زهرات جدتيّ ومدائن عمتي: معالم في الطريق

اليز اغازريان

إن قيادة المرأة المنفية للبشرية قد أوشكت على أن تكون زيتونة لا شرقية ولا غربية، لا قروية ولا مدنية، لا برجوازية ولا بروليتارية، لا عالمة ولا جاهلة، لا خارجية ولا داخلية، لا ذكرية ولا أنثوية، لا واقعية ولا خيالية وإنما كينونة حيوية جدلية…

عرفتُها وهي تعدّ قهوتها الصباحية بأغانيها التركية المليئة باللوعة… كانت تصر على أن نتحدث معاً باللغة الأرمنية. أما العثمانلية فتذكرها بذاكرة الأشياء الأولى: تعلّمَتها عن والدتها التي أنجبتها على الحدود بعد تهجيرها من إحدى القرى الأرمنية المحاذية للبحر المتوسط قبل قرابة قرن. ولدَت في الإسكندرونة، بين تركيا وسوريا، وانتهى بها المطاف إلى القدس. كانت الفرنسية التي تعلّمتها في المدرسة الداخلية بعد وفاة والدها لغتها الأخرى. تذكّرها بالحداثة التي عاشتها قبل تزويجها في ربيعها الثالث عشر، وتشعر بمودة خاصة للغة “الحضارة” تلك. كانت تعلّمنا بعض الأغاني الميلادية بالفرنسية ونحن أطفال، تستمتع هي بمذاقها، بينما نتبسم نحن أحفادها بخبث استعداداً لمحاكاتها. أما العربية، لغتها الرابعة، فقد كانت بالنسبة لها مرتبطة بترقب ما. كنت استشعر ذلك الوهج المرتبط بحداثة اللغة العربية كلما رأيتها هي وعمتي تتابعان الأخبار عبر صوت المذياع أو التلفاز بسجائر عمتي وقهوتها الملازمة لها، وكلما رأيتهما تتابعان الأفلام العربية الملونة بتدرجات الأبيض والأسود. العربية أيضاً، التي يتخللها من هنا ومن هناك كلمات من لغات أخرى، كانت لغة السياسة: موضوع صاخب في منزلنا المشترك، بمناظراته وسجالاته المفعمة بالصخب والضوضاء. فاللغة العربية، التي بزغت في حياة جدتي نانا وعمتي هايجانا، تزامنت في حياتهنّ بالثورة على معتقدات النظام العثماني، نحو أفق واعدة بـالتقدم والاستقلال وتحرير المرأة.

تربطان حرفتهما بواجب وطني: صناعة إمرأة “عصرية” منخرطة في المجتمع (على شاكلة أدوار بعض بطلات أفلامهما مثل ماجدة وفيروز وفاتن حمامة…). لطالما آمنتا بالمرأة “الحديثة”، “الأنيقة”، “المنخرطة في المجتمع”، “الموهوبة”… وكان معقل نشاطهما منذ أكثر من خمسين عاماً “محل هايجانا” في “حي الزهراء” في القدس الشرقية. حي عُرف يوماً بحداثته. تصلين إليه بعد مرورك من شارع السلطان سليمان، ثم حي صلاح الدين من جهة وشارع الرشيد من جهة أخرى، ثم تقابلين متحف روكفلر البريطاني الفلسطيني، ودكانة “زهرة المدائن”: أسماء تقرّب المرء من دكان جدتي وعمتي الصغيرة المليئة بالمرايا، والخيطان الملونة، والأقمشة، والمجلات العصرية، وماكنات “سنجر” للخياطة والحبكات والحكايات والأخبار.

تدخل “المدامات” الدكان، ويخترن “الموضة” عبر مجلة “بوردا” الألمانية وبعض المجلات الفرنسية. تبدأ جدتي بتفحص جسد “المدام”، ثم بتشخيص الحالة والتكتيك، على إيقاع نقاش ألوان وأنواع القماش الملائمة، وما جاء من جديد في محلات “بطشون” و “أبو خلف” للقماش، يتخللها أخباراً سياسية واجتماعية، لتبدأ عملية جدتي وعمتي هايجانا وزميلتهما رويدة الماهرة على القماش. تتفحصها عمتي بعناية في الطابق الثاني واضعة نظاراتها السميكة السوداء، وتأخذ بدراسة وهندسة تفاصيل القماش بمسطرتها الطويلة، وكشتبانها اللامع، والخيط المتناغم أو المناقض للون القماش، وصابونها البلوري الذي تستخدمه لرسم المعالم الهندسية. تبدأ بعد ذلك بسلخ القطع بحسامها وإعادة تناسخها، وإعدادها ليوم “البروفا”، حين تنعكس “المدام” في المرآة في أجواء من القهقهات والتعليقات والأقنعة، لتجرب مسودة الرداء الذي سرعان ما يتحول شيئاً فشيئاً إلى ثوب حديث. أما رويدة، الفارسة الثالثة في الدكان، والمنحدرة إلى عائلة مقدسية من مدينة الخليل، فقد عاشت روايات النسوة المختلفة عبر أباريق الشاي الدافئة التي كانت تخرج من يديها الجميلتين وعبر حبكاتها المتفانية وهدوئها المتكلم.

