مهلاً غبطة البطريرك

الدكتور ايلي حداد

للمرّة الأولى يتسنّى لي، سيّدي البطريرك، شرف مقابلتكم خلال زيارتكم الأخيرة الى باريس٠

ككلّ اللبنانيّين، أتابع تصريحاتكم بشكل منتظم، وكعدد كبير منهم أتألّم حين أسمعها لما لها من وقعٍ سيء عند هذا الجزء من الرأي العام الذي أنتمي اليه ٠

في ذهني أنّكم، بما تمثّلون، ركن من أركان هذا الوطن ودرعُ يفترض أن يقيه الويلات٠ وها أنّ تصريحاتكم وعظاتكم تنزل، بتوقيتها ومحتواها، لتزرع الشكّ في دور بكركي وتُباعِد بين قلوب اللبنانيّين٠

لذا وددت مقابلتكم، مع وفدٍ من التيّار في فرنسا، علّني أسمع منكم مباشرة، وبعيداً عن الإعلام، كلاماً يصحّح ما علق من أفكار وما يطمئن النفوس٠

أقولها لكم بكلّ صراحةِ واحترام، فقد كانت صدمتي أكبر وكان ذهولي أعمق بعد سماعي كلامكم في هذا اللقاء٠ فحين أردنا أن ننقل إليكم هواجس اللبنانيّين في الإنتشار وخوفهم على وطنهم من التهجير والتوطين، كان جوابكم عبر بضعة أمثلة تعبّر عن رآيكم في هذا الموضوع٠

فقد قلتم “أن الطبيعة تكره الفراغ” واستعملتم عبارة لاتينيّة لتفهمونا أن الأولويّة هي للحياة٠ وبذلك كنتم تبرّرون هجرة اللبنانيّين بتوقهم الى حياة أفضل في الخارج لا يؤمّنها لهم وطنهم، وهجرتهم هذه تفسّر استقرار آخرين مكانهم٠

صدور هذا الكلام عن نيافتكم ينمّ عن خطورة قصوى في موقعين٠

فبقولكم هذا، أولاً، تتناسون تماماً عامل التهجير القسريّ من خلال مشاريع التوطين المحدقة بشعبنا والتي تلاحقه منذ سنين والتي من أجل محاربتها إستُشهد الآلاف من خيرة شبابنا٠ وفي هذا التناسي ما يمكن أن يفيد دعاة التوطين في تغطية مشاريعهم٠

وفي المقام الثاني، فإنّكم تؤكّدون على صعوبة العيش في لبنان، ممّا لا يترك مجالاً للشباب الطالع الى أملٍ في غده او أيّة إرادة في العمل والثبات في أرضه، مما يزيد في دفعه الى الهجرة٠

ما سمعت من كلامكم يوحي، بحدّه الأدنى، بإذعانٍ للأمر الواقع وإنهزاميّة أمام التحدّي ، في وقت كنت أتوق لأن أشعْر بإرادة صلبة تقلب الطاولة على الجميع وتجهر بالحقيقة عالياً وانتم في أحد أهمّ المحافل الدوليّة٠

كنت أتمنّى أن أسمع عن مشاريع إنتاجيّة وحياتيّة ترعاها البطريركيّة بغية تعزيز صمود المقيمين وتشجيع عودة المهاجرين عبر تأمين فرص عمل وظروف عيش كريم وعدم الإكتفاء بالبكاء على الأطلال٠

ثم تابعت تصريحاتكم التي رافقت الزيارات التي قمتم بها للمسؤولين الفرنسيّين٠ لم أْفاجأ بتحليلاتكم السياسيّة التي تثابرون عليها والتي لا أشارككم بمعظمها ٠ لكن ما قد استوقفني طويلاً هو تقويمكم لحجم التيّار الوطني الحرّ ووزن عماده على الساحة اللبنانيّة٠

في الشكل، تساءلت في نفسي كيف يمكن لغبطة البطريرك أن يزين حجم التيّار ووفق أيّ معيار يقيسه بعد معركة إنتخابات بلديّة لا أخال غبطته جاهلاً لظروفها وقانونها وتوقيتها وخصوصيّتها اللبنانيّة٠لو قارن النتيجة التي نالها التيّار وحلفاؤه على امتداد مساحة الوطن بالنسبة لما نالته بقيّة الأحزاب في هذه الإنتخابات، او لما ناله التيّار في الإنتخابات البلديّة السابقة او حتى النيابيّة الأخيرة، فهو لا شكّ سيدرك خطأه في الحساب والتقدير٠

أما في المضمون، فحتّى لو سلّمنا جدلاً أن غبطته آخطأ في التقدير واعتبر التيّار متراجعاً، فانّني لا أرى مصلحة للمسيحيّين تجعل غبطته يتباهى بذلك من على المنابر الرسميّة وخاصّة في فرنسا ٠ بل على العكس تماماً فهو يوحي بالإنقسام الحاد بين المسيحيّين ويُضعفُ موقعهم أمام المرجعيّة الفرنسيّة٠

يا صاحب الغبطة، لقد علّمنا تاريخ لبنان قصص بطولات ثلاث لم تستطع الوصول الى خواتيمها عبر تحقيق التغيير المطلوب وكسر النظام القائم، وهي بطولات فخرالدين وطانيوس شاهين ويوسف بك كرم٠ ولكننا اليوم، وفي بداية القرن الواحد والعشرين، لا يحقّ لنا ان نخطئ وان نبقي لبنان في غياهب الإقطاع٠ إن معركة التيّار هي تكملة لمعارك هؤلاء الآبطال وبقيادة العماد عون لن يْسقَط الحلم ولن يْهزم ولن يْنفى مرّة أخرى٠

إن مجد لبنان الذي أْعطي لكم يا صاحب الغبطة لهو ولا شكّ شرف عظيم لما أدّت البطريركيّة المارونيّة من خدمات وتضحيات من أجل بناء الوطن٠ ولكنه مسؤوليّة كبيرة أيضاً، وهذه المسؤوليّة ملقاة اليوم على أكتاف غبطتكم٠

:::::

elie.haddad@rplfrance.org

فرنسا