هل حقق قرار العقوبات ضد ايران اهدافه؟

العميد الدكتور امين محمد حطيط*

عندما صوت مجلس الامن الدولي على المشروع الذي اضحى القرار 1929 المتضمن فرض “عقوبات مركبة ضد ايرن بذريعة “عدم تعاونها ” مع ” المجتمع الدولي ” في الملف النووي الذي انشأته رغبة في تحقيق مكاسب تقنية تستثمرها في المجال الحياتي المدني السلمي لشعبها، عندما جرى التصويت ظن البعض ان اميركا وحلفائها، حققوا انتصارا احرج ايران بما قد بستفاد منه في الضغط عليها علها تتراجع امامهم و تعطيهم ما احجمت عن اعطائه حتى الان، فهل حقق القرار غاياته، و قبل ذلك ما هي الاسباب الحقيقية المباشرة له نسأل مع يقيننا بان المسألة االنووية هي آخر ما يتصدى لها القرار او يهتم بها:

و نبدأ بعرض الاسباب، و اننا و ان كنا نرى للقرار خلفية استراتيجية تصح له ولسواه من السلوكيات المعتمدة غربيا ضد ايران من قبيل القول بقرار غربي دائم للضغط على ايران لاحتوائها و تطويعها و وضع حد لانطلاقتها الثورية التي ارست مبادئها وقواعدها منذ العام 1979 و ما نجم عن ذلك من تداعيات في المنطقة، و يضاف الى هذه الرغبة القديمة عجزٌ عن تغيير النظام الاسلامي بالقوة العسكرية او العنف المستعمل من الخارج او في الداخل بما فيه اثارة القلاقل و احداث الشرخ بين الشعب و السلطة بما يسهل اسقاط النظام، فاننا نرى ان للقرار 1929 من الاسباب المباشرة المستمدة من البئية الاستراتيجية القائمة راهناً ما يلي:

1) سعي اميركا الى تعويض عجزها عن الحرب ضد ايران، بعدما امتلكت ايران من القدرات العسكرية ما جعل الحرب ضدها باهظة الثمن على المعتدي سواء أكانت اسرائيل او اميركا او اي كان ممن يتحرك باليد الصهيواميركية، و بما ان المنطقة تمر الان في مرحلة ترتيب الاوراق و اعادة تنظيم المواقع، رأت اميركا في العقوبة ورقة تملأ فيها فراغ يعمل ضدها في وقت تتآكل فيه هيبتها بعدما تلاحقت اخفاقتها الميدانية، و عرقلت حركتها السياسية.

2) سعي الرئيس الاميركي بارك اوباما الى تحقيق انجاز ما يقدمه لحزبه قبل الخريف موعد الانتخابات النصفية في اميركا خاصة و ان 18 شهرا من الولاية كانت من العقم بحيث ان الرئيس لم يفلح في اي ملف خارجي و الملف اليتيم الذي قد يباهي به كان محدود المفاعيل و هو المتعلق في الاصلاح الصحي ( شاركه فيه الجمهوريون في الايجابيات ).

3) حاجة اميركا “لشد العضل” لتخيف ايران علها تعطي شيئا في الملف العراقي قبل شهرين من استحقاق انسحاب القوات الاميركية وفقاً لوعد اوباما، و ايضا في معرض تشكيل الهيئات الدستورية في هذا البلد بعد الانتخابات و التي يبدو انها لن تكون في احسن الاحوال اميركيا، مستجيبة لاميركا اكثر من استجابتها لايران و سوريا بشكل عام (جاء فيلتمان الى العراق بعد 3 ايام من اقرار العقوبات “للمساعدة في تشكيل الحكومة”).

4) احتواء ارهاصات تشكل المجموعات الاستراتيجية الاقليمية و الدولية خاصة بعد دخول البرازيل بقوة كلاعب دولي يطمح لدور يتعدى اميركا اجنوبية متزامناً مع اندفاع تركيا لتشكيل فضائها الحيوي انتقاماً من الموقف الاروبي الرافض لها. و كانت اميركا خبيثة في لعبتها معهما، فبعد ان اغرت الدولتين (تركيا، و البرازيل ) بلعب دور الوسيط مع ايران في ملفها النووي، وصولاً الى عقد اتفاق تبادل الوقود النووي في طهران بين الدول الثلاث ردت اميركا بقرار العقوبات متجاوزة الاتفاق ثم عارضة للتفاوض، و هنا نفهم كيف ردت كل من تركيا و البرازيل على اميركا تحدياً برفض العقوبات ما حجم انتصار اوباما الذي سعى الى اجماع في مجلس الامن (كان يقبل فقط بالامتناع عن التصويت كما فعل لبنان لان الممتنع لا يحتسب.)