عهد من عرف جدتي من سلالة والدي على تسميتها بـ “الست أليس”، وعهدنا نحن على تسميتها بكلمة “نانا”، لتمييزها عن جدتنا من سلالة أمي “إنصاف” الحنضلية التلحمية (من بيت لحم) التي تصغرها بقرابة عقد من الزمن، وتدعوها قلوبنا بكلمة “تيتا”. كثيراً ما استشعرت بالجنة تحت قدمي تيتا، وروتنا منذ الطفولة بتراث المريمية. كنت أشعر منزلها مغارة للحليب الذي تصنعه بحبيبات الرز اللذيذة. إنصاف التي تحمل بجبها منجماً من الحكايات الشعبية الفلسطينية، وتعرف كيفية التخلص من “العين” بالتعاويذ، وكيفية فتح الفنجان (مع سجائر “فريد” وحبها الدفين لفريد شوقي وفريد الأطرش الذي تعبر عنه بقهقهة خجولة)، وصوفيتها وصلاتها المسيحية المستمرة التي تحكي حكايا التراب. كثيراً ما أشعرها حية أزلية بين الأشجار والأرض والخبيزة والمريمية والنعنع والدوالي والفقوس والصعتر والمشمش والكوسا والملوخية والكعك والسمسم والصفرم والثوم والكشك والجبن المكسو بحب البركة والبخور،… عالمها الحيوي النابض الذي ورثته عنها أمي.

في زاوية أخرى من نفس المدينة، كانت “نانا” تستمتع بسلطة فحص البروفا. تشرف على تناغم الأجساد والأقمشة والخيوط والخرز والأزرار الملونة التي ستخرج من مصنعها بعناية، وتقوم بدراسة مسودة الرداء لملاءمة جسد المرتدية. أخبرتني أن حلمها بأن تصبح طبيبة لم يتحقق نظراً لتزويجها القسري أثناء طفولتها، فأخذت تعبر عن ولعها بالطب من خلال “فن الأزياء” (الذي يتطلب أيضاً التشريح، ويتضمن دوراً ومكانة، إن لم يكن سلطة ما تجذبها). كانت تستمتع سراً بالإطراء على أدائها بعد أن يجهز الرداء، فتراقب وجه “المدام”، وردة فعلها، وتأخذ خلسة بالنظر إلى المنتوج من خلال المرآة التي تواجهها للتأكد من أن كل شيء على ما يرام، ثم يبدأ تعليقها بالعربية أمام الزبونة (وبالأرمنية والعثمانلية والفرنسية مع عمتي) فيما يتعلق بالملف المالي.

تخبرني أن حي الزهراء كان حديثاً أو “موديغن” (تنطقها بلهجة فرنسية حالمة). ففيها تم تأسيس أولى فنادق القدس، وكان هناك سينما ودكاكين جميلة، و”كانت النساء يجبن الطريق ببدلاتهن وقبعاتهن الزاهية”. تقف اليوم بعض المكاتب وشركات السياحة، ومحل قرطاسية، ومقهى، ومحل للتصوير، ودكان يبيع مستودعات ومساحيق للتجميل، وبعض المطاعم والمحال التي عاشت تاريخها. “أما اليوم، فقد تغيّر طابع الحي” تشير باغتراب برجوازي: أصحاب حوانيت يبيعون إكسسوارات ومناديل تركية وصينية، ومحلات ملابس وأحذية ومنتوجات غذائية إسرائيلية، وأشرطة دينية وجلابيب، وشرائط عربية منسوخة لفنانات يظهرن أحياناً عبر الفضائيات. لم ينسجم أياً من ذلك مع رؤى “المرأة العصرية” والحلم التقدمي الحداثوي الذي كان أشبه بموقف عقائدي بالنسبة لنانا وعمتي هايجانا. ولذلك لا يمكن اخفاء اغتراب هذه السيدة وغيرها من السيدات في جيلها من التحول في الأيديولوجيا السياسية والدينية في القدس بعد التسعينيات. كان نمط الحياة هذا بالنسبة لهن كطعنة في ظهر مبادئ الحداثة والقومية العربية التي ثارتا مع صديقاتهن من أجلها في صراعهن مع أمهاتنّ وجداتهنّ ذوات النزعات العثمانية. غير أنهن أخذتا تتعودان على الفكرة مع الوقت.

كنا أثناء طفولتي نعيش تحت سقف واحد. كان منزل جدتي وعمتي هايجانا في قعر البلدة القديمة، يطل “السطوح” على “المشهد”: بيوت متراصة، الكنيسة التي أعدِم فيها القديس يوحنا المعمداني، كنيسة القيامة وجامع عمر، قبة الصخرة والمسجد الأقصى بمشهده الكلاسيكي، ومن بعيد يطل جبل الزيتون ومستشفى المطّلع، التي يُحكى أنه بناها القيصر وليام الثاني تكريماً لزوجته أوغستا فيكتوريا. وعلى اليسار، كنيسة الموارنة، والكنيسة الملكية، ومدرسة مار يوسف الانيقة، وفندق البتراء، وقلعة داود. وفي القاع، بركة سليمان، مركز النفايات في البلدة القديمة التي تروي جدتي أن الملك سليمان أو داود رأى امرأة تستحم هناك، فراقت له، وأرسل زوجها إلى الحرب ليتزوجها ويستولي عليها، “يرسلون الرجال للحرب والنساء يقدن حياتهنّ بطرقهنّ الخاصة” تخبرني جدتي. قيل أن المنزل كان في الماضي نزلاً أقام فيه بعض الكتاب والشخوص مثل هرمان ميلفيل ومارك توين وغيرهم. كانت جدتي نانا تنزعج من صوت الآذان قرب غرفتها الذي أخذ يعلو أكثر فأكثر في الثمانينيات. حلت الشرائط محل أصوات الناس. “الإيمان صار عنيفاً وفقط مظاهر. كان في السابق أعمق”. كان موقفها هذا يؤدي إلى جدل حاد مع والدي الذي كان يصر أنه طقس يحبه في المدينة، والذي كان أثناء طفولتي يعلمنا بعض الآيات القرآنية كي نلمس جمالية اللغة العربية، ويعرفنا دوماً على مختلف “رفاقه”، ويخبرنا الحكايات والظرائف عن القدس الذي تماهى مع حجارتها.

كانت كل زهرة تحوكها نانا تستغرق بعض الوقت. أما تركيب الخرز على الأقمشة، فقد كان يستهلك أياماً، وجهداً جهيداً وتركيزاً بصرياً ويدوياً. ولذا، لا عجب أن تحتقر خياطة المصانع وسرعتها التي تفوق البصر. يختلف ذلك عن الطقوس الزمانية والمكانية لمختبرها: فقد تضمن ذلك التعرف على السيدة واستحواذها بطقوسها الخاصة: مراسم شرب القهوة “الأرمنية”، اختيار الأقمشة وملحقاتها، وفحص جسد السيدة، ثم البدء بالعملية وملاءمة القماش للمرأة، مع حذف وإضافة من هنا وهناك، ليتحول إلى مرافق للجسد. خلال سنوات الثمانينيات، برز لدى “نانا” عداءاً دفيناً للبنطال. فبالنسبة لها، لم يقم البنطال فقط بإبعاد زبوناتها عن سطوتها، بل اقترن أيضاً بمرحلة أدت إلى تغيير صورة “المرأة العصرية”، بل وتغيير الأحلام البنفسجية التي آمنت بها، نحو نظام جديد أكثر أسرلة وأمركة وأسلمة. فقد أخذت النسوة يخفين أجسادهن شيئاً فشيئاً. وبدلاً من ملاءمة القماش للجسد، أخذت النسوة يفعلن العكس من خلال برامج الحمية لتناسب “الحواضر” المصنّعة في إسرائيل، أو المستوردة من تركيا والصين والولايات المتحدة. “ولكن هذا أكثر تحرراً من التنورة والزي المفرنس” كنا نقول لها. غير أنها لم تقتنع بعنادها المبرجز المعهود. أما بنطال “الجينز”، فلم تتقبله كلية في البداية، بل كانت تشعر أنه “اختراع أمريكي عنيف وغير أنيق”. أثناء مراهقتنا، كثيرا ما واجهت الأمرين من حفيداتها مع إصرارهن على تحديها ولبس بنطال الجينز، وكانت تحاول إغوائنا بتصميم أي ثوب نريده، مهما كان قصيراً، بشرط ألا نلبس بنطال الجينز. ومع إصرارنا على التمرد على معتقداتها، ومع شيوع بنطال الجينز، حتى من قبل بعض زبوناتها المحببات، ومن منطلق ضرورة كون المرأة أحياناً “سبورت” (“سبوغت”) على حد قولها، سرعان ما تعودت على الفكرة.

