هل بدأ التحول

أحمد حسين

في جهنم العمر كثير من الأشياء الجميلة التي لم يكن فيها شيء واحد غيرشخصي. كان بالطبع أجملها مشاهد العلاقة الإنسانية، في أطرها الجمالية الوجدانية من حب وصداقات وتشوفات إبداعية، ومواقف عابرة للكبرياء، نتجاهل من خلالها مرآتنا المعاصرة المشروخة التي تعكس وجهنا المشوه. كل جمال في حياتنا كان مشروخا بخط الذاكرة الجماعية. فقدان بحجم الوطن، هوية ليست لنا، كآبة متوارثة لا بد من مرارتها في كل كأس شربناها، وصور دامية ما تزال تحلق في فضاء احتقار الذات والشعور بالذنب، لم تصبح ذاكرة بعد، لأنها ما تزال يومية الندم والعجز. فهدى وأترابها المذبوحون بمذلتنا وسيف الآخر، لن تصبح ذاكرة لنا نحن جيل الخراف، أبدا. ستظل شهادة حاضرة علينا معلقة على صفيح المهانة. ولن يسدد الثغاء دين طفولة هدى وإخوانها المهشمة، علينا. وما لا يمكن نسيانه لا يمكن تذكره.

ولأن اللامبالاة هي ترفنا الوحيد، تركنا للآخر أن ينسجنا على هواه منذ شربنا الكأس من يد ه. كنا هو في غيابه المسرف في الحضور، بينما كان هو يتربع في حضورنا المسرف في الغياب. لعبة قريبة من السحر ولكنها هي الحقيقة كاملة. حرسنا مزاعمه في كل شيء حتى في أجسادنا , فدخلنا معه في عهد الختان الإلهي، بأن فلسطين له بشهادة غرموله المختون وغراميلنا المعطوبة.

كان الفضاء من حولنا أيضا معطوبا. ألسماء رمادية بدون حركة لا يأتي منها سوى صوت النذير بأن العقل والإرادة والفكر باب المعصية، والمعصية هي التي تاتي بالفقر والجهل والظلم والغلاء والفساد وتسلط الغرباء علينا. والأرض حولنا بقعة خالية من الجمال والحقيقة، لأنهما لا يأتيان كلا على حدة. تنكرنا لكل ما هو صادق وعاقل وأرضي، لأننا لم نكن ذواتا، بل ظلالا لقامات مجهولة الهوية تتفيأ فيها العجول.

اعتبرنا عمامات الرأس وشعر اللحى، هوية للوعي والفضيلة، لأننا تخرجنا من مدارس التجار الذين ارتدوا عبر العصور زي الملائكة، أي الشياطين الفاضلة، وعلمونا بعصا الفقه الشعوبي، كيف نرى ونفهم ونستسلم لما يدبرون ويرتكبون باسم الدين. جعلوا المعرفة تمشي إلى الخلف، وجعلوا الدين دولة والدولة دينا ليستولوا على الدين والدنيا معا. وأغرقونا بماء الوضوء لا لكي ننظف، ولكن لكي نغرق في مستنقع العبث. أفقدوا الناس إنسانيتهم، بالله، وأفقدوهم عقولهم، بالله، واستحلوا عرق جبينهم، بالله الذي يدير شركة ” قابقو ” و ” قفاك ” براسمال صهيوني قطري مشترك، كما أدار ذات يوم بنك مال المسلمين ليحرم منه الفقراء، وكما أدار الوقف وباعه للصهيونية.

داسنا العابرون والمقيمون. هؤلاء بعصا التسلط، وأولئك بعصا الفقه، وسرنا في جنازتنا الجماعية قرونا، مشيا على الأقدام إلى قبورنا المحفورة في صخر العبودية. تدحرجت الكرة ذهابا وإيابا بين صباح الحقول الشحيحة ومساء مائدة الحمد على الخبز والماء، وظلت تتدحرج ونحن داخلها إلى اليوم. أغرب مشهد بشري رأته العصافير على الشجر!

