غسان أجمل ما تبقى لنا

بقلم الإعلامي: خالد الفقيه

مذ كنا صغاراً ووعينا القراءة والكتابة في المدارس ولج إلى أذهاننا كاتب متميز، أسرنا بأدبه وبما خطت أنامله، فبتنا نسمع بأم سعد وببرقوق نيسان وبالعودة إلى حيفا وبابي الخيزران تلك الشخصية سيئة الصيت والمصير التي باعت الباحثين عن لقمة عيش للهيب الشمس، وما زال التحقيق لمعرفة من قتل ليلى الحايك مفتوحاً لم يغلق، من خلاله قرأنا عن الصهيونية وأساطيرها المؤسسة.

غسان كنفاني ذلك المهر الأصيل الذي لوحته شمس الصحاري والتيه في رحلة البحث عن وطن بات سليباً ولم تعد أسوار عكا فيه تقوى على صد نابليون وغزاوته لأن رحاب أوجدت فجوة في الجدار المنيع دخلت منه حفنات من يهود العالم ليطردوا سكان فلسطين من منازلهم وليستوطنوا فيها بحجة أن لهم حق مزعوم على ترابها.

غسان عندما أغتيل أراد قاتلوه التهيئة لمرحلة جديدة من عمر الصراع العربي الصهيوني فبعد موته صار التطبيع وجهة نظر بداية ثم صار موضةً عصرية يتهم كل من لا يمارسه بالتخلف والرجعية ومن يتمسك بمحاربته أصبح اليوم حجرياً من قبل من أسقطوا مقولة أديبنا المعروفة عندما قال: إذا ما خسرنا الجبهة العسكرية فمن العار أن نخسر الجبهة الثقافية”

ولكن غسان الحي فينا ما حيت لغتنا العربية وما حيينا يعلم بأن هنالك من لا زالوا مستمرين في قرع جدران الخزان دون أن يوهنهم زمن الردة وكثرة المرتدين.

ابو الخيزران يا غسان لم يعد يصنف في خانة المفرد بل بات جمعاً يسعى للخروج من التكسير لمرحلة الجمع الصحيح ولم يبقى أمامه لبلوغ تلك المرحلة إلا الإنقضاض والإجهاز على من لم يستحشوا طريق الحق في زمن قل السائرون فيه.

ما يسجل لكنفاني الكثير رغم عمره القصير الذي لم يطل عن 36 عاماً تسربل بعدها دمه ببرقوق نيسان واختلط لحمه ببقايا الصغيرة لميس أحب الناس إلى قلبه، ومما يسجل له إكتشافه لرائد فن الكاريكاتير ومستشرف عصره الشهيد الشاهد ناجي العلي الذي لم يطق رحيل غسان كثيراً فلحق به صريعاً متهماً بالإنحياز لمن هم تحت في تهمة لم ينفها حيث كانت الرسمة الأولى التي وضعت ناجي العلي على سلم الإعلام المكتوب كأحد فناني الكاريكاتير هي تلك التي التقطها الأديب غسان كنفاني وأعاد نشرها عام 1961 في مجلة الحرية التابعة لحركة القوميين العرب والتي كان يرأس تحريرها. وهو ما أكده ناجي في أكثر من حديث صحفي له في وقت لاحق. “وظللت أرسم على جدران المخيم ما بقي عالقاً بذاكرتي عن الوطن، وما كنت أراه محبوساً في العيون، ثم انتقلت رسوماتي إلى جدران سجون ثكنات الجيش اللبناني،…، إلى أن جاء غسان كنفاني ذات يوم إلى المخيم شاهد رسوماً لي، فأخذها ونشرها في مجلة “الحرية”، وجاء أصدقائي بعد ذلك حاملين نسخاً من “الحرية” وفيها رسوماتي…. شجعني هذا كثيراً…. حين كنت صبياً في عين الحلوة، انتظمت في فصل دراسي وكان مدرسي أبو ماهر وكان مدرسي أبو ماهر اليماني…. وعلّمنا أبو ماهر أن نرفع علم فلسطين وأن نحييه. وحدثنا عن أصدقائنا وأعدائنا….. وقال لي حين لاحظ شغفي بالرسم “ارسم… لكن دائماً لفلسطين”.

واليوم نقول ماذا لو بقي غسان حياً بين ظهرانينا؟ سؤال يطرحه الكثيرون ممن بقوا محافظين على خط الثقافة القومية الملتزمة، هل كان سيعود إلى بقايا وطن متشظ لطالما حلم به كاملاً من نهره لبحره ورسمه صوراً قلمية غاية في الروعة؟ وهل كان سيكسر قلمه وينزوي في بيته وثياب حداده وهو يرى المثفقين ممن نهلوا من معين فكره ذاته يتساقطون على أبواب الممولين من عرب وعجم؟ وهل كانت ستدفعه حقبة التأمرك لتمزيق رسائل غرامه لغادة السمان ليكفر بكل ما هو جميل ويكفر عن ذنوبه لأنه آمن بالحب والوطن؟ هل كان سيضيف فصلاً أخر لراوية السرير رقم 12 ليعود للحياة من جديد في قصة لا تصلح إلا لرواية مسلسل وسيناريو لمخرج هاو؟

من يعرف غسان ومن تتلمذ في مدرسة أدبه يعلم علم اليقين أنه كان سيفضل الموت بالسكري الذي كان ينخر جسده النحيل أو بغيره على كل ذلك. فغسان أجمل ما تبقى لنا من بقايا شتاتنا المليء بهمومنا وليسمح لي أحباب غسان أن أقول بأن الشهيد الكبير عميد الأدب الفلسطيني بموته قد سمى فوق الجراح ولم يعش للحظة التي يتحسر فيها على إسقاط البنادق عن أكتاف الرجال وإنحراف بوصلتها مات غسان على مبدأ خطه لنفسه بقوله لا تمت قبل أن تكون نداً وبالفعل كان نداً عنيداً وخصماً لدوداً لأعدائه.

إن التمعن في أقوال ومواقف الشهيد يجعل المرء يفرق بين مرحلتين كأنهما حقبتين من التاريخ الغابر فهو القائل: إن الانتصار هو أن تتوقع كل شيء..و ألا تجعل عدوك يتوقع، فهذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين..هي تخلف و فلسطين تأخذ، والغزلان تحب أن تموت عند أهلها.. لكن الصقور لا يهمها أين تموت، وإن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين.

رحل الغزال دون أن يكحل عينية ببرتقال يافا الحزين ودون أن يركب موج حيفا ولم يعتلي أسوار عكا بحثاً عن عيسى العوام فسلام عليك عميد الأدب الباقي فينا جذوة تشتعل دون إنطفاء يا من دخلت خوابي القمح في بيوت الفقراء لترسم لهم بحبات قمح الوطن طريق العودة إلى الديار.

Khalid_faqeah@yahoo.com