جنوب العالم يتأهّب لاسترداد مكانته

نصر شمالي

لا يوجد في عالمنا الأرضي ما هو غير مكتشف بعد، لا تحت سطح الأرض ولا فوقه. وعندما يعلن الأميركيون اليوم أنهم “اكتشفوا” الآن حجم الثروات المعدنية الأفغانية الهائلة الثمينة وأنواعها فهم يناقضون أنفسهم، وهم الذين يعلنون عن مستواهم العلمي الاستكشافي الكوني الهائل الذي بلغوه منذ زمن طويل! والحال أنّ الأميركيين لا يقولون الحقيقة، فسبب احتلالهم لأفغانستان (بالإضافة إلى موقعها الآسيوي العظيم الأهمية) هو وضع اليدّ على هذه الثروات التي يعرفونها جيداً ومسبقاً. أمّا الأسباب الأخرى المعلنة فهي ذرائع ملفقة من جهة، وغطاءً للاستيلاء على هذه الثروات بمعزل عن أصحابها من جهة أخرى.

لقد حدث هذا في العراق أيضاً، حيث الاحتياطي النفطي الهائل. بل هو عين ما حدث في فلسطين قبل عشرات السنين (بسبب موقعها وليس بالإضافة إليه) بتحويلها إلى قاعدة إسرائيلية/إنكليزية/ أميركية، فكانت لضمان السيطرة على المنطقة لصالح قناة السويس في الحقبة الإمبراطورية الإنكليزية البريطانية، ثمّ صارت لضمان السيطرة على الثروات النفطية أيضاً في الحقبة الإمبراطورية الإنكليزية الأميركية. وقد أقيمت القاعدة العدوانية بذريعة إنقاذ اليهود، واسترداد أرض الميعاد التوراتية، وما إلى ذلك من ذرائع واهية وخرافية!

ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ الإمبراطورية الأميركية نهضت على التغلغل والسيطرة غير المباشرة، من دون جيوش محتلّة تجوب المدن، بعكس البريطانية. وقد كتب الرئيس الهندي الراحل نهرو واصفاً الأميركيين بما يلي: “إنهم لا يتجشّمون عناء ضمّ إحدى البلدان، مثلما فعلت بريطانيا بضم الهند إليها مثلاً، فكلّ ما يعنيهم هو الربح، ولذلك هم يتخذون الخطوات التي تمكّنهم من السيطرة على ثروة بلد ما، ومن خلال السيطرة على الثروة يكون من السهل جداً السيطرة على شعب البلد، وعلى أراضيه في الحقيقة. وهكذا فهم، من دون أن يتكبّدوا متاعب كثيرة ومن دون أن يحتكّوا بقومية البلد المتحفّزة، يسيطرون على البلاد ويتقاسمون ثرواتها. وهذه الوسيلة الفريدة تسمّى الاستعمار الاقتصادي، الذي لا يظهر على الخريطة. فقد تبدو إحدى البلدان، إذا ما استرشدنا بعلم الجغرافيا أو الأطلس، حرّة مستقلّة. لكنك إذا نظرت خلف الستار فسوف تجد أنّها في قبضة بلد آخر، أو على الأصح في قبضة أصحاب البنوك ورجال الأعمال الكبار في ذلك البلد الآخر. إنّ هذه الإمبراطورية الخفيّة هي التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية”!

لقد أقامت واشنطن الهيئات الدولية، والمصارف الدولية، والمخابرات الدولية..الخ، بما يتفق مع طبيعتها الاستعمارية الجديدة، التي لا تلائمها أساليب المستعمرين القدامى، بل تضرّ بها من حيث الجدوى ومن حيث تحقيق الأرباح الخرافية. فما الذي استجدّ وأرغمها على اللجوء إلى أسلوب الاحتلال المباشر الذي تجاوزته وحرّمته على الآخرين؟ إنّه التطوّر العالمي العام كمّاً ونوعاً، بشراً وسلعاً. وإنّه استنفادها لأساليبها الحديثة، على مدى ثلاثة عقود تلت الحرب العالمية الثانية، في مواجهة هذا التطور العاصف، وعجزها عن ابتكار أساليب أحدث. وهكذا، من أجل وضع اليدّ على ثروات أفغانستان والعراق، لجأت مضطرة إلى احتلال البلدين عسكرياً، على الطريقة الأوروبية القديمة المباشرة (بحجّة التصدّي للإرهاب والاستبداد) بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك بوسائلها الحديثة غير المباشرة، التي فقدت جدواها إلى حدّ كبير.

منذ تسلّم الأميركيون زمام الإدارة الدولية كانوا يعرفون أنّ حوض المحيط الهندي هو بحيرة الأحلام العالمية الأسطورية، حيث تتراكم الثروات غير المتوافرة في أيّة منطقة أخرى، ويعرفون أنّ في المنطقة العربية يوجد أكثر من ثلثي احتياطي النفط العالمي. وفي جنوب أفريقيا وحولها الكوبالت واليورانيوم والذهب والبلاتين والماس والنحاس والمنغنيز والكروميت والحديد والفحم الحجري. وفي الهند الحديد والمنغنيز والكروميت والبوكست (فلزات الألمنيوم) واليورانيوم والفحم الحجري والبترول والجوت والشاي والقطن والأرز وقصب السكر. وفي بنغلادش أربعة أخماس المحصول العالمي من الجوت. وفي إندونيسيا وماليزيا وتايلاند كلّ احتياطي العالم تقريباً من القصدير، إضافة إلى المطاط الطبيعي والأخشاب النادرة كالخيزران. وفي أستراليا فلزات الألمنيوم حيث نصف احتياطي العالم من هذه المادة الفائقة الأهمية في الصناعات المعاصرة، إضافة إلى خمس رؤوس الأغنام وثلث محصول العالم من الصوف..الخ!

إنّها معلومات قديمة جدّاً عن الثروات الفريدة في بلدان حوض المحيط الهندي، المعروفة كلّها تقريباً. إنّه الحوض الذي يشكّل على مدى العصور مركز ثقل العالم، ومحوره، وقاعدته البشرية والمادية، والذي كان موضوع الاستعمار الأوروبي المباشر، ثمّ حولته واشنطن إلى مسرح عمليات حربية واحد، فأقامت في أنحائه القواعد العسكرية الثابتة، وأهمّها القاعدة الإسرائيلية في غربه وقاعدة جزيرة دييغو غارسيا في جنوبه، فيأتي الأميركيون بالذات اليوم ليعلنوا عن “اكتشاف” احتياطيات هائلة من المعادن الثمينة في أفغانستان!

أمّا عن دلالة هذا الإعلان الأميركي فهي تعبير عن التقهقر، وعن الاستعداد لمساومة الأفغان اقتصادياً بعد الفشل في إرغامهم عسكرياً، ومن الجهة الثانية فإنّ هذا الحوض الرئيس، حوض المحيط الهندي الذي جعلته المركزية الأوروبية/الأميركية ثانوياً خلافاً للواقع، يبدو وهو يتأهّب اليوم لاسترداد مكانته.

ns_shamali@yahoo.com