إعاة بناء البلد حلقة 8 : عن “عمرو” وحماس ووفود التضامن

ماذا يتوقعون من غزَّة؟

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

كنت أُشاغله كي يذهب عني للنوم وأخلد لقراءة بعض المقالات:

قال: سيدي اطعمني كويِّس عشان أكبر بسرعة قبل أن يهدموا الأقصى.

قلت: لتفعل ماذا؟

قال: لأنني سأبني مصنع دبابات وقنابل عشان أحميه وأطردهم من فسطين، حسن نصر الله مش قادر يصل هون.

لكني ما زلت أُحاول توجيه عمرو لحفظ الأشعار  وتذوقها.

إذن يتسابق الطفل الأقل من سبع سنوات مع الزمن، ويعتقد أنه وحده الذي يستطيع حماية الأقصى وتحرير فلسطين. فماذا نفعل نحن؟ هل نُسابق اللحظة؟

كتبت قبل ايام مقالة صغيرة عن كيف علينا قراءة الدور التركي وتوظيفه، وكان لأكثر من رفيقة/ورفيق وصديق وصديقة قراءاتهم لها. ولا أريد هنا تقديم قراءة شاملة لحالة قطاع غزة، ولكنها محاولات استباق اللحظة كما علَّمني ذلك الذهن الحاد لعمرو، وإن كنت أُحاول توجيهه باتجاه الشعر لا السياسة. لكنها المرحلة والفضائيات وأحاديث الأطفال في المدرسة…الخ.

كتبت قبل عام تقريباً رسالة إلى قيادة قطاع غزة بشأن فرض ارتداء الحجاب، وكتبت مواقع سلفية رداً عليَّ اتسم بالشتائم والتشويه والتكفير…الخ. واليوم أُقدِّم لهم مؤونة جديدة!

هذه وفود التضامن تتقاطر إلى قطاع غزة من البر والبحر من مختلف الأمم، رغماً عن مختلف الدول وعلى رأسها الدول العربية. والمتضامنون من مختلف الملل والنِحل، إسلاميون (من إسلام ماليزيا وتركيا وإندونيسيا) ومسيحيون (من إيرلندا وأميركا وألمانيا)، وشيوعيون من حزب دي لنكه الألماني ومن الشين فين الإيرلندي (والجيش الجمهوري)…الخ.

أي جيش أممي من المتضامنين معنا!

يحضرني هنا قول المتنبي في جيش سيف الدولة:

خميسٌ بشرق الأرض والغرب زحفه….وفي اُذن الجوزاء منه زمازمُ

تجمّــَع فيه كلُّ لُسنٍ وأمــةٍ………فما يُفهم الحُدَّاثَ إلا  التراجِمُ

وصل منهم اُناس واستشهد أُناس وجُرح أُناس وظل الإصرار على وصول غزة. لا بد من غزة وأن طال مسيل الدماء. ولكن: ألا يجدر أن نتسائل: ما الذي يتوقعونه منا، أو كيف يحلمون أن تكون غزة بعد فك الحصار الحاقد؟

نورمان بيش الماركسي الألماني الذي يقارب الثمانين، كان يمكن أن يستشهد على السفينة ماذا يتوقع؟ وماذا تتوقع النساء اللائي جئن من إيرلندا؟ وماذا نتوقع نحن حتى قبل فك الحصار جزئياً أو كلياً كيف نستثمر الحالة؟

من الناحية السياسية وتحديداً رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني والإصرار على حق العودة فهذا ما نريده ونقرره نحن، وهذا ما يجب علينا شرحه لهم وللعالم، فالتاريخ لم يبدأ عام 1967، بل عام 1948. ما بدأ عام 1967 هو تاريخ سقوط الدولة القطرية وطنياً وقومياً. وشكراً للسيدة هيلين ثوماس التي أعادت ساعة البيت الأبيض إلى 1948، ولا يقلل من ذلك اعتذارها لهم. لا بل نقول للإخوة في غزة وخاصة حركة حماس، هناك جحافل من الساسة والثقافويين وأنصاف المثقفين الفلسطينيين المطبِّعين الذين يحلمون بأن “تنخُّوا” سياسياً لكي يبرروا استخذائهم الوطني والقومي والديني. أما العاديين أمثال كاتب السطور، فنحن معكم طالما أنتم على موقفكم.