منذ أوئل التسعينيات، أخذ ارتياد الزبونات إلى المحل يخبو، باستثناء بعض النسوة المتعلقات بصومعة مصنع “المرأة العصرية”، أو الراغبات بتعديل أجزاء من ملابسهنّ، أو تصميم فساتين على أهوائهن، أو تلك المسحورات بمغناطيسها الذي يجذب الدبابيس. “كان دكاني معهداً” تقول بنبرة مبالغة. “في زمني، لم يكن عادياً بالنسبة للمرأة أن تعمل. ثرتُ على المجتمع وتمكنت من فتح دكانة في كانون الثاني عام 1960 وأدرتها لوحدي”. تروي لي عن تلك الأيام التي “كانت البنات يدرسن الخياطة في “محل هايجانا” ويحصلن على شهادات”. “كنت أنظم عروض أزياء ودعيات تظهر في صالات السينما”، “كان هناك محلاً قرب دكاني يبيع قبعات وأحذية تنسجم مع الفساتين”… تنتقل كعادتها إلى الحديث عن حياة زبوناتها، وطالباتها، وشخوصهن، وفساتينهن، وأذواقهن، وقصص حبهن، وعلاقاتهنّ مع القضاء والقدر، وأزواجهنّ، وأحفادهنّ، وكأنهن زهرات من الزهور التي تصنعها بالقماش.

كان لها سطوة ما… يتخوّف منها نساء ورجال العائلة. تتفحص المرء بعناية بنظاراتها الخاطفة. ثم تبدأ بالمقايضة على ما تريده، مستجدية العطف حيناً، والقسوة حيناً أخرى. كان يتسنى لي أحياناً مشاهدة وجهاً آخر من وجوهها العديدة. من ذلك عندما عندما كانت تقص عليّ حكايات أرمنية قديمة حول القضاء والقدر، وأحداثاً تاريخية ترويها بتغيير نبرة صوتها. فكونها قد ولدت في الربع الأول من هذا القرن قد أتاح لها معاصرة أحداث مثيرة، مثل قيام إرهابيين اسرائيليين بوضع قنابل في القدس أثناء الانتداب التي أودت بحياة إحدى صديقاتها. من ذلك أيضاً عندما كنت أراها تستمع أحياناً إلى موسيقى المغني/ة التركي/ة بولنت ارسوي وتاتليس اللذين يذكرانها بوالدتها، وكثيراً ما وجودتها تضع هذه الأشرطة وتغني بالتركية بدموعها التي تنهمر كنهر الفرات. في إحدى الأيام، خبرتني حكاية إسمنا المشترك. “والدتي حبلت بأختي وبي بعد أن تم قتل جميع أبنائها السبعة… ماكروهي واليز كانتا اسماء اثنتين من فتياتها المقتولات. ظنت أنّ معجزة ما قد حدثت بما أنها كانت في أربعينياتها، وأن أبناءها الأموات سيعودون إلى الحياة. فأسمت البنت المعجزة الأولى ماكروهي والثانية اليز. اليوم ماكروهي في بغداد وأنا في القدس”. “لماذا اختارت اسمكنّ بالتحديد؟ هذا غير عادل!” كنت أقول. كانت تجيب بنظرة جاحظة، دون إجابتي لماذا اسمنا استمر وتم إبادة بقية الأسماء.

