العَلمانية في لبنان: تجربة خاصة وممكنة! (الجزء الثاني والأخير)

د. ليلى نقولا الرحباني

الفهرس

الجزء الاول:

مقدمة

أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني

ثانيًا: الاشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان

ثالثًا: استغلالات المفهوم في لبنان

الجزء الثاني:

رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية

خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟

رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية

بما انه ليس للعلمانية تفسيرًا واحدًا وليس لها نهجًا موحدًا، وبما ان العَلمانية كالديمقراطية وحقوق الانسان تختلف في تطبيقاتها العملية باختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية في بلد معين، فهذا يفرض علينا ايجاد التفسير الملائم لها في المجتمع المعني أي في المجتمع اللبناني، وايجاد خريطة طريق مناسبة لتحقيقه.

بداية، وبما ان المجتمع اللبناني موسوم بالعامل الديني والطائفي، فلا بد من تنظيف المفهوم مما علق به من رواسب ومفاهيم ألصقت به زورًا وأهمها صفة الالحاد أو محاربة الدين.

1- العَلمانية لا ترفض الله ولا تقبله، بل هي قاصرة وعاجزة عن قول أي شيء بالله، إذا كان موجود أو غير موجود. العَلمانية لا تدّعي أن لها قولاً تقوله عن الله، بل تترك ذلك لله ورسله وكتبه وللايمان بهم. وعليه، يكون من الطبيعي وجود “علمانيين مؤمنين” يعيشون في الوقت ذاته الدين وقيمه والعالم الزمني وقيمه، ويميزون بين الاثنين ولا يخافون من تفاعلهما. فالدين هو علاقة فردية عامودية بين الانسان وخالقه تفرض عليه التزامًا بنصوص “مقدسة” وقواعد سلوكية معينة، أما العالم الزمني فيعيشه الانسان في علاقات جماعية وفردية أفقية، تفرض عليه أنواعًا أخرى من الالتزامات وضعتها القوانين الوضعية. وهكذا فإن اختلاف الحيز الذي يُمارس فيه الديني والزمني، يفرض تمييزًا واستقلالية بين الاثنين، يعيشهما الانسان بدون مزج بينهما أو سيطرة أحدهما على الآخر.

وهكذا تكون العَلمانية هي الاستقلالية عن الدين، والاستقلالية لا تعني بأي شكل من الاشكال العدائية، بل الحياد التام بينهما. لذلك يمكن أن نقول أن العدائية للدين ليست عَلمانية بل هي ضد العَلمانية لأنها تجعل ذاتها على مستوى الدين وفي حقله وقيمه ومقوماته، ونقيضًا له ومن ثم تنصّب نفسها دينًا، ولو بالمعنى السلبي.

2- بالنسبة للقيم الدينية، العَلمانية تقبل ما جاءت به الاديان من قيم انسانية جليلة وهامة للجنس البشري، كاحترام الانسان، كل انسان، والمساواة والحرية والعدالة… لكن العَلمانية ترفض على الاديان “احتكارها للقيم الانسانية” واعتبارها ان “الانسان لا يصل الى هذه القيم إلا من خلالها”… العَلمانية تقول بهذه القيم نفسها، ولكنها تقول بقيمة القيم بذاتها، أيًا كان مصدرها. إن قيمة القيم ليس في ورودها في هذا الكتاب أو ذاك، بل قيمتها أنها لأجل خير الانسان ونموه وتكامله، ولعل الاهم من القيم هو تطبيقها الفعلي على أرض الواقع.

3- العَلمانية ليست مسيحية ولا اسلامية، لأنها صفة للمجتمع ليس للدين. هي نظرة شاملة للعالم تؤكد استقلاليته بكل مقوماته وأبعاده وقيمه. والاستقلالية تعني أن هناك قيمًا ذاتية فعلية للعالم والمجتمع والانسان وقضاياه غير مستمدة من الدين والقيم الدينية وغير خاضعة لهما، أي انها تجعل تمايزًا بين العالم والدين وتعترف بمميزات كل منهما بدون امتيازات للواحد على الآخر.

4- إن العَلمانية هي السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ الموطنية، ولا صحة لأي ادعاء بوجود مواطنية حقيقية بغيرها. فإذا كان مبدأ المواطنية يعني تساوي الناس، أي المواطنين، أمام القانون، فإن العَلمانية هي التي تجعل القانون ذاته قانون مواطنية لا قانون يميّز بينهم على أساس انتمائهم الطائفي.

5- العَلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تعني فصله عن المجتمع أو التقليل من دوره في حياة الناس الاجتماعية، ولا تعني إضعاف مكانته في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية، وفي صوغ هذه القيم وفق مقتضيات الزمن، فالقيم الإنسانية التي تجعلها الأديان محورًا للنشاط الإنساني، تظل ماثلة في الوجدان الاجتماعي ومرشدًا للسلوك، وهي تتجلى وفق خصائص البيئة المحددة زمانيًا ومكانيًا. إن فصل الدين عن المجتمع غير ممكن، والإنسان الفرد، بوصفه الوحدة الاجتماعية الأولى، هو الذي يحدد “بحرية” علاقته بالشعائر الدينية وأفكار الدين وقيمه بحرية تامة.

