثلاث مرات من قبل، في إحداها فقدوا ألف جندي في هلمند ورحلوا وبقيت هلمند، واليوم تعاد الكرة على أديمها وهم يجربون الرابعة، والروس ذاقوا ولم ينسوا بعد مرارة الكأس الأفغاني، والآن، لعل من العجائب الأفغانية، التي لم يسبق لها مثيلاً في التاريخ، هو راهن الصراع غير المتكافئ الدائر بين فقراء القبائل وبين الدولة الأعظم في العالم وملحقاتها الأطلسية… الصراع الذي لم يمنع ميزان القوى غير المنطقي فيه من توالي مأثور العجائب الأفغانية والخيبات الأميركية، هذه التي تترجم يومياً إلى نهايات مأساوية لمغامرات ماكرستل في هلمند، وهذه التي لا تختلف في نتائجها عن مغامرة سلفه البريطاني فيردرك في العام 1884…ربما مع فارق، وهو أن الفضائيات اليوم تنوب عن مهمة الرقيب البريطاني، الناجي أو الذي أراد الأفغان أن يكون الناجي الوحيد من حملة فردرك في إبلاغ العالم عن النهايات الأفغانية للغزاة… إنها ذات النهايات المتكررة لسائر المغامرات أو العمليات الشبيهة اليوم، من “أناكوندا” بداية، وحتى “مشترك” التي يبشرون بها لاحقاً…

ما يجري في أفغانستان اليوم، أو ما يواجه الغزاة فيها، دفع كاتب بريطاني للقول، إن الأفغان يكونون في سلام عندما يكونون في حرب، وذلك في إشارة إلى أن البشتون تحديداً لا يستسلمون ولا يوحدهم إلا الحرب.

… ما يجري في العراق، وفي أفغانستان، يعيد التاريخ فيه تأكيد بعضاً من حقائقه، ومنها أن الإمبراطوريات لا تحسن قراءة التاريخ، أو الإفادة من دروسه، وإن إستراتيجية حقائب الدولارات، التي توزع على القبائل، وهي العادة المقبولة لدى الأفغان تاريخياً لكنها لا تجدي أبداً في الحصول على ولائهم وهم الذين لم يعتادوا منحه لمحتل… هذه الحقائب لن تؤخر أوان الهزيمة الأميركية، ولن تنفع الجنرال بيتراوس في إيجاد “صحوات” لم تنفع المحتلين طويلاً في العراق، كما أن واقع الحال اليوم في أفغانستان يقول: إنه وفي الوقت الذي لا يجدي هؤلاء الغزاة تحالفهم مع الفاسدين وتجار المخدرات، فإن طالبان اليوم قد تغيرت وتطورت وتعلمت واستفادت من تجربتها. وحالها هذا هو بعكس حال أعدائها، هؤلاء الذين توسعت حربهم فطالت طائرات قتلهم بلا طيار حليفتهم الباكستانية، بل وهناك إرهاصات مشاريع ورطات أخرى لهم في بقاع عديدة من العالم… في العراق وأفغانستان، وربما قريباً في بقاع أخرى، أوباما يكرر سلفه بوش، والإمبراطوريات لا تتعلم من أخطائها…