يتحدث الكثيرون منا عن المصالحة بين قيادتي غزة ورام الله، ويشرطون كل شيء بهذه المصالحة وينسبون حل كافة القضايا للمصالحة متناسين أن الوحدة الوطنية الفلسطينية تشققت وانشقت منذ عام 1982، وتصدعت إثر اتفاق أوسلو وتبعاته. والطريف أن الذين ايدوا الاعتراف بالكيان منذ ايام نوح، والذين شاركوا في مفاوضات مدريد_أوسلو والذين استبدلوا حق عودة الملايين الستة بعودة القيادات، هم اليوم أكثر من يشتم أوسلو؟ يا لمهارة الخبثاء!

ليس الأمر بتقبيل اللحى أو بواطن أكف النساء! شرط النضال في الموقف وليس في الوحدة على الهواء بين غزة ورام الله. ولو كان الأمر هكذا، فماذا نقول للمشتتين في اربعة ارجاء المعمورة؟ أليس لهم دورهم لأنهم بعيدين؟

أما من الناحية الاجتماعية والإدارية الداخلية، فالمطلوب الكثير. مطلوب برنامج اجتماعي يُعلن بأكثر من لغة يشتمل على حوار مفتوح مع مختلف الفعاليات قبل القوى. هناك قوى لها اسم وليس لها جمهور، بينما الفعاليات الطبقية والشرائحية والقطاعية والنقابية هي حضور جماهيري. حوار ومشروع عمل يتناول ضمان الحريات الفكرية والسياسية والشخصية، وضمان حق المرأة ومساواتها وضمان عدالة أجتماعية، وضمان مشاركة في إدارة البلد. يشتمل على رؤى تنموية لا يتم استحضارها من واشنطن، بل تنمية بالحماية الشعبية وقد مارسها الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى ولا شك ان أهل غزة قد اخترعوا وسائل تنمية بالحماية الشعبية عبر مقاومتهم للحصار وصولاً إلى تأكيد البقاء. تشتمل على حد أدنى للأجور، وحق العمل للنساء ومساواة أجرهن بأجر الرجال. تشتمل على قطاع عام تشغيلي إنتاجي للنساء والرجال، وعلى قطاع خاص لا يُطبِع ولا يشترك في مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني ولا يشارك في مؤتمر بيت لحم  “للاستثمار” الذي يُغري العرب للتطبيع مع الكيان. تشتمل على إعطاء فرص للإبداع في الثقافة والإنتاج والتعليم، تشتمل على الأعمال التطوعية في تنظيف البلد. تشتمل على التواصل الاجتماعي وليس الحكومي فقط مع اسر الشهداء والجرحى والمعتقلين.

يحقق هذا التوجه المطلبين الأساسيين في المرحلة:

الأول: تهدئة الخاطر الاجتماعي والسياسي داخل قطاع غزة بين القوى السياسية وخاصة فتح وحماس.

والثاني: توفير صورة حقيقية للمتضامنين مع قطاع غزة كي يواصلوا تضامنهم مع شعبنا وقضيتنا المديدة.

يتوقع المتضامنون معنا أن نرتقي إلى مستوى التضامن الأممي. إنهم يتعلمون من التجربة، وهم ليسوا مستجدين على الأمر، هم جزء من حركة عالمية تتبلور منذ التدمير الأول للعراق، هم حركة ضد الحرب والعولمة اي حركة في التحليل الأخير ضد الصهيونية والرأسمالية حتى دون أن يبوحوا بذلك. فلنقدم لهم تجربة تقول: نعم لتضامنتم معنا لما هو أكثر من الطعام والدواء، وها نحن نقدم لكم تجربة في التنمية وحرية الفرد وحق المرأة. نقدم لكم ذكورية لا تقمع النساء، بل تبني المجتمع والوطن، هذه الذكورية المقاوِمة لأن المقاومة للرجال والنساء والوطن لهما وكذلك الحرية.