6- من البديهي أيضًا أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن رجل السياسة. فيمكن للسياسي أن يكون متديناً، لكن المطلوب هو أن ينطلق في نشاطه السياسي من واقع محدد ملموس، ومن قوننة مدنية ديمقراطية للحياة السياسية، لا من منطلقات دينية.

7- أما بالنسبة لرجال الدين فالعَلمانية لا تحارب رجال الدين فلا صلاحية لها بمحاربتهم أو محاكمتهم، بل تحصر نفسها في مواجهتهم عندما يتجاوزون تفرغهم واختصاصهم الديني ليهتموا بالشأن المجتمعي لا سيما السياسي والحزبي منه.

وعليه، يكون على العَلمانية التي نطالب بها في لبنان، أن تؤدي الى ما يلي:

1- تحرير الوطن، وذلك من خلال اعادة الاعتبار الى المفهوم العالمي الذي يحدد الوطن بوجود شعب مكوّن من أفراد قاموا بعقد اجتماعي فيما بينهم وارتضوا العيش معًا ضمن اقليم معين[1]، ما يسمح بإحلال الانتماء الوطني مكان الانتماء الطائفي، مع الابقاء على حرية الايمان والتدين.

2- اعتبار الانسان اللبناني قيمة بحد ذاته بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي أو الاثني أو غيره. وهكذا يكون كل انسان، هو القيمة المطلقة بالنسبة للدولة ومؤسساتها وللدين ومؤسساته، ولا يستمد قيمته من الوسيط الديني أو حتى الوسيط المدني.

3- تحرير الطوائف من الطائفية، وتحرير الدين من التصورات الخاطئة عن الله التي يبثّها المتكلمون باسم الطوائف لأجل استمرارية وجودهم، والادعاء بقدسية السلطة لعدم انتقادها، ومنها التصورات التي تجعل من الله القوة والنصر لفئة المؤمنين به ضد أعدائهم ، القائل بالعنف، بل المحرّض عليه ضد الذين ليسوا من معسكره … كما وتحرير جماعة المؤمنين من التحالفات المشبوهة التي تقيمها الاحزاب الدينية من أجل الوصول الى السلطة.

4- تحرير المواطنية بما تفرضه من مساواة في الحقوق والواجبات من الامتيازات الطائفية التي تجعلها مواطنية ناقصة، حيث لا مساواة فيها بين المواطنين بل تمييزًا فيما بينهم بحسب انتمائهم الديني.

5- استقلالية السياسة عن الدين، واستقلالية الممارسة السياسية عن الانتماء الديني والطائفي، وبالتالي استقلالية هذه الممارسة السياسية عن تدخل الرؤساء الدينيين.

6- تحرير المجتمع من استغلال الحاكم لانتمائه الطائفي سلبًا أو ايجابًا في تسهيل او اعاقة عمل المؤسسات.

7- القدرة على محاسبة الحاكم ومحاكمته بدون الخوف من التفاعلات الطائفية وبدون ان يعتبر ذلك مسًا بحقوق الطائفة وتهديدًا وتحديًا لها.

8- تحرير الوظائف من قاعدة (6 و6 مكرر) التي تضرب أسس الكفاءة والجدارة وتخل بمبدأ “الانسان المناسب في المكان المناسب”

9- استقلالية المجتمع المدني عن المجتمع الديني والعكس بالعكس، مع الابقاء على التفاعل بين القيم الانسانية والقيم الدينية على قدم المساواة، فتغتني القيم الانسانية من القيم الدينية والعكس بالعكس.

10- استحداث قانون مدني للأحوال الشخصية، وتعميم الثقافة الدينية والاخلاقية والوطنية بدل التعليم الديني في المؤسسات التربوية كافة.

خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟

نحن نؤمن أن المسألة مسألة تمازج والتحام بين اللبنانيين وليس مسالة فرض كما حصل في تركيا، فمن أجل تطبيق النظام العَلماني في لبنان، نحن بحاجة لموافقة غالبية الشعب اللبناني عليه. ويبدو أن المجتمع اللبناني قد بلغ مرحلة من النضوج لتقبل هذه المفاهيم، فالصعوبات لم تعد روحية وايديولوجية كما في السابق بل باتت محض سياسية.

ويبقى الأمل هو هذه الاجيال الجديدة التي تتخرج من الجامعات كل سنة، هؤلاء سيغيرون وجه المجتمع، بهم يتجدد علميًا وثقافيًا وسياسيًا. بالتربية والتعليم والكثير من الجهد والصبر والعمل الدؤوب يمكن أن يتحول المواطن في لبنان الى مواطن طائفي الانتماء وطني الولاء.. إنجاز كهذا يحتاج الى دولة قوية، ومسؤولين علمانيين رؤيويين، ينتزعون الخوف من النفوس، ويزرعون الثقة بين المواطنين، فهل نجد هؤلاء؟

رؤية ومشروع

نموذج التيار الوطني الحر

قدم “التيار الوطني الحر” (“التيار”) في لبنان اجتهاداً يشكل رؤية ومشروعاً يحتاج ظروفًا مناسبة لترجمته على الارض. ولا يتوقف هذا المشروع عند العلمانية وتجلياتها في المجتمع اللبناني فحسب، بل يتجاوز ذلك الى ترسيخ ركائز المواطنية. ونرى انه من المفيد عرض العناوين الرئيسية لهذا المشروع فيا يلي:[2]

لا يرى “التيار” في الديمقراطيّة التوافقيّة، المعمول بها حاليّاً، هدفًا، ولكنّها تصلح، في المرحلة الراهنة، لأن تكون وسيلة مرحليّة تضمن العيش المشترك في سلام، بانتظار تحقيق الشروط الكفيلة باعتماد الديمقراطيّة الأصليّة التي تتحدّد فيها الإرادة العامّة بآليّات النظام الأكثريّ، والتي هي هدف “التيار” ومرتجاه. ويتطلب هذا الاستمرار في تقديم الاقتراحات ومشاريع القوانين القادرة على تعزيز الديمقراطيّة في لبنان وتطويرها.

على رغم أنّ بعض الصفات المدنيّة متوافرة حاليّاً في الدولة اللبنانيّة بموجب الدستور، إلاّ أنّها قائمة أساسًا على الطائفيّة في نظامها السياسيّ والإداريّ، وعلى التشريع الدينيّ في قوانين الأحوال الشخصيّة، دون أن يكون للدولة تشريع مدنيّ خاصّ بها، لذلك وإنطلاقاً من كون السلطة في لبنان تستمدّ شرعيّتَها من الشعب، ومن كون الدولة تكفل حرّيّة الإيمان والمعتقد من خلال قوانين الأحوال الشخصيّة، فان “التيار” يعمل على أن تعترف الدولة أيضًا بحقّ المواطنين الراغبين في أن تكون علاقتهم بها مباشرة وليست من خلال الطوائف.

يرى “التيار” أن التربية على المواطنيّة مشروع متكامل ويعمل على وضعه في خدمة سياسة تربويّة تهدف إلى بناء الدولة اللبنانيّة العصريّة، وذلك من خلال إعادة النظر في أساس مفهوم المدرسة وأهدافها ووسائلها ومناهجها، وفي ذهنيّة إدارتها ومدرّسيها، وإخضاعها لمساءلة المجتمع المدنيّ، فتصبح وطناً مصغّرًا وقادرًا على المزج بين اكتساب المهارات العلميّة وممارسة المهارات المواطنيّة، من خلال وحدة الأهداف فيما بينها.

ظل دور الدولة في الرعاية مغيَّباً منذ عهود، وتمّ وضع اليد على مقدّراتها، من أجل توظيفها ضمن دائرة المصالح الفئويّة والشخصيّة والمحسوبية، ما جعل المواطنين في حالة من التخلّي والعَوَز والخوف من الغد، وجعلهم يلجأون الى طوائفهم للحماية، لذا فان “التيار” يعمل على أن تشمل الرعاية الاجتماعيّة جميعَ المواطنين بدون استثناء أو تمييز أو تفضيل من خلال اعتماد نظام متكامل للعدالة الاجتماعية، تكون البطاقة الشخصيّة المتعدّدة الوظائف احدى أركانه.

من خلال مواقع السلطة والقرار التي يسعى “التيار” الى تولّيها بأخلاقيّة نضالاتنا السابقة، فانه سيتابع العمل على تحرير المواطن من الإقطاعيّات، من خلال استراتيجيّة إنمائيّة متوازنة، تضمن حقوقه بالتعليم الأساسيّ والصحّة والسكن، وتثبته في أرضه وقريته، مما يؤدي إلى استعادة ولائه للدولة القائمة بواجباتها في الرعاية والحماية، ويتخلى عن الولاءات الجزئية وخاصة الطائفية منها.

سيستمر “التيار” في النضال ضدّ الفساد والمفسدين في كل الميادين، وذلك بهدف القضاء على استغلال الوظيفة العامّة للمآرب الخاصّة، وإجراء التحقيق القضائيّ ـ الماليّ لوضع حدّ للتدهور الاقتصاديّ والماليّ. انها المعركة يرى التيار ان يخوضها من خلال القوانين والإجراءات العمليّة والتشدّد في العقوبات الخاصّة بالفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، وفصلها عن السلطة التنفيذيّة وإلحاقها بالسلطة القضائيّة، وكفّ يد السياسيّين عن حماية الفاسدين، واعتبار أيّ تدخل مشاركة في الجريمة.


[1] – بكلام آخر عدم اعتبار الوطن مؤلف من أجزاء دينية هي الطوائف، بل اعادة الاعتبار الى مفهوم الفرد وحقوقه كمواطن بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي او الجنسي او غيره.

– انظر: البرنامج الانتخابي للتيار الوطني الحر لعام 2009.[2]