من أدهش الظلم والعجز والعقل في هذا العصر مثلنا؟ فكيف لا نيأس؟

أصبح العربي سبة العصور، ولم ينفعه أنه الجد الأول لكل الحضارات. فعلا وواقعا موثقا وليس قولا. لهذا السبب أراد العابرون والمقيمون، عبر العصور أن يدمروا عراقته وهويته ووعيه ليجعلوا منه، كماهو اليوم، كائنا بشريا مجهول الهوية، غير مدرج في سجلات التاريخ والحضارة إلا كهوية دينية خارج المصطلح. جعلوا منه عدوا لعقله ليصبح عدوا لذاته، ويتخلى عن حيويته التاريخية التي جعلته السيد المتجدد لبستان الألهة، التي يسمونها اليوم الشرق الأوسط الجديد. اجتمعوا على التنكيل به وبحضارته جسدا ومعنى، في السياسة والدين والمعرفة والمجتمع، تدفعهم مصلحة مشتركة تخترق الزمان والمكان من عصر إلى عصر. غايتها، أن يرثوا جسده وجودا وحضارة وأوطانا وثروات. وعاش لعبتهم التهويدية التي نقلت الوعي العربي من ساحة السيادة الحضارية القومية، إلى مجاهل التبعية للآخر.

أوشك العقل والتاريخ أن ييأسا. كل شيئ يسير باتجاه اليأس. ماذا يفعل الأمل بأمة تمشي في نومها؟ أصبح زمن الغيبة أطول بكثير من زمن الحضور، ولم يعد هناك إشارة واحدة إلى أنه بقي منا من يريد أن يخرج من كرته الفقهية إلى حقيقة الله في العقل، لأن حقيقة الله في العقل تكليف، وفي الكرة حفلة تنكرية. من يريد أن يترك حفلة تنكرية ويذهب إلى الحرب؟ وأخيرا صنعوا لنا من قبحنا هوية دولية غير أرضية وغير معترف بها رسميا. وكانت عقولنا المغيبة، وفقهاء الكنافة وسيلتهم فينا. فأنجزوا لهم فضاءء من فراغ العبث، ليس له مصطلح في التجربة. ليصبح العربي شجرة بدون ثمر تتفيأ ظلالها المسوخ.

قال الإستشراق المعاصر، بأنه لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان والعرف الدولي علينا، لأن ثقافتنا ترفضها سلفا. ومعنى ذلك سياسيا أنهم حينما يستحلون دمنا، ووجودنا البشري، يحملوننا مسؤولية ذلك أيضا. هذه الرؤية هي ملخص لشكل العلاقة بين الناس والحشرات الضارة. وهكذا فعلوا ويفعلون، ونحن لا نرى في ذلك بأسا، لأننا نعرف أنه في الحفلات التنكرية يمكن التمتع بحرية كاملة خالية من المسؤولية، كما يمكن للمرء تجاهل أن أحدا ما بصق في وجهه لأن وجهه لا يراه أحد.

كم مرة كان يجب أن نغضب ولم نغضب؟ كم مرة كان يجب أن نقول لا ولم نقل؟ فهل تبقى لنا شيء من ماضينا أو حاضرنا أومستقبلنا، بل من إنسانيتنا التي تبصق السياسة والثقافة وعلوم الإجتماع لدى الآخر، كل يوم عليها؟ فكيف لا نيأس؟

ماضينا هو الكفر أو التهود. لا خيار آخر. والدين ليس للتفاوض.

وحاضرنا هو عقاب الله لنا بسبب القومية والنساء.

ومستقبلنا الوحيد هو يوم الحساب بأهواله. فكيف لا نيأس؟

هل سمع أحد بإشكال كهذا في إشكالات الوجود؟ هل نكفر أم نتهود؟ وماذا نفعل بالقوميين والنساء لنتقي شرهم وشرهن سوى دفنهم أحياء؟ وهل عشنا حقا على الأرض، حتى نحاسب في الآخرة؟ على أي شيء نحاسب وقد كانت العجول ترعانا؟ وكيف يحاسب من تسوسه العجول؟ وهل حرمت علينا العجول شيئا سوى العقل والفعل والإرادة. فماذا في الأرض شيء يسأل عنه المرء غير هذا؟

ولكن عم سنسأل ونحن لم نتعرض حتى لأعدائنا؟

كم مرة دمروا ما بنينا ونحن نتفرج؟ كم عظيما لنا قتلوا ونحن نتفرج؟ كم قيمة لنا داسوا، كم دما لنا أسالوا؟ ماذا فعلوا في العراق؟ ألم يبيدوا البشر والحجر ليبيدوا الحضارة والهوية، ويبيدوا ثقافة العقل وإنجازات التجربة، ليعلو شأن ثقافة العجول، ويبيد العراقيون عراقهم بأيديهم كما حصل، وبرعاية مباشرة من كهنة الطوائف؟ فكيف لا نيأس؟