المطلوب في تجربة غزة تعزيز قيم المقاومة والممانعة بالحذر من كافة أنواع التهميش، تهميش المرأة، تهميش قوة العمل، تهميش هذه القوة السياسية أو تلك…الخ.

علينا التنبه إلى أن هؤلاء المتضامنين يتوقعون منا أننا ندرك قيمة التجربة وقيمة المرحلة، بل يريدون التعلم من صمود غزة. ولا بد أن نتذكر أن الكثير من هذه القوى والاتجاهات كانت ذات زمن أسود معجبة بالكيان الصهيوني. وها هي الإنسانية تفيق من غفلتها لتسجل إعجابها وتعاطفها مع تجربتنا فلنستثمر ذلك بما يُشرِّفنا ويحترم الإنسانية.

إذا لم نتدارك الأمر سريعاً، فإن العدو ولا شك يجهز نفسه لاستعادة زمام المبادرة، وسيعرض على الشاشات، وما اكثرها، كافة اشكال التخلف الذي قد نمارسه سواء ضد المرأة أو ضد الاتجاه السياسي المخالف أو ضد الفقراء أو ضد العمال المأجورين…الخ.

وتجربة غزة مثال للوطن العربي كذلك، مثال لإحراج الدولة القطرية التي لا توفر لا الحياة الكريمة ولا الحريات، ولا الشرف الوطني والقومي. بل التي ترتبط كل واحدة منها بالعدو الغربي وحتى الصهيوني ارتباطا خاصاً وتوقع معه اتفاقات ثنائية إذعانية سرية أو علنية لتصفية القضيتين:

· القضية الفلسطينية

· وقضية الوحدة.

أثبتت سفن وقوافل التضامن أن العالم مفتوحة ابوابه على بعضها، وأن ليس بوسع أحد إغلاق بابه والقول: هذا منزلي، هذه مملكتي.

هذا الحديث ليس موجهاً إلى حماس وحدها. هناك أجزاء من قوى فلسطينية، وخاصة المثقفين/ات الذين يريدون لغزة أن تغرق في ما اسموه “إمارة السلفية/الظلام/ القروسطية…الخ. هناك لبراليون يكرهون الشرق وثقافته وتاريخه ويتخارجون إلى ثقافة الغرب الوحيدة! وهناك ماركسيون لم يبق منها فيهم سوى كره الإسلام تحديداً (هذا إن فهموا الماركسية اصلاً) فاحتضنتهم سلطة أوسلو وسلطة البيت الأبيض وباتوا مطبعين أو انصاف مطبعين “يتنعفلون بمتاع الدنيا”، وبهذا يتفاخرون! وهناك الطائفيون الذين يكرهون المقاومة، مطلق مقاومة، مقاومة حماس لأن هناك قوى شيعية اثبتت دورها المشرف والبطولي في المقاومة. وهناك النسويات اللائي غرقن في التحويلات المالية من الأنجزة فاستبدلن أولوية المقاومة بأولوية الحوار مع الصهيونيات. وهناك من يُغرقوا البلد بالديون ويشجعوا مَن دخله الف شيكل (300 دولار) بأن يقترض من المصارف لشراء منزل أو سيارة يتطلب تسديد أقساطها ثلاثة أعمار لا أجيال (تطبيق وضع ازمة العقارات في اميركا والهدف الغرق في ما يُنسيهم أن الوطن من تحتهم بيد العدو) ! ويستبدلون الحرية والتحرير والعودة بالحديث عن دولة شكلية أوسع منها قنَّ دجاج، ويُهدون حق العودة للكيان.

من هنا تحديداً نأمل أن تقدم غزة النموذج. أن تقرأ الناس هناك التجارب الجدية في العالم، تجارب العلاقات المجتمعية الداخلية للزاباتيستا وفنزويللا وكوبا، والإكوادور والتجارب الإسلامية في تركيا وماليزيا وليس في السعودية.

سلام على غزة، سلام على المقاومة، وسلام على من يلتقط اللحظة ليصون المكاسب ويُعلي صورتنا بين الأمم.