تحاول في بعض المناسبات ارتكاب الحيل. من ذلك التمارض متى شاءت ممارسة سطوتها أو فرض بعض رغباتها، أو تضخيم الجانب الشبابي من شخصيتها متى أرادت كشف أسرار أحفادها من الشباب. “كنت أرقص الشارلستون مع الفتيات في مدرسة الأيتام أثناء طفولتي. كنت من البارعات” كانت تتباهى هي، وكنا لا نستطيع نحن تخيلها ترقص. كثيراً ما عبّرت عن اغترابها عنا، وسلّطت عدساتها على ضرورة زواجنا نحن الحفيدات، الأمر الذي ضاقت ذرعاً منه، ثم مع الوقت حول ضرورة قيام من تزوجن بإنجاب أولاد ذكور كي “لا يفنى الشعب الأرمني”، والذي أيضاً كان يثير غضبنا واستفزازنا لها… فتذكرنا بالإبادة الجماعية للذكور الأرمن خلال المجزرة الأرمنية، وبقاء النساء ليعبرن صحراء دير الزور ويدخلن سِفر العبور وإلياذة الخروج ويعانين الصعاب التي لم تنتهي مذاك.

كانت تحدثني دوماً عن صديقتها المقدسية المقربة “خالتكم أم محمد الإمام…” والتي تشاركها ثقافة اصطلاحية مشتركة. وكان هناك تبادل مشترك معها ومع صديقاتهن المختلفات: نورا وعيدا وسميرة وسعاد وغيرهن، اللواتي على شاكلة عمتي مزجن بين الأناقة والمشاركة المجتمعية، إضافة إلى بعض الأصدقاء من أبو غوش، والجيران أراكسي وأنطون بحسهم الفني المرهف وطهيهم اللذيذ والصور الجميلة التي يلتقطونها للقدس.

كان لنانا أيضاً صديقة يهودية من عائلة “خازان” تزورنا ونحن أطفال. “كانت أهوفا خازان صديقتي قبل تأسيس دولة إسرائيل” تروي لي جدتي: “عاشت عائلة أهوفا في فلسطين منذ مئات السنوات وليست من القادمات الجدد”. كانت أهوفا تصبغ شعرها دوماً وتزدهي بالحلي، وتضع كف خمسة (كف فاطمة) على رقبتها وكانت مفعمة دوماً بالحيوية. كانت تحمل الروح اليهودية الجميلة التي تحاول إسرائيل تدميرها. توفيت أهوفا من مرض السرطان قبل نحو عقد من الزمن. تتذكر جدتي “تلك الأيام” بحنين.

عمتي “هايجانا” التي أطلق اسم الدكان على اسمها، لم تؤيد مع “نانا” في كل شيء: “كنت من أوائل السيدات في القدس اللواتي ارتدين البنطال”. كان لها مقدرة جيدة على الاستماع، وكانت دوماً ملازمة للأخبار السياسية التي عصف بها منزلنا المشترك أثناء طفولتي. كانت أيضاً تتابع في الماضي بعض المجلات المصرية التي تعالج قضايا المرأة. تلازمني ذكراها بأغنية زهرة المدائن. لها ارتباط خاص بالطقوس المقدسية. تروي لي عن تلك الأيام التي كانت فيه القدس “مفتوحة”، يأتي الحجاج الأقارب خلال عيد الفصح، ويبيتون في منزل العائلة القريب من كنيسة القيامة. يجذبها شيئاً غامضاً إلى فكر القوميين العرب المصري، والفكر السوري القومي الاجتماعي، والملازم لها مثل سجائر “امبيريال” ومواقفها المعادية لـ”الامبريالية”، وقهوتها “الأرمنية” بطقوسها الخاصة (قهوة محروق غامق بلا هيل ومطحون من قبل “الحاج منيب”) الذي تشربه مع “سكر قليل”، وراديو مونتي كارلو، وشعرها الأنيق دوماً على طراز “شينيون”، الذي يقوم “سركيس” الماهر (الذي كانت ترقص معه أيام الشباب) بتسريحه كل أسبوع.

تتابع جدتي وعمتي الأخبار بشكل جدي. فالاستماع إلى الأخبار هي من إحدى شيم “الحداثة العصرية” التي آمنت بها نانا: “على المرأة تذكر المناسبات ومتابعة الأخبار”. كانت نانا تصدّق ما يقال، بما أن ذلك يأتي من “التلفاز” ومبني على “وقائع عقلانية” و”ليس خطابات”، بينما كانت عمتي تطلق الإيماءات تهكمية “تسك تسك تسك”. وتنظر بطريقة نقدية فاحصة. أما نحن حفيداتها، فكنا نتابعهنّ وهن يتابعن الأخبار. كانتا تتابعان أخبار “إسرائيل” و”الأردن”، وبعد منتصف التسعينيات وما بعد ذلك، أضيف إلى القائمة قنوات سورية والمستقبل وLBC وأبو ظبي والجزيرة والعربية والمنار والمستقبل ونور سات وOTV والتي باتت جزءاً وثيقاً من أجوائهما ولا تنفصل عن موبيليا منزلهما.

اقترن اكتشافي لعمتي بالانتفاضة الأولى. فقد كنت طفلة صامتة أراقبها تعود من دكان “المرأة العصرية” مبكراً على غير عادتها، وتروي لنا بمزاج مفعم بالحياة ما شهدته من أحداث مثيرة، من مولوتوف في الشارع الذي تعمل فيه، إلى اعتقالات، إلى طالبات خفن فاختبأن عندها في الدكان، إلى مظاهرات،… كانت تلتزم بالإضرابات بقناعة وقراءة ما يرد من بيانات “الانتفاضة”. كانت تعبّر عن اهتماماتها السياسية بطريقتها الخاصة، الأمر الذي يضفي على حياتها وحياتنا بطاقة وسحر ما. كان في الانتفاضة أنباء حيوية ودعوة لثورة ما، مستقبل غير محدد، مشاركة ما، دور ما، وقت أوسع، معنى ما يجذبها كامرأة مثلما كان يجذبنا كأطفال. وقد كان تأثر عمتي بالإعلام كبيراً. كانت المواسم المقدسية المختلفة جزءاً من إيقاع حياتها. في عيد الفصح تتذكر الشعب الفلسطيني وتراه مصلوباً. تتابع منع المسلمين من الصلاة أيام الجمعة بتضامن، وتحتفل بليلة القدر، وتأكل القطايف في رمضان معنا جميعاً وتحوك ملابس جديدة لعيد الميلاد. كثيراً ما كنا نجلس على نافذتها المطلّة على “المشهد”، فتأخذ بوصف الأفق وتنقل لي تراثها. أثناء طرقها على ماكنة خياطتها وسيجارتها ما زالت في فمها، كنت أتعرف على نظرتها المستهزئة المعارضة كلما تفوه أحدهم بعبارات عنصرية أو سياسية لا تنسجم مع رؤاها. كنتُ حينما يتقرر حدوث إضراب أو تعليق عن العمل أو الدراسة غداة تحولات سياسية شتى، أقرر زيارتها. فتبدأ بتزويدي بكافة التفاصيل والحقائق من مختلف القنوات والفضائيات على مائدتها الطيبة في قعر البلدة القديمة وبين زهورها اليانعة مع إعطاء تحليلها: “على كل حال…”. فتأخذ جدتي بالاشتكاء من ارهاقها من السياسة وتطلب منها وضع قناة فرنسية أو قناة نور سات اللبنانية الكاثوليكية. وجود صدى فرنسي يذكر “نانا” بثقافتها الاصطلاحية وطفولتها، التي أخذت بعد عامها الثمانين بالحنين إليها، ومسمى “لبنان” منطبع في وجدانها كإنعكاس لعدة أمور “حرة” تحبها، و”تلك الأيام” التي كانت تشتري أقمشة وحاجيات الخياطة من لبنان لتخيطها في القدس، والتقائها هناك مع الجاليات الأرمنية وأكلهم المرطبات سوية على ساحل البحر في لبنان. أما عمتي، فتبرق عيونها غدو سماعها اسم عبد الناصر وجورج حبش “وعطالله حنا” وميشيل صبّاح” و”سوريا” و”بشار الأسد” و”الجنوب”، فتتذكر المشروع الوحدوي الذي يتخطى الحدود، بأحلامه التي ترعرعت عليها. “ولكن هل تريدين فعلاً نظاماً شمولياً آخر؟ ألا تخافين من دولة قائمة على الدين؟” كان الجيل الجديد في العائلة يسأل فيعاود الصخب المعهود. كنا نتساءل كأطفال إن كانت “نانا” تؤثر على عمتي “هايجانا” أو العكس، ويبدو أن أقطابهنّ ليست ثنائية وإنما ثلاثية متمازجة متشابكة.

