أمن لبنان..والانتهاك المتعدد الجنسيات!!

العميد المتقاعد امين حطيط

بثورة الارز الاميركية “، وبـ”حرب اسرائيل على لبنان” تشكلت صورة المشهد اللبناني بشكل جعل البعض يفاخر بـ”الاستقلال الثاني” الذي تمظهر حسب رأيهم بسيادة مكتملة وقرار حر وفتح الباب امام اطلاق “مشروع الدولة وتحقيق العدالة وارساء الديموقراطية الى آخر ما هنالك من الحان معزوفة الثورات الاميركية الملونة”. لكن الواقع كذَّب الادعاء، حيث أظهر، انكشافاً للامن، وتفريطاً بالسيادة، ومصادرة للقرار.. نقول هذا مع علمنا بأنه قد يصدم البعض وقد يرد برفض ذلك وانكاره، ولكن اذا عدنا الى الميدان سنجد من الشواهد الكثير الكثير الذي يؤكد ما نصف به مفردات “ثورة الأرزو”حرب “اسرائيل” على لبنان” والقرارات الدولية التي تبعت الأمرين.


ففي الإطار الامني الداخلي، نجد ان الاجرام في لبنان تنامى وتصاعد الى حد ارتكاب 14 جريمة تفجير واغتيال سياسي في اقل من سنتين، دون ان تكشف جريمة واحدة من كل ما ذكر. ولا يقل فظاعة عن الافعال الارهابية تلك، نشؤ ظاهرة التجسس والعمالة “لاسرائيل” بشكل وحجم غير مسبوقين في لبنان منذ ان نشأ الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين”. ظاهرة سهَّلت نشوءها البئية الأمنية والاستراتيجية التي انتجتها “ثورة الارز”. إنها ظاهرة سببت الكوارث والمآسي للبنان ولا نرى انها انتهت مع ما كشف عنه من شبكات التجسس والعملاء (في اقل من سنتين اوقف 154 ساقطاً في العمالة والخيانة لمصلحة العدو) عملاء وجواسيس زرعوا في كل القطاعات والشرائح الشعبية والرسمية الى ان كان اعتقال الاخطر بينهم مؤخراً وهو موظف شركة الخليوي “الفا” الذي نعتقد أنه احد المفاتيح الرئيسية المسهلة للجريمة والمخلة بالأمن في البلاد بسبب موقعه المؤثر على منظومة الاتصالات.


و للايضاح اكثر نقول بأن منظومة الامن تتشكل من عناصر ثلاثة: عنصر الرصد والمتابعة والتعقب، وعنصر المطاردة الميدانية والضبط، وعنصر المحاسبة والقضاء. وهنا نجد ان الاتصالات تؤثر فيها كلها، فلا فاعلية للعنصر الاول من غير اتصال، اذ لا قيمة للمعلومة ان لم تصل في الوقت المناسب، ولا فاعلية ونجاح للعنصر الثاني ان لم يحرك او يتحرك او يزود بالمعلومة في الوقت المناسب، (لنتذكر ان الاتصالات الخليوية كانت تعطل دائماً لمدة 20 دقيقة فور وقوع تفجير او جريمة في لبنان وهي المدة اللازمة لهرب المنفذين من مسرح الجريمة) اما القضاء فانه قد يخدع بتركيب اتصال يتخذ قرينة او دليل اثبات فيتجه في تحقيقه بعيداً من اتجاه الحقيقة فيترك الجاني ويشاغل البريء تماما كما حصل أثناء التحقيق في جريمة قتل الحريري حيث بني هذا الأمر على ركيزتين اساسيتين، شهود الزور، وقاعدة المعلومات في الخليوي التي تبين ان اسرائيل” تتحكم بمفاصلها عبر عميلها الخطر، وهذا ما تسبب بتخبط التحقيق مدة 5 سنوات دونما نتيجة سوى اعتقال 4 ضباط ظلماً من غير بينة. وهذا ما قد يؤدي ايضاً وبعد انكشاف العميل الى عودة التحقيق الى مراحله الاولى اذا كانت قاعدة المعلومات وحدها هي دليل الاثبات الاساسي فيه، وها هي تفقد صدقيتها.


هذا في الداخل اما في الجنوب،فان للسيادة والامن مشهداً آخر حيث نسجل خروج “اليونيفيل” على القرار 1701 في أكثر من مجال، وهنا نلفت الى ان شرعية وجود قوات اجنبية في لبنان تعمل تحت علم الامم المتحدة مستمدة من القرار 1701 الذي قبله لبنان، فاذا خرجت هذه القوى عن القرار انقلبت الى قوات احتلال، وفي الواقع الحالي نجد انتهاكاً للقرار من قبل “اليونيفيل”، يرافقه انتهاك للامن من قبل “اسرائيل”. ولا يغير في المشهد ويبدل في المسؤولية لوم “اليونيفيل” للجيش بعدم التعاون” او رفضها لتحرُّك الاهالي ضد انتهاكها، لأن الجيش اللبناني الحريص على السيادة لن يساعد احدأ في انتهاك سيادة وطنه، ولأن الاهالي الذين قدموا الجسيم من التضحيات من اجل التحرير لن يفرطوا بحق من حقوقهم.