هل توقف الناس وسألوا بعد العراق: إذا كان هناك دين ما يتفق مع ما قامت به عجول الطائفية في العراق؟ السؤال لا يتعلق بالسياسة، لأنه لا يتعلق بمن يحكم أو يسيطر، بل يتعلق بذبح الأطفال واغتصاب النساء وحرق البيوت بأصحابها. لو كان ظننا بالله حسنا، لما ترددنا في السؤال عن الحاجة الشرعية لاستعمال العجول في الصلاة والوعظ والحياة الدينية العامة، بعدما تبين أنهم جميعا تجار دماء، ومسوخ طوائف. لكننا أبعد ما نكون عن الله، وأقرب ما نكون إلى الشيطان، الذي هو غياب العقل في إدراك الله. نعبد العادة والبدعة والمصلحة الشرجية والنفاق والتظاهر والتجاهل، وكل الدناءات والشرور التي وجدت من أجل نشرها تلك الجماعة من الناس التي ابتدعتها لعبة الملك والسياسة والأرتزاق. من الذي أتى بهؤلاء إلى حياتنا الدينية، وجودهم بدعة يحرمها الدين بالنص الواضح، وفقههم بدع تستأنف على حلال الفقراء، وتحلل الحرام لآصحاب السلطان والأغنياء. لا كهنوت في الإسلام؟ من الذي أتى بهم إذن؟ وهل الله سني أم شيعي؟ فكيف لا نيأس؟

ويئسنا أخيرا! ولكن ممن؟ يئسنا من أعدائنا الذين “يكيلون بمكيالين” و “يتحيزون لإسرائيل”. ويئسنا من النساء السافرات المتبرجات، ومن الذين يشربون الخمر، ومن الذين يزنون بدون رخصة شرعية صادرة عن عجل فقيه. ولم نيأس مما نحن عليه من عبث يمارسنا، وسخافات تلهو بنا، وعجول تبرطع في ديننا ودمائنا وإنسانيتنا. يئسنا من الله الفكرة والإيمان والعقل وسلمنا عقولنا وأجسادنا لنوع من الدجل لا تخطؤه العين ولا يتعب فيه العقل البسيط. يئسنا حتى من يأسنا، ووضعنا مصيرنا طوعا في أيدي العجول.

حدث شيئان فيهما إعجاز أرضي وإنساني يليقان بحقيقة الله في العقل والناس. لقد تحرك شيء ما في اليأس، يقول أن لا دوام للتفاهة أمام العقل، مهما بلغت من الرسوخ في الزمن. كل سكر يفيق منه العقل أخيرا، لأن هذه هي طبيعة الله الذي في العقل. هذا هو سره الإلهي المودع في

عقول البشر وليس في بطون العجول.

ألأمر الأول حدث سنة 2006 حينما ألمح عقل التاريخ أن القوة النهائية على الأرض هي الإنسان. فهو وارث الأرض وحامل أمانة الحقيقة. كل قوة عمياء نهايتها الموت، ما عدا قوة الإرادة الإنسانية التي تتحكم في فصول التاريخ الأربعة وتجدد الحياة دون أن تلغي شيئا سوى الخطأ والعبث. هكذا حدث يوم أن عجزت قوة اليورانيوم المنضب عن كسر إرادة الفلاحين والعمال والطلبة، ورجال الحقيقة العقلية، في لبنان. تم تسجيل الواقعة العظيمة كالعادة الجدلية في النفس والعقل، وتغير شيء في الناس والتاريخ على أرض هذا الوطن، الغارق في لعبة الحظ والإنتظار، تسوسه العجول.

تحركت إرادة الحياة في الوعي والإيمان والتاريخ والمعرفة لدى فئة من الناس، وقالوا فجأة: لا! لا مبرر لما يحدث لنا سوى خمول العقل والإرادة. هكذا اعتقدوا وتبين أنهم على حق.