زادت في السنوات الأخيرة صحة نانا توعكاً. لم تعد قادرة على التحرك أو الذهاب إلى مختبر المرأة العصرية، ولكنها تكرر علينا حكاياها التي لا تبخل علينا بها، مع ذاكرتها التي باتت ترفض تذكّر ما يحدث من جديد من توالي أحداث في المشهد الفلسطيني، وتبدّد الوعود العربية الذي كشفه واقع فشل الأنظمة السياسية في معظم الأقطار العربية. ما زالت ذاكرتها ومرض الأمنيزيا الذي تعاني منه مرتكزة في مرحلة ما: المدرسة الفرنسية، والرؤى القومية الحداثوية الأرمنية والعربية، والأحلام والنساء بالتنانير، وفساتين السهرة المتنوعة المكسوة بالزهور التي تصنعها، والقبعات الزاهية، وغضبها على تزويجها وهي طفلة، وفخرها على “الثورة” التي أحرزتها، وذكريات “فلسطين”، وذلك الترقب. توفيت أختها ماكروهي التي تعيش في بغداد غداة الاجتياح الأمريكي على العراق. قبل ذلك بأيام، أثناء بث أنباء القصف على العراق، كنا في مزاج فصحي نشاهد التلفاز معاً. أثناء مراقبتي لها سمعتها تقول لنفسها: “جيد. شقيقتي باتت مسنة لا تسمع جيداً. أحياناً فقد القدرة على السمع له حسنات. لن يزعجها الآن صوت أولئك الأمريكيين اللذين يقصفون بغداد”. تكرر بالأرمنية مقولة باتت مقترنة بها: “بوش أبوش” (بوش الأبله).

لم تعد نانا تتعرف على الأماكن، والجدار، والمشاهد، والأجساد، والسيدات اللواتي يتم بثهن عبر التلفاز. لا يتسنى لها الخروج من المنزل نظراً لكونها مقعدة لبضع سنوات الآن. تفكر ببيع الدكان إذ باتت كسيحة. عمتي ورويدة ما زالتا هناك. لست أدري ماذا سيحل بيوتيوبيا “المرأة العصرية” التي عاشتها “نانا”، أو بيوتيوبيا الفكر القومي العربي والتوجه التقدمي الفلسطيني الذي عاشته عمتي هايجانا، أو بالتعاويذ والأمثال الشعبية والخضروات وكائنات الأرض الفلسطينية التي ارتبطت بها “تاتا”. اضطرتني ملحمة ما على الابتعاد عن القدس، قدسنا. فاتني هذا العام مشهد الغيث الأول المنهمر كل خريف، وإيقاع الحياة، والإضرابات المتناثرة، واصطلاحاتنا الخاصة، والدروب الرمزية المرتبطة بجسد المدينة من المرور الروتيني، إلى التسوق، إلى صخب القدس الشرقية، إلى التوغل غرب المدينة والمقاهي الإسرائيلية، إلى المراسم المريمية، إلى حيوية رمضان، إلى أحد الشعانين، إلى العشاء الأخير، إلى رؤية اليهود يحتفلون بعيد الظلال وينتظرون المطر المنتظر في عيد “السوكوت”، إلى درب الصليب وسبت النور فالقيامة التحررية، وتلك المراقبة وذلك اليأس والاستكشاف، والحياة اليومية العادية اللاعادية لنساء مدينتنا، بشخصياتهن وقناعاتهنّ ورواياتهنّ وهوياتهنّ وهواياتهنّ وعاداتهنّ ونزواتهنّ المتعددة.

يعتقد من أقابلهم في هذه التغريبة أني يهودية كلما ذكرت أني من القدس، فتنطلق تعبيراتهم ونظراتهم اللاسامية، وعند اعترافي بفلسطينيتي يسوقوني إلى قفص اسقاطاتهم الاستشراقية على لحن إرث كولونيالي. هناك من المهاجرين من شرق المتوسط من يتشبث بالطائفية الدينية العمياء في لعبة السباق الاستعلائي الأخلاقوي، والبحث عن الذات، واستيراد وتصدير الارتحال عن الأنظمة الشمولية إلى نظام شمولي مصغر في حيز الأسرة والعلاقات الحمائمية، والتعالي بجوازات السفر الأجنبية. هذا في الوقت الذي يتم فيه التسابق على “خدمات دول الرفاه “المتقدمة””، والتعرض للاستغلال في علاقات العمل، دون إفلات الاستحواذ بالنبرة الذكورية المفرطة، وتشييء المرأة إن كانت شرقية أو غربية بطريقة استهلاكية مقيتة. أشعر بالامتعاض. يتحدثون عن الفلسطينيين بإحسان ديني استعلائي، ويحلمون بفلسطين مختلفة عن ذلك الاحتمال الذي تصورناه في رؤانا الجماعية المحلية المتنوعة، فتستحضرني التعويذة الدرويشية كما أقرؤها “أنتِ منذ الآن غيركِ”. تسعفني الهوية المتمردة المتحولة في مواجهة ثابتهم. أجد المواساة في سور مريم ويوسف، وأحلم بأحد عشر كوكباً لفلسطين أخرى وأهاب البئر، فأجد الملائكة تسعفني.

أحيا مع رفيقاتي رؤانا وطقوسنا واصطلاحاتنا ومكائدنا وحيلنا ومقاومتنا ولامقاومتنا المقاومة. قد نكون بطرقنا المختلفة لاجئات ومنفيات ومتحولات. تطاردنا بعض الصور المؤلمة، مثل التعرض للتفتيش المستمر في حواجز وخطوط التعذيب الجماعية، وقيام الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بشل حركتنا، وذلك الشعور بالرعب المقاوم، وصعوبة الإفصاح أو التكتم، حتى عندما نكون بعيدات. قيظ الصيف وبرد الشتاء المؤلمين أثناء الانتظار، الخوف على أوراقنا، مطاردة النظام الاجتماعي والسياسي لأصواتنا وأجسادنا وتحركنا وتكاثرنا. كثيراً ما نتوه، وأحياناً نقع في الهاوية، فنراجع ونرجع أنفسنا بالكتابة والتمرد والرقص والشرنقة والتحول. يزعجنا عنف “المختصين” القادمين من دول أو توجهات “عالمية” “أكثر تحضرا”، والنشطاء الدوليين اللذين يمارس بعضهم دور الهيمنة البرجوازية وانتزاع اصواتنا، واستخدام آلامنا كبضاعة. التيار الحداثوي يحاول جرفنا في نخبويته، والتيار السلفي يحاول ابتلاعنا. تزعجنا التوجهات “الشرقية” بخطاباتها القطبية (“الأكثر أخلاقية” أو “الأكثر محلية”) التي يبدو أنه حتى “المفكرين الثوريين” قد استكانوا إليها. كل من التيارين يحاول تصنيفنا “بعقلانيته اللاعقلانية” ومكائده “الروحية”. تحوطنا معالم تتشرذم أو تصبح كسيحة أو تتلاشى، أو تتحول إلى واقع افتراضي أو يوتيوبي، ومعالم نلمسها ولا نشك أنها واقعية وأزلية، على الأقل في لحظة ما، فنتشبث بها، خوفاً من القادم المجهول. أحياناً نجد أنفسنا نحاول الهرب مما نحبه كي نستمر. نثور على الموروث ونرتوي منه، نخلعه ونتقمصه ونلبسه ونشيله، ونعيد سرده بطرق متنوعة ومتناقضة باستمرار. قد نكون كياناً شاهداً على الحدث ومتابعاً للجدليات والتناقضات والتحولات في جو تختلط فيه الحياة مع الموت والابتعاد مع الالتقاء.

***

لا أستطيع التخلص من ذكريات تعريتي من قبل موظفات الأمن الإسرائيلي في إحدى المطارات الأوروبية قبل عام، ووضع أجهزتهن على مختلف أجزاء جسدي كما يفعلن لمختلف المسافرات الفلسطينيات. هناك وأنا أرتجف، أخذت أتذكر مصنع المرأة العصرية. فمع أنها كانت في الماضي تثير اشمئزازي أحياناً، أخذت أشعر برغبة جامحة لاقتراض قماش ملون أجوب به وأتحرك دون خوف من رقابة عسكرية أو اجتماعية. وسمعت في منفاي الأوديسي نداء اللغة العربية الخارجة من نير الدولة العثمانية تحتضنني وتدعوني إلى فردوسها، بل وتحاول الخروج من نير الدولة العربية السلطوية ومن نير كل من أخذ بنفينا تحت مسميات مختلفة. وأخذت اتحرك بهذه الأناشيد وألبس رؤى تقدمية متجددة. لم تكن بحزم مصنع أليس أو بعراقة إنصاف الحنضلية أو بأناقة مدائن عمتي أو بلذة خبز أمي الحبيبة، ولكن يبدو أنه ما زال هناك فسحة متبقية من الترقب في هذه اللغة.