بعد رحيل المرجع فضل الله: المرجعية الدينية وتحدياتها المستقبلية

قاسم قصير

ترك رحيل المرجع السيد محمد حسين فضل الله علامات استفهام كثيرة حول واقع المرجعية الدينية الشيعية والتحديات المستقبلية التي تواجهها بعد ان استطاع السيد ان يؤسس لواقع جديد في هذه المرجعية طيلة السنوات الخمسة عشرة الماضية.

فقد نجح فضل الله في التاسيس لمرجعيته التجديدية خلال السنوات الماضية وذلك من خلال اعتماده على مجموعة من الافكار والاسس المميزة سواءا على الصعيد الفقهي اوالفكري، او لجهة اساليب العمل المرجعية التي اعتمدها والتي استفادت من كل التقنيات التواصلية الحديثة وكذلك من خلال العلاقة المباشرة والقوية مع الواقع الاجتماعي والشعبي.

وكان السيد فضل الله قد طرح مشروع ” المرجعية المؤسسة” كبديل عن المرجعية الفردية وذلك في اطار تطوير الواقع المرجعي وابعاده عن المشكلات والثغرات التي واجهها طيلة فترة طويلة من الزمن.

ومع ان سماحته لم يستطع تحقيق هذا المشروع وفقا لما نظّر له، فانه استطاع تكريس اعراف جديدة في الواقع المرجعي وخصوصا لجهة العمل المؤسساتي في مختلف المجالات الفكرية والفقهية والاعلامية والاجتماعية والتي بدأ بعضها خلال مرجعية الامام الخوئي.

فكيف هو واقع مرجعية السيد فضل الله اليوم؟ وكيف نجح السيد في تجاوز الحملات التي تعرض لها طيلة السنوات الماضية بسبب ارائه التجديدية والنقدية؟ وماهي التحديات التي تواجهها هذه المرجعية في المرحلة المقبلة بعد رحيله المفاجيء؟

واقع المرجعية اليوم

بداية كيف كانت مرجعية السيد محمد حسين فضل الله لحين رحيله؟ وماذا حققت هذه المرجعية من انجازات ونجاحات طيلة السنوات الماضية؟

لا بد من الاشارة الى ان مرجعية السيد فضل الله لم تأت من فراغ ولم تكن قائمة على اسس ضعيفة، فقد انطلق سماحته في العمل الاسلامي منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي سواءا في النجف الاشرف او بعد انتقاله الى لبنان ومن خلال اشكال متعددة، ان في داخل الحوزة او عبر الاطر الحزبية او النشاطات الشعبية والفكرية والاعلامية.

وخلال مرجعية الامامين السيد محسن الحكيم والسيد ابو القاسم الخوئي وبموازة مرجعية السيد محمد باقر الصدر والامام الخميني، كان السيد فضل الله يعتبر احد الرموز الاساسية المميزة في العمل الاسلامي وكان يبث افكاره التجديدية الفكرية والفقهية والعملية من خلال الدروس والنقاشات الحوزوية والعملية وعبر مواكبة العمل الاسلامي وتقديم الافكار والنصائح المباشرة.

وكان السيد يحرص على بث الروح النقدية في الواقع الاسلامي ويبحث دائما عن كيفية تجديد اليات العمل الاسلامي.

ومن كان يتواصل مع سماحته عن قرب كان يشعر دائما ان لديه مشروعا تجديديا لا بد ان يبرز في يوم من الايام، الى ان ادت التطورات على صعيد الواقع المرجعي بعد وفاة الامام الخوئي وطرح مرجعية السيد علي السيستاني الى قيام سماحته بطرح مرجعيته الفقهية بعد الحاح من طلابه ومن مريديه وبعد ان جرى التمهيد لذلك من خلال اصداره للعديد من الدراسات والابحاث الفقهية.

ولذلك لم يكن طرح مرجعية السيد فضل لله امرا مفاجئا رغم ان طرح هذه المرجعية جرى خارج الاطر الحوزوية التقليدية (اي في النجف الاشرف وقم المقدسة او كربلاء).

ورغم الحملات الكبيرة التي تعرض لها سماحته سواءا من بعض الجهات المرجعية او الحزبية او المرتبطة ببعض الاجهزة والمؤسسات الرسمية فقد شهدنا تجاوبا كبيرا مع مرجعيته في الاوساط الشعبية والدينية وخصوصا في اوساط الشباب.

وبدون الدخول في استعراض الحملة المنظمة التي تعرض لها سماحة السيد فقد استطاع ان يواجه هذه الحملة مع انه دفع اثمانا غالية في صحته وعلى صعيد بعض نشاطاته العملية.

واليوم تبرز اهمية مرجعية السيد سواء من ناحية الانتشار الشعبي وعلى المستوى العالمي (ان في العالمين العربي والاسلامي او في الاوساط الاسلامية في اوروبا وامريكا)، او لجهة المؤسسات المتعددة التي يشرف عليها سماحته، او من خلال الحصيلة الهامة لافكاره التجديدية والفقهية والتي تشكل اليوم ثروة كبيرة في الواقع الديني لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح.

الإنجازات والنجاحات

اما على صعيد الانجازات والنجاحات التي حققتها مرجعية السيد فضل الله طيلة السنوات العشرين الماضية فيمكن تعدادها على الشكل التالي:

· اقامة عدد كبير من المؤسسات المتنوعة (الفكرية والاعلامية والاجتماعية والانتاجية) والتي قدمت نماذج جديدة على صعيد الواقع الاسلامي مع وجود بعض الاخطاء والثغرات في واقع هذه المؤسسات التي تتطلب متابعة مستمرة للتطوير والتحسين.

· الثروة الفكرية والفقهية والدينية الكبيرة والتي تتمثل بعشرات الكتب والدراسات والاتجاهات سواء التي اصدرها سماحته او التي صدرت عنه والتي تتضمن افكارا وطروحات تجديدية في مختلف المجالات، والتي تحتاج لمزيد من الدراسة والبحث والتعمق وتحويل بعضها الى آليات عمل والاستفادة منها على صعيد تطوير الواقع الاسلامي

· التأسيس لتيار اسلامي واسع يجمع بين الرؤية الاسلامية الاصلاحية والمقاومة وبين الطروحات الفكرية التجديدة والانفتاحية، مما جعل افكار السيد وارائه تنتشر حتى خارج الاوساط المتدينة واصبح له امتدادا في البيئات الاسلامية المتنوعة ولدى الاوساط الثقافية العلمانية.

· الجرأة في طرح النقاش حول العديد من الموروثات والروايات المتعلقة بالسيرة وببعض الاجتهادات الفقهية وهذا اسّس لاجتهاد جديد في الواقع الشيعي وقد امتد لداخل الحوزة الدينية. ورغم ان هذه الجرأة اثارت ضد “السيد” حملة انتقادية واسعة وصلت الى حد الدعوة لاخراجه من “المذهب الشيعي” لكنها بالقابل ساهمