قافلة الحرية: التحول النوعي للعبة

أحمد حسين

مرحلة جديدة أو لعبة جديدة قد بدأت. تتكاثر الحيل التصفوية على الفلسطينيين الآن، مثلما تكاثرت عليهم قبلها، الضربات التركيعية الأمنية، والتي وصلت ذروتها في مجزرة غزة وحصارها. ومن الواضح أن هناك اتفاقا دوليا قد تم، يشمل جميع الأطراف عدا إسرائيل، حول فرض نوع من ” الحل ” ينهي المرحلة الفلسطينية في الصراع، ويحجم طموح الدولة اليهودية الإمبراطوري، ويواصل الطريق نحو شرق أوسط جديد، يعطي القوى الإقليمية التي يجمعها الولاء للغرب، أوزانها التقريبية في تقاسم المصالح الممكنة داخل واقع ” العولمة الغربية الصغيرة ” في ما سمي زمنا المنطقة العربية. الأمور بدأت تتوضح منذ وصول أوباما الرئيس التجريبي إلى البيت الأبيض، بصلاحيات محددة سلفا بالتوافق مع موقف كلينتون ورفاقها في الإدارة. لا يفترض أن يكون أوباما قادرا على الإلتزام بما يقول، عليه فقط أن يقول ذلك، كما خولته حكومة الطواريء الوطنية من الجمهوريين والديموقراطيين. فالمسئلة مجرد دور يقوم به رئيس أسود، يسهم في إعادة بعض المحسنات الشكلية إلى صورة أمريكا التي أودت بها جرائمها غير المسبوقة في أكثر من مكان في العالم.

لم يتغير شيء في استراتيجية المشروع الغربي عموما، والأمريكي على وجه الخصوص. أمريكا ما تزال مصرة أو مجبرة على العولمة تحت إدارتها المباشرة. وهو أمر منطقي جدا بضغط التحول العملي الذي فرضته قفزات التكنولوجيا على العلاقات البينية في الإقتصاد المتغول، وبفوارق التفوق الإقتصادي والسياسي والعسكري الأمريكي التي تحتم بنظرها وصاية حتمية بمنطق الضرورة، على شؤون العالم الموحد. لذلك فإن أمريكا الأن بحاجة إلى تفوقها أكثر من أي وقت مضى. حلفاؤها أخذوا يشعرون بارتخاء قبضتها عليهم، بعد جرائمها الفاشلة. ولولا موقف الدب الروسي المنافق، لكان الأمر أكثر وضوحا في الجانب الأوروبي. وسوف تبقى أوروبا هي المنافس الحتمي لامريكا، وليس الصين أو اليابان، لذلك فإن ضمان موقفها داخل اتفاق العولمة هو الذي يقلق أمريكا وليس موقف الصين المنخوبة استراتيجيا برأسماليتها ” الشيوعية ” المهلهلة. وفي نظر أمريكا فإن النزعات الإشتراكية القديمة لليبرالية أوروبا العجوز، هي أكثر خطرا على مستقبل العولمة، من اشتراكية الصين الحزبية. لذلك فإن استمرار التفوق الأمريكي في مواجهة حلفائها قبل “أعدائها ” هو الذي يجعل الممثل الرئاسي أوباما يمسك بطرفي العصا على المسرح، فيمثل دور الصقر والحمامة معا. وهذا هو المضمون الحقيقي للسياسة الأمريكية التجديدية، التي تنادي بتسوية النزاعات سلميا في العالم، على أنقاض الشعوب التي تقوم بإبادتها.

لم يتغير شيء إذن. وليس من المنطقي أن يحدث ذلك الآن. فالخيار الأمريكي واضح، خطر الموت في المواجهة أو خطر الموت على الرصيف، وليس هناك مجرم ومجنون يفضل الموت على الرصيف. فالقوة والجنون يرفضان ذلك. أي أن طبيعة أمريكا البنيوية في التجربة تأباه.

ولأمريكا الكثير من الحلفاء والأتباع الإستراتيجيين الذين تسميهم الأصدقاء بين أنظمة الحكم في العالم، ولكن لها شريكا استراتيجيا واحدا هو الصهيونية. وإذا كان الغرب لن يتخلى عن استراتيجيته بما يخص المنطقة العربية والعالم، فهو لن يتخلى عن إسرائيل أبدا. وهو أيضا لن يحتج عليها إلا ريثما تكتمل لعبة اجتثاث العامل الفلسطيني، وبقايا النزعة القومية العربية من الصراع الشرق أوسطي. قد يصل معها إلى مستوى معين من الضغط على عنصريتها وانفلاتها العسكري، الذي يمنع استكمال حلقات المشروع المشترك في المنطقة، ولكن ليس أكثر من ذلك حاليا. وحتى لو وصلت حسابات الجدوى الإسرائيلية للمشروع الأمريكي الصهيوني المشترك درجة الصفر أو ما يقاربها، فإن الشريكان لن يتخليا عن دعمها أبدا. لقد أصبحت إسرائيل قوة إقليمية مستقلة إلى حد القدرة على التأثير الحاسم في كثير من التخصصات المزعجة لأمريكا، وإقامة الأحلاف المنفردة داخل المنطقة وخارجها، وأمريكا أول من يعرف ذلك.

لقد أقام مجتمع الأصدقاء الدولي حول إسرائيل لأول مرة منذ تأسيسها، زوبعة في فنجان كبير من خلال لعبة قافلة الحرية. وهي لعبة تبدو أنها تحظى برضى جميع الأطراف بما فيها هيئة الرفض الديني الفلسطيني والعربي، إلا أن فوائدها النسبية هي وقف على إسرائيل التي يبدو أنها تتصرف بعمى أصبح يشكل خطرا على ” السلام ” وعلى وجودها أيضا. أما الأطراف الأخرى فهي أطراف موظفة في اللعبة، خلا إيران. فالإسلام السياسي السني هو الحليف الإستراتيجي التالي للغرب بعد الصهيونية. إنه يملك كل مواصفات اللعبة من حيث تقاطع المصالح والإيديولوجيا الرأسمالية المحنكة، كبديل عن فكرة القومية. كما أنه أول دين رأسمالي في التاريخ قدم صورة مكتملة للعولمة الطبقية، وإن كان ذلك من خلال اليوتوبيا الدينية لنظام الجنة. ومن الواضح أن مفكري العولمة الليبرالية لم يكونوا بمنأى عن تأثرهم بالصورة الإسلامية المجانية، ولكن الجيدة التشييد. وفي الجانب الفلسطيني، فإن حماس كذراع لحركة الإخوان المسلمين العامة، هي ذراع جهادية لا علاقة لحساباتها بالوطنية أو القومية، ودخولها على خط الصراع السياسي الديني لم يخدم شيئا كما خدم تجريد القضية الوطنية من أية هوية غير إسلامية. والتصهين الأيديولوجي للإسلام، رغم تشدده الطائفي، يظل أقرب الأطراف على الساحة الهجرية، لبناء تفاهمات مع الصهيونية التهويدية، لأنه طرف عقائدي فيها، بحيث يمكنه ذلك من تجاوز أية عقبات تسووية، وتسويقها جماهيريا. كل هذه المزايا، انشغل الإستشراق الغربي قرونا في استيعاب فوائدها واستغلالها، خلال تاريخ غزوه المستمر لهذه البلاد.

أما الأردغانية فلديها كل ما هو مشترك بينها وبين حماس وأمريكا، فيما عدا شيء واحد هو ولاء الإسلام السياسي في تركيا للقومية الطورانية. وهو أمر لا يتناقض سياسيا مع الإسلام غير الهجري. فالسياق هنا – في الهجرية – هو سياق النشأة التاريخية التي قامت على التهويد الإيديولوجي والعرقي والتوراتي والصراع الدموي مع التوجهات القومية للتيار المكي. هذا الفرق يستفيد منه أردوغان سياسيا، بمدى ما يتضرر منه الإسلام السياسي الهجري الذي يحدد مستقبله الإجتماعي والديني على أساس استبدال الدين بالقومية كنظام اجتماعي. لقد فقد بعض الإسلاميين توازنهم السياسي وهم يؤبنون إسرائيل، ويمجدون أردوغان الطوراني إلى درجة رفع صور السلطان عبد الحميد والمطالبة رسميا بعودة الخلافة الطورانية. وفي الحقيقة لم تكن هزيمة عبد الناصر من قبل العالم سنة67، أكبر من هزيمة أردوغان في معركة قافلة الحرية التي وقف فيها العالم وراءه. لقد مثلت إسرائيل بالكبرياء التركية وانتهكت شرفها ودمها بفظاظة استثنائية مع سبق الإصرار. ومع ذلك فقد فاق المديح الهجري لأردوغان الطوراني، الهجاء الذي كان من نصيب عبد الناصر العربي. أليس في هذا عبرة دلالية من نوع ما، تثبت أنه لا مستقبل للهجريين سوى المواطنة في الصهيونية؟

إن لعبة قافلة الحرية، ليس بالمشاركين فيها، وإنما بخفاياها الدولية، تشبه لعبة حرب 73، التي قدمت بين يدي سقوط الفكرة القومية. لقد استرد الإسلام في معركة بدر الرمضانية ما ضيعته القومية. وهذه هي ذات خفايا لعبة قافلة الحرية التي ستقدم بين يدي التصفية والتسوية.

لم تسفر زوبعة الفنجان الكبير عن شيء حتى الأن سوى المواقف المتفاوتة الوضوح في الدعوة إلى نزع الحصار عن غزة. وهو أمر لن يحدث أبدا قبل انتهاء المفاوضات على المفاوضات ليظل آلية ضغط تحقق وتبرر التنازلات الحماسية. ما سيحدث هو رفع الحصار اقتصاديا فقط، وليس أمنيا أو سياسيا، لإثارة شهية متمولي غزة للتحول بدورها إلى ضغط داخلي على حماس. لقد أنضج الحصار لحوم المرفهين في غزة. أما البؤساء فقد ازدادوا بؤسا أيضا ونضجت عظامهم. ولا يمكن التفريط بمثل هذه الورقة على أبواب مفاوضات التسوية، التي يجب أن تتضمن تنازلات ضرورية لإرضاء إسرائيل. ألمهم أنه بعد التسوية لن يكون هناك قضية فلسطينية حتى ولا في كتب التاريخ. سيكون هناك دولة فلسطينية. أي فلسطيني بدون سروال، مرسوم على حائط الفصل. هذه الدولة ستكون هي في النهاية حصة مملكة السبط الضائع من أسباط اليهود في الأردن من مملكة سليمان.

لقد بدأت مرحلة التحول النوعي في السياق التهويدي لفلسطين. بدأت بأوباما ولن تنتهي به. وبدأت بأردوغان ولن تنتهي به. فقد يكون السياق أطول قليلا. ولكن عندما ينتهي يكون تهويد فلسطين قد تم. سيكون هناك مشاهد مسرحية عديدة قبل انتهاء المٍاساة الفلسطينية. سيكون هناك مشاهد خاصة بالحدود، ومضمون الدولة، والقدس، والجدار، والتركيب الفصائلي والإيديولوجي لإدارة ولاية رام الله. سيكون هناك قضية لاجئين وبناء مدن صحراوية لاستيعابهم. سيكون هناك دور أيضا ” لعرب إسرائيل ” بقيادة اليسار العربي الإسرائيلي المكون من أبناء البلد والشوعيين والتجمع ومسؤولي العمل الأهلي. إنهم يعتقدون أن الإنتخابات على الأبواب. بذلك وردتهم الأخبار , وقد تم الإتفاق مؤخرا كما يبدو بين هذه الجهات على دخول الكنيست بقائمة موحدة. وقد بدأت التباشير بالظهور على شكل مؤتمرات إجماع سيتم توضيحه لاحقا، وشذرات مسرحية في الكنيست، واعتقالات بتهم ملفقة، واستدعاء لقدامى المطبعين والمعتدلين. هناك الآن لدينا استيراد الأفكار عابرة للحدود، والتي وصلت إلى ومن ليبيا. ومن ينظر حوله جيدا سيحس بوجود حركات ما وراء تطبيعية خفية في كل ركن فلسطيني فيه مفكرون من أي مستوى، وأكاديميون ولدوا كلهم بعد النكبة.

لا أدري لماذا يجب على كثيرين من الفلسطينيين أن يتبنوا الخداع للحصول على فرصتهم في التلاشي في حضن المرحلة. لا أحد يجبرهم على أن يموتوا بهوية لم تعد موجودة أصلا. ليذهبوا بهدوء دون أن يقولوا شيئا لا لزوم له. لماذا يجب أن نسيء إلى تاريخنا المنكوب مجانا. لماذا لا نترك للشهداء فرصة التحرك في وجدان الشرف. معكم حق! لا فائدة! ولكن ادخلوا من الأبواب الواسعة. لماذا تدخلون من الشقوق مثل الصراصير؟

لم يعد من السهل أن يكون الفلسطيني فلسطينيا. سيرفضه عقل المرحلة وشرفها. والحقيقة، لم يعد هناك معنى لهذا الشيء في التجربة والواقع. لأن معنى ذلك استمرار المشكلة التي يجب وقفها في الشرق الأوسط الجديد.بين الفلسطينيين واليهود. على الفلسطيني أن يتنازل لليهودي عن وجوده التاريخي لأنه عاجز عن حماية أي شيء، ولا أحد يريد التطوع بحمايته، فلماذا يفضل الموت على الحياة من أجل فكرة لم تعد قائمة إلا في رأسه؟

أما الإخوة المعتدلون والتحرريون واليساريون، فلماذا تصرون على الدخول إلى الكنيست من الشباك الخاص بكم مثل الشغالات، وليس من بابها الواسع؟ هل هناك فرق؟ أم أنكم مواطنون إسرائيليون والكنيست مؤسسة غير وطنية لا يجب دخولها إلا زقفونة. أي لماذا تصرون على دخولها بعلم فلسطيني وأنتم تعلمون أن ذلك مهزلة غير أخلاقية؟ أدخلوها بسلام آمنين، فأنتم مواطنون إسرائيليون، وإذا لم تكونوا كذلك فما معنى ذهابكم إلى هناك؟ كنتم تتهيصون بالوطنية المبتذلة لتضحكوا على الناخبين، واليوم لا حاجة لذلك. أبو مازن يصوت لليكود في الأمم المتحدة، فما الداعي للكذب؟ معظم إخوتكم من النواب العرب الأولين في الكنيست، كانوا يدخلونها من عباءة الحاكم العسكري أو مع الأحزاب الصهيونية، أو العربية الصهيونية المشتركة. وكان الناس حينها ما زالوا فلسطينيين مئة بالمئة. وكان عليكم استدراجهم بمختلف أنواع الحيل والتخويف بقطع تصريح العمل والتوظيف لمن لا يصوت. واليوم الناس يئسوا وسلموا أمرهم لله ولكم. فلم الهنجصة والتهجيص؟ ولماذا لا تطرحوا ترشيحكم من خلال الأحزاب الصهيونية؟ هل لذلك علاقة بالتمويل؟

لقد كانت لعبة قافلة العدالة معروفة لكم ولقناة الجزيرة سلفا. وحاولتم تحريك الجماهير فهزت رأسها استغرابا. في الحقوق لا يمسخ الجمل أرنبا، والعالم الذي اباح الدم الفلسطيني لكل من أراد في لبنان والأردن وفلسطين، لا يريد منه الفلسطينيون خبزا لثكالى غزة. لم تقدم نساء غزة أبنائهن من أجل الخبز والبطاطا والكنيست، فكفوا عن أذاهن وافعلوا ما أنتم ميسرون له. ما دخلكم بهن! الذين كانوا على ظهر السفن جندتهم إنسانيتهم ورفضهم للظلم، أواستغلتها دولهم لتجنيدهم. إذا أرادوا شيئا من إسرائيل أباحوا لها دمنا. وإذا أرادوا أن يضغطوا عليها أباحوا لها دمنا أيضا. فلماذا نشارك في ذلك؟

ولست واثقا أن اللعبة النوعية لقافة الحرية ومثيلاتها ستنجح. فهي مكشوفة، والذين يؤيدون إسرائيل في العالم العربي أكثر ممن يؤيدون أمريكا أو تركيا. وسوف يختارون السلام التطبيعي المباشر مع إسرائيل على التوسط والتسويات الرسمية، فهو أكثر جدوى لهم. وإذا كانت أمريكا عاجزة عن الضغط المباشر على إسرائيل، فمعنى ذلك أن التحول النوعي للعبة هدفه الضغط على الفلسطينيين. قد يخففون حصار غزة الذي أصبح هو لب الصراع التاريخي للفلسطينيين مع الصهيونية. ولكن مقابل ماذا؟ مقابل فلسطين! لا أكثر ولا أقل!

هل سيخضع الفلسطينيون في حالة نجاح السياق الجديد للتلاعب؟ هذا حلم أبعد من المعقول بكثير رغم كل شيء. الفلسطينيون ليسوا مصطلحا عابرا. وهم شعب إذا لم يكن يفهم معنى الوطن كما يقول المفكر عزمي بشارة، لأنه كان في طور التكوين المعرفي، فإنه يثبت كل يوم رغم كل نكباته الذاتية والخارجية أنه أكثر شعوب الأرض تعلقا بالوطن رغم غموض وعيه به كما يقول عزمي بمرحليته المبرزة. إثنان وستون عاما من الجحيم الإسرائيلي والعربي والدولي، لم تغير شيئا من موقفه. صحيح أن حالة من الفرز المتوقع بين الناس العاديين الذين يمثلون نخب الشرف وبين طفيليات الوطنية الموظفة التي تمثل دناءة كل العصور والتجارب قد تمت، ولكن هذا لم يجعل نخب الشرف العادية أقل حبا لقلسطين وتعلقا بها رغم معاناتها الجهنمية. ستسقط كل تسويات وعي الجريمة الواضح على أقدام الوعي والحب ” الغامض ” للوطن. وعلى الذين يصدرون الأفكار الخلفية، ويعملون على تخريب نخب الشرف بين فلسطينيي الداخل، بالتمائم الليبرالية القومية، والتحررية واليسارية أن يكفوا عن ذلك، لأنه لن يجدي شيئا مع عناد الوعي الغامض وصدقه الإنساني.