اسقاط نهج حكومات الاحتلال هو الحل لكل مشاكل العراق المستعصية!

جمال محمد تقي

ليست مشكلة اهل العراق شخص وزير الكهرباء ” كريم وحيد” ولا حتى شخص “فلاح السوداني” وزير التجارة المستقيل، او شخص حسين الشهرستاني وزير النفط الحالي او شخص هوشيار زيباري وزير الخارجية منذ اول حكومة منتخبة تحاصصيا وحتى الان، او بيان جبر صولاغ وزير الداخلية في حكومة الجعفري ووزير المالية في حكومة المالكي الحالية، ولا اغالي ان قلت بان المشكلة ليست في شخص رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه، مثلما لم تكن اصلا في شخص اياد علاوي او الجعفري او غازي عجيل الياور او الطالباني والبارزاني، وانما جوهر المشكلة كلها يكمن في طبيعة النظام القائم برمته، فالنظام ان جاز لنا تسميته نظام، لكونه نتاج فوضى غير خلاقة ادارها محتل غاشم باجندات متمددة تسعى الى تفصيص العراق والغاء هويته الوطنية، واستخلافه لمستقبل مليء بالانقسام والضعف والتبعية، هو بطبيعته يشكل ملامح من ينخرط فيه، وبطبيعة الحال سيكون معظم المنخرطين من ذوي الاستعداد للتلون والتشكل وبحسب مقتضيات المصالح والمطامع وبحسب منطلقاتهم الذاتية والموضوعية، ودليلنا على صدق ما ذهبنا اليه ان جميع من ذكرناهم على سبيل المثال وليس الحصر هم بملامح تكاد تكون متشابهة حد التطابق عندما يمارسون دورا مؤثرا فيما يجري داخل العراق او خارجه، وخلافاتهم على الحصص والكراسي لا تعني البتة بانهم غير متشابهين، وذلك لانهم بنفس الوقت متنافسين ضمن مضمار محدد المساحة وبمدى دائري وبعلامات لا تسمح الا بالدوران حوله، فاليات عمله لا تسمح في اللعب خارج ساحته، وهي تعتبر مراهنات الجمهور على منافساتهم نوعا من الانتخاب الديمقراطي الذي يغريه بالارباح المجزية، فلا سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية مستقلة عن بعضها على الرغم من وجود هياكلها، ولا احزاب عاملة بوفق قوانين محددة على الرغم من تعددها وكثرتها، اما دستور الدولة نفسه فهو معد سلفا ليكون عبارة عن قنابل موقوتة بوجه كل من تسول له نفسه الخروج من هذه الدوامة ولاي سبب كان، نظام يعتبر الاثراء من سرقة المال العام غنيمة لا يجب التخلي عنها مادمت السلطة نفسها غنيمة!

ان ميزة حكومة نوري المالكي الوحيدة على قريناتها السابقات، انها امتلكت ناصية زمنية متكاملة طيلة اربع سنوات متتالية، فبعد احتلال العراق 2003 كانت ادارة بريمر هي اول من حكم العراق حكما احتلاليا مباشرا، وبعدها بسنة كلف علاوي بتشكيل الحكومة العراقية الاولى واستمر لمدة ستة اشهر حتى سلمها للجعفري اثر مراهنات الانتخابات الانتقالية العامة وبعد مراهنات الانتخابات العامة الدائمة 2005 جيء بالمالكي كبديل تسوية عن الجعفري بسبب اختلافات بينية وهو قد فاز بفرق صوت واحد على عادل عبد المهدي اثناء اختيار رئيس وزراء من التحالف الشيعي الذي كان قد حاز على الاكثرية من اصوات المراهنين.

ميزتها تلك لها وعليها، فهي قد جسدت قلبا وقالبا ما مطلوب منها امريكيا، كتمرير الاتفاقية الاستراتيجية مع الامريكان، وغلغلت نظام المحاصصة في الجيش الحكومي وكل اجهزة الدولة، وخربت الاقتصاد العراقي وجعلت العراق فريسة لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وراحت تتحايل لبيع القطاع العام والسير باتجاه الخصخصة، وفتحت اسواق العراق امام كل ما هب ودب ومن دون حماية للمنتوج الوطني، وكانت نفطيا مفرطة وغير جادة بحماية حقوق العراق وتطوير مؤسساته النفطية الوطنية، ناهيك عن مجاراتها للمحاصصة النفطية اثنيا مع ما يسمى بحكومة اقليم كردستان، وعلى الرغم من الميزانيات السنوية الضخمة التي حظيت بها بسبب زيادة اسعار النفط والتي بلغت حينا المئة دولار للبرميل الواحد الا انها لم تنجز اي عملية اعمار او اعادة بناء حقيقية وفي اي مجال حيوي من مجالات البنية التحتية التي هشمها الحصار ومن ثم الاحتلال الامريكي للعراق لا في مجال الماء ولا الكهرباء ولا الطرق والجسور ولا التعليم ولا الصحة ولا فيما تبقى من زراعة او صناعة!

سياسيا فشل المالكي في تحقيق ما كان قد اعلنه عند توليه المنصب، فلا مصالحة وطنية بل تكريس للانقسام والتخندق، ولا خروج للعراق من وصاية البند السابع، ولا علاقات متكافئة مع دول الجوار، ولا تكريس للجهود من اجل عودة النازحين والمهجرين، ولا تركيز على الارتفاع بنظام الخدمات العامة!

اما ما تتبجح به الابواق الاعلامية لحزب الدعوة ومكتب رئاسة الوزراء من ان حكومة المالكي قد حققت الامن وهزمت الميليشيات وتنظيمات القاعدة فهو ادعاء مردود عليه، لان الصحوات هي اختراع امريكي تمويلا وتخطيطا، وصولات المالكي هي حملات امريكية بثوب عراقي، ومع كل هذا فان الامن وباعتراف الجميع مازال هشا، وما عملية البنك المركزي الا دليل قاطع على ذلك، بمعنى ان امن المواطن ليس باياد امينة!

ان استقالة كل وزارة المالكي بصعقة الهبة الشعبية، لا تلبي الحد الادنى من المطالب الوطنية، فمن دون حكومة وطنية متخصصة نزيهة وانتخابات حرة بقانون عادل ودستور بناء وقانون صارم للاحزاب، ومن دون مصالحة وطنية حقيقية، لن تكون هناك حلول جذرية للمشاكل القائمة، لان الفساد ينخر كل جسد احزاب الطوائف والمكونات وتطلعاتها!

ان استقالة وزير الكهرباء لا تعني شيئا بالنسبة للمستائين من حالة الانحطاط الشاملة لكل انواع الخدمات العامة ومن الاداء الفاشل لحكومة هي ربيبة لعملية سياسية لا وطنية، فالحر والشر اطبقا على اهلنا ولا خلاص منهما الا بثورة عارمة تكنس الفساد واعمدته المتكاثرة!