وهنا لا بد من ان نسجل كبير استهجاننا للمناورة الاخيرة التي قامت بها قوات “اليونيفيل”، واصرت عليها رغم رفض الجيش اللبناني لها، (احسنت قيادة الجيش في موقفها الرافض لها لانها ادركت جيداً وبشكل محق ان المناورة تشكل خروجاً على القرار 1701 بمجرد فكرتها وعنوانها القائم على حماية “اسرائيلمن هجوم صاروخي عليها من لبنان). ونذكر هنا بأن “اليونيفيل” يجب ان تراعي تطبيق القرار 1701، الذي أوقف الاعمال القتالية، فان استؤنفت هذه الاعمال من قبل اسرائيل فان الامر سيفرض رد المقاومة على الاعتداء، وهنا يصبح القرار 1701 غير ذي معنى، ولا يكون لقوات “اليونيفيل” دور بعد ذلك لانها لا تواجه “اسرائيل” اصلاً. وهنا نسأل قيادة “اليونيفيل” هل انهم يتصورون ان المقاومة ستبقى تتفرج على القوات “الاسرائيلية” اذا دخلت الجنوب؟ ام ان المقاومة والجيش والشعب سيسمحون لقوات “اليونيفيل” بان تقاتل جنباً الى جنب مع “اسرائيل”؟ الاجابة معروفة بالنفي طبعا، ولذلك نقول ان فكرة المناورة بذاتها – اي العمل على مواجهة الاهالي وتفتيش منازلهم لمصلحة “اسرائيلودون موافقة او اشتراك او تنسيق مع الجيش اللبناني – الفكرة بذاتها تعد انتهاكاً وخروجاً على القرار 1701، ولذلك يجب ان يفهم تصرف الاهالي بانه دفاع عن الكرامة والسيادة الوطنية التي انتهكتها قوات اجنبية بخروجها على صك انتدابها ففقدت شرعية وجودها، اذ لن يسمح احد بان تتحول “اليونيفيل” الى حارس شرعي لامن “اسرائيل” ومن الارض اللبنانية وهذا موقف نهائي لن ينفع (معه) تهديد الاوروبيين بالانسحاب من “اليونيفيل” ثم العودة عنه.


و يبقى امر المواطن اللبناني الذي كان يرعى ماشيته في الارض اللبنانية المحرّرة فاختطفته “اسرائيل” وضربته وعذبته وكانت القوات الدولية تراقب ولا تفعل شيئاً، كما كانت في الوقت ذاته تنفذ مناورتها الخارجة على القرار 1701، وهنا نبدي ملاحظتين: الاولى وتتعلق بدور “اليونيفيل” التي كان عليها ان تمنع الخطف وهذا واجبها، وان لم تستطع كان عليها ان تحشد القوى وتجري المناورات لمنع ذلك في المستقبل خاصة وان الفعل تكرر لمرات عدة منذ وجودها في لبنان، اما الملاحظة الثانية فتتعلق باهمية المقاومة وفاعليتها حيث انه في الفترة ما بين 2000 وال 2006 – حين كانت المقاومة على الحدود – لم تجرؤ اسرائيل” مرة واحدة على الاعتداء على لبناني واحد حتى ولو لامست قدمه شريطها الشائك على الحدود، او سبح آمناً في مياه الوزاني.


وبعد هذا نذكر بانه في العام 2004 صنف لبنان من قبل الانتربول في مرتبة الدول الاولى امناً في العالم، وكم نصبو اليوم الى العودة الى هذه المرتبة، ولا يكون بلدنا مسرحا للعملاء والجواسيس، ولا يكون جنوبنا مستباحاً من “اسرائيل” حيث تنتهك فيه القرارات الدولية، لكن العودة الى ذلك تبدو مشروطة، بتغيير في نظرة البعض الى “اسرائيل”، لتعود الى الاذهان كلها بانها عدو فعلي للبنان، ويترافق ذلك مع تنقية الجسم اللبناني من جواسيسها وعملائها من رسميين وغير رسميين، اما في الجنوب فينبغي ان تخاطب قوات اليونيفيل” بحزم بوجوب احترام القرار 1701 وعدم القيام باي تحرك لا يطلبه او يرضى به الجيش اللبناني، فضلاً عن وجوب ابلاغ من يعنيه الامر بأن المقاومة لن تصبر طويلاً على عربدة “اسرائيل”، ودخولها الارض اللبنانية والاعتداء على امن المواطنين.

:::::

“البناء” اللبنانية

http://www.al-binaa.com/newversion/article.php?articleId=4184