كان ما حدث إعجازا لم نعد بعده كما كنا. انتفضت دخيلة كثير من الناس على نفسها، بعد أن عرفوا أن السر في الإنسان وخالقه معا، وليس في أحدهما دون الآخر. هكذا هي إرادة الخلق. حركة محكومة بإرادة البشر وقوانين خالق الكون لمن شاء بدون تثريب، أو قوانين الطبيعة لمن شاء بدون تثريب أيضا. استيقظ وعي الحقيقة في الإيمان، فاستيقظوا بين يدي الله مباشرة، بدون قساوسة أو كهنة مدورين من مرفهي السقوط والدجل والخيانة. عندما يكون هناك خلل في الحال، فمصدره الإنسان، وليس قوانين الطبيعة أو الخلق التي لا تخطيء ولا تسمح لأحد أن يعيش على الخطأ.

وهبت أنفاس العجول الكريهة عندما داهم أصحابها الخوف، تعاند التجربة وتسفه الفعل وتحاسب البطولة والعقل والتاريخ على تغيير قوانين اللعبة التي جبلوا النفوس عليها. ليس دفاعا عن أمريكا وإسرائيل فقط، وهما النمط الأزلي الحليف لهم، ولكن إدانة للإنتصار ” الطائفي “. بدأوا بترقيص الكلام، يتسللون كالشياطين في وسوسات الأراشيف الفقهية، المكونة من أنصاف الجمل والجمل المضاعفة مثنى وثلاث ورباع، ثم انزلقوا متعجلين إلى الخوار الطائفي.

وكاد اليأس يسيطر مرة أخرى من شعب ظل على روتينه في التجاهل والصمت، ولا يريد أن يرى حقيقة أولئك الباغين على كل ما هو عاقل وصادق وخير ونظيف. ولكن قتامة اليأس ميراث ورثناه مع الخوف والتوجس وبؤس التجربة، ولن تزيله تجربة عظيمة واحدة. على السياق أن يجترح مراكمات أخرى، لتترسخ إرادة التحول في النفوس والعقول خطوة بخطوة وتتجمع الجداول والأودية في بحيرة الغضب والوعي.

وإذا كان خطر الواقعة الأولى في أدائها المعجز، وتوقيتها الحاسم، وإنسانها المميز الذي فتح باب الوعي على مصراعيه أمام التجربة، فأن الواقعة الثانية كانت أعظم خطرا في الجوهر من الأولى، وأقرب إلى صميمية التحول. كان التمرد بوسيلة الذات وحدها، بطولة خارقة وفدائية تاريخية يجب أن تستمر. بها تحول السياق، ولكن التمرد البنيوي داخل الذات هو الذي يحفظ التحول ويرفع وتيرته. لم يكن القرار هذه المرة قرارا بالإنتصار فقط. كان اختراقا لمسلمة استراتيجية معطلة كانت تحول دون تكوين الوعي للإرادة، وتحقيق مسلمة انتصار الحق بالإنسان.

كانت ثورة صغيرة في مسجد صغير، افتتحت عصر الوعي والإرادة، تحمل كل مقومات السياق اللازمة للتحول نحو حركة اجتماعية ستكون عظيمة بكل المقاييس. هذا إذا لم يضيع الإنسان العربي الفرصة مرة أخرى.

وقف عجل أصغر من خواره على منبر الجمعة، يتكلم نيابة عن الله من ورقة سلطانية، تقول أن على رعيته أن يتبعوا خطى شيطانه الطائفي. كان من فدائيي الكوكاكولا، كما كان غيره من فدائيي الجبنة الدانمركية ذات يوم. وكان مخلصا للكنافة أكثر من إخلاصه للدين بالطبع، بل لعله لم يكن يعلم من دينه السلطاني سوى علاقته الوثيقة بحوانيت الحلويات. لذلك انزلق في الحماقة، كعادة أمثاله، إلى حد الإبتذال. وجاءت قفزة المصلين النوعية في الرد، لتقول ألا مكان لليأس. لكل حركة مقياسها الجدلي الموضوعي. وقد حان الوقت. ووصل التراكم ذروته في عقل المعاناة وبدأ يسأل:

ما يحدث لنا ليس له مكان ظاهر في العقل أو الحركة أو التاريخ. ماذا تفعل هذا العجول المتخلفة فوق رؤوسنا؟ هؤلاء الباركون والمقرفصون في تعاستنا، لا يجمعهم مع منطق الحياة أو الكرامة أو الدين أو الحاجة جامع، ماذا يفعلون؟ لماذا كلما ارتفع شر المرحلة ارتفعوامعه، وكلما كثروا كثرت المحن والبنوك والشركات والرواتب والحرام والمخدرات وتدهورت الأخلاق العامة والخاصة؟ لماذا ازدادت العمالة الشرعية، واللصوصية الشرعية، والزنا الشرعي، والفقر الشرعي، منذ أن اقتحموا حياتنا بفقه المناصب والثروة، بعد أن كانوا يقتحمونها بالتطفل والكدية وكتابة التمائم، وكتب السحر؟ لماذا يشبهون المرحلة هذا الشبه المريب؟ لماذا يمزقون المجتمعات والأسر العربية بالدين السياسي، يقتحمون نسيجها كالفئران، فيفرقون بالدين المسيس بين الناس بالمصالح الفردية التي تملأ فراغات الحركة الإجتماعية بكل أشكال التناحر الداخلي، التي تمنع الولاء الإجتماعي المشترك للمصلحة، بإثارة الطائفية، والولاءات السياسية المعادية للتطور الإجتماعي والعقلي وللثقافة القومية والوطنية الموحدة؟ لمصلحة من؟ لماذا يفضلون في ترافعاتهم النص المفرق، من فقه شعوبي، وسنن مختلف على صحتها، أسست للطائفية والفرقة والتناحر الدموي على النص القرآني المجمع الذي لا خلاف عليه بين المسلمين؟ أليس هذا لآمر في نفوسهم، هو سر وجودهم أصلا؟

لماذا لا ندير ظهورنا لهم كما أداروها لله؟ ماذا نريد بهم دينا وليس لديهم ما يضيفونه إلى خزعبلاتهم المكررة. لدى الواحد منهم إلهين. واحد للعامة وهو للفرقة والتظاهر ولخدمة الإله الآخر الذي هو صاحب مصنع الكنافة أو حقل البرسيم. فلماذا نواصل نحن تظاهرنا بتبجيلهم؟ أليس هذا شيطنة لا مبرر لها من جانبنا؟ لماذا يقفون ضد كل شيء في صالح الجماعة، ويقفون مع كل شيء في صالح النخبة، ونقف نحن المتضررون دينا ودنيا معهم؟

هنا شيء يذكر بالثورة الفرنسية في تجربة صغيرة مماثلة ولكنها عظيمة المغزى. تلك كان مسرحها البرلمان الفرنسي، وهنا مسرحها المسجد. ولكنها تمثل ذات المشهد السياقي للتحول. فلاحو وفقراء فرنسا ضد الإقطاع والنبالة وعجولها الكنسية، وفلاحو وفقراء العرب ضد الإقطاع المالي والنبالة النفطية والدينية وعجولها التي هي من أسوأ وأخس وأتفه العجول التي عرفها نظام الكهنوت. فهل بدأ التحول العظيم، أم أنها ظاهرة وعي متوتر ستهزمها العجول وأميو الخلافة بالعصا الفقهية وبعض أطباق الكنافة؟ لا أحد يدري حتى الآن. ولكن المؤكد أنها إذا حدثت ستكون هزيمة مؤقتة، وأن التحول قد يعوق، ولكن هيهات أن يتوقف لأن تاريخ العقل وعقل التاريخ لا يتوقفان. وحينما وجه الناس ما وجهوه لذلك العجل الملكي، كانوا لأول يتخذون قرار العقل الموحد والجماعي أن العجول قد تجاوزت قدرتهم على التجاهل، وحان الوقت للدفاع عن النفس في مواجهة سياسة العجول.

كان الناس دائما قادرين على ذلك لولا عادة التجاهل. فهم أقرب إلى العقل، وبالتالي إلى جوهر الدين، من ذلك العجل وأمثاله، ولكنهم كانوا، في حالة يأس الإرادة، أميل إلى السلامة من المواجهة. ولكنهم فوجئوا أن الميل إلى السلامة يبعدهم عنها. عاشوا مع هذه العجول تجربة لم توفر لهم دينا ولا دنيا ولا سلامة. كانوا أكثر من استبيح دمه وحقه وكرامته ودينه في هذا العالم. وكلما ازداد تعلقهم بسلامة الذات اقتربوا من الموت الجماعي الجسدي والمعنوي أكثر فأكثر.