5) و اخيرا و هذا ما استجد، حاجة اسرائيل لتحويل النظر عن مأزقها بعد جريمتها ضد اسطول الحرية، مع ما لايزال متداولاً في شأنه من وجوب التحقيق بالجريمة و فك الحصار عن غزة، فيكون هذا القرار بمثابة “صدمة اشغال و تحويل الانتباه “.

ب‌. اما في كيفية التطبيق و المفاعيل فان للامر شأن آخر حيث نرى ان القرار جاء فضفاضاً بحجمه و تعابيره، فارغاً في العمق من المحتوى المعول عليه الا في نقاط او مواضيع اربعة ندرجها مع امكانية تأثريها على ايران، و تعامل ايران معها كالتالي:

1) في موضوع المواد المستعملة في المجال النووي: ان الحظر الذي جاء مشدداً في القرار لن يغير من واقع الحال في شيء فايران لديها 1200 كلغ منخفض التخصيب و تكفيها بما لديها من وسائل لتحصل على 120 كلغ متوسط التخصيب 20% كما يحتاج مفاعل طهران للحاجات المدنية السلمية.

2) في موضوع السلاح و الذخائر: ان ايران و في واقعها الحالي امتلكت القدرات العسكرية المصنعة ذاتيا، و تمتلك المواد الاولية و الخبرة و العلم الذي يمكنها من تصنيع المزيد، و هي تقبض على ما يكفيها اليوم لانشاء منظومة ردعية تمنع العدوان عليها و هذا هو السبب الحقيقي لاحجام اميركا و اسرائيل عن الحرب ضدها. و بالتالي ان تشديد الحظر في مجال الاسلحة هنا يكون لفظاً فارغ المضمون.

3) في المجال المالي و الاقتصادي و حركة الاشخاص. الجديد في هذا الشأن هو ادراج شركات و اشخاص جدد، و كما تعاملت ايران مع العقوبات الماضية ستعرف كيف تتعامل مع الجديدة، و هي و ان كانت تمس بعض الشيء بمرافق اقتصادية او مالية فانها تبقى محدودة الاثر و المفاعيل و دون ما تم تصويره من عمق و فعالية كما جاء على لسان هيلاري كلنتون و اوباما.

4) اما الشيء الاساسي الجديد في القرار 1929 فهو تفتيش السفن الايرانية او المتوجهة الى ايران على الارصفة في المرافئ و في اعالي البحار. و هنا نميز بين التفتيش على الارصفة و هو امر يجري من قبل السلطات في المرافئ الاجنبية و لها الحق به لانه شأن سيادي لها وفقاً للقانون الدولي، و بين التفتيش في اعالي البحار و هذا هو الجديد و الوجه الفعلي للعقوبات. و نسأل كيف سيكون التعامل.

في المبدأ ان اي تفتيش لا ترضى به الدولة لتي يرفع علمها على قطعة بحرية في اعالي البحار يعتبر مساً بسيادة الدولة، وهنا اما ان ترضخ الاخيرة او ترد بما يمنع الانتهاك. وفي الحالة الايرانية، و كما صدر من مواقف حتى الان نجد ان ايران هددت بالتعامل بالمثل و لديها القدرة العسكرية كما نعلم التي تمكنها من تنفيذ التهديد او حتى مصادرة السفن التي ترفع علم الدولة التي تفتش سفنها. و هنا اما ان تذعن تلك الدول او تتجه الى استعمال القوة لمنع تفتيش سفنها، فان استعملت القوة نعود الى المربع الاول، و نقول لو كانت اميركا جاهزة للتعامل مع ايران بالقوة العسكرية لفعلت و لما اضطرت للسير في الطريق التي هي فيه الان. و بهذا نفهم ما تم تسريبه اثناء مداولات مجلس الامن حول القرار 1929، و خاصة في البند هذا عندما استحصلت الصين و روسيا على وعد من اميركا بانه بند يدرج و لاينفذ الان.

لكل ذلك نقول بان قرار العقوبات الاخير جاء نصاً من غير اثر، و اذا كان البعض ممن اعتمد القرار يعول على شرخ بين السلطة الايرانية و الشعب، و يستميل الشعب اليه بحجة انه يعاقب السلطة فاننا نرى بان المس بالسيادة الايرانية – و هو المجال الوحيد للتأثير- لا يمكن ان يبدي الشعب الايراني عدم اكتراث حياله، و تكون عقوبات اليوم من حيث مفاعيلها كسابقاتها دون السقف الذي يثني ايران عن سياستها، و لهذا كان الاتحاد الاوربي العاجز عسكريا مستعجلاً و خلال 48 بعد صدور القرار 1929 للبحث عن حلقة جديدة من االعقوبات، و لهذا ايضاً هزأ احمدي نجاد بالقرار ة لم يتراجع عن اتفاق التبادل الثلاثي مع تركيا و البرازيل ليقول ان اميركا لم تنتصر.

:::::

* باحث استراتيجي

جريدة البناء بتاريخ17 حزيران 2010

http://www.al-binaa.com/newversion/uploads/2664_4919_3928.pdf