ولا أحد يعرف حقيقة عجول الكنافة والبامبرز مثل الرعية. عرفتهم منذ كانوا يتطفلون على خبزها اليومي في الدساكر والقرى، إلى أن جاء من أقام لهم تنظيمهم الكنسي، وأصبحوا ركن النظام العالمي والمحلي، السياسي والإقتصادي والقمعي والمنصبي الأول. احتلوا المراعي والطرقات والوكالات والمؤسسات والمؤتمرات الدينية والثقافية، وأصبحوا جسدا مكتملا للشر الإجتماعي هذه المرة. أصبحوا فقهاء في كل ما يضر الرعية وينفع الراعي. لذلك تفننوا في كل شئون الجسد التي تعرفها الحيوانات بالفطرة، ليشغلوا الناس بها من ناحية، وليحللوا الحرام الشرعي للحكام ولآنفسهم وللمتخمين بالثروات من أمثالهم. ولو كان لهم أدنى صلة بغير السياسة او التخريب الإجتماعي، لاقتصدوا في فقه ” البامبرز ” والصدقات، لصالح الإنسان في مجتماعتهم، فلم يخدروه ويديثوه بالصدقة، التي لا يمد إليها يدا سوى المحتضر جوعا أو الفاقد للكرامة الإنسانية. فكأنهم لا يعرفون أنه ما تمتع غني إلا بما جاع به فقير، وأن السرقة للحاجة، اكرم بالإنسان من قبول الصدقة من لص أو محتاج آخر، وأن للمصري والسوداني والشامي والمغربي حق شرعي ومدني في نفط الأمة وثرواتها يحق لهم أن يحصلوه بالسيف. ظلوا يستخفون بعقل الورع لدى الكثرة، فلا يحدثون عن الصبر والتعفف والصدق والنزاهة والإستقامة إلا الفقراء. ولا يحدثون بها من يغتسلون بالعطر الباريسي.

كانوا وظلوا وأصبحوا، غثاثة سمجة في الخلق والخلق والعقل ينفر منهم الذوق السليم، ومنطق الكرامة. كانوا وظلوا عارا سلوكيا وثقافيا ومكرها بيئيا وإنسانيا، ورمزا للجمود والتخلف وعجز الوجدان والعقل، قياسا على أمثالهم في حظائر الكهنوت الأخرى، التي تطور ألاعيبها وثقافاتها بعلمانية العقل، ومعاصرة الحركات الإجتماعية من حولها. كانوا كلما ظهروا للناس في محفل دولي، مثل مشغليهم يضحكون علينا العالم بسخافة عقولهم النافذة الصلاحية، وثقافتهم المعوقة ماديا واجتماعيا وعلميا، كأنهم من عالم آخر. كانوا وظلوا وسيظلون، ما وجدوا، لسانا لكل من أراد سوءا بالعرب مقابل أجر معلوم. فما الذي ينقص الإنسان العربي من الدلائل على كل هذه الصفات التي لو حذفت من كينونتهم لما ظل منهم شيء حتى ملابسهم. لماذا لا يدير لهم هذا الإنسان ظهره وهو يعرف أنهم أسوأ ما في حياته، المنكوبة بالعمالة والقمع والفقر وتنكيل العالم به؟ ماذا يريد هذا الإنسان العربي، دليلا على بلواه ومصيبته أكثر من عجل الحادثة، الذي تجاهل المذبحة العربية الدائرة، وتجاوز عما يحدث لرعاياه الكنسيين، من هدر دمهم من سن – 9 أشهر وحتى سن 120 سنة، ليحدثهم عن همومه الطائفية؟ لماذا لا يقول العربي لعصر العجول: كفى! كما فعل أولئك المصلين لله بالعجل السلطاني؟

ما حدث في المسجد، كان انبثاقة من الوعي الذي كان كامنا في النفوس ينتظر اكتمال جدله في التغيير النوعي. لم يكن انتصارا على العدو في المواجهة كما حدث في لبنان، كان انتصارا على العدو خلف خطوط المواجهة. لقد اكتمل جدل المواجهة والصمود سنة 2006، ليسهم في نقلة نوعية أكثر خطرا، سوف تكتمل بدورها لتصبح انتصارا لمعركة الوعي العربي العام، الذي سيحسم معركة المصير. يبدو أن التحول قد بدأ. ويبدو أن العقل العربي الذي بدأ طريق المعنى والقيمة في هذا العالم، سيتخلى عن سكونه في الخلل، ويملأ فراغات الحركة التي يعربد فيها الظلم والقهر، كما تفعل الآن المقاومة القومية العلمانية والجهادية، وكما فعل المصلون بعجل الكنافة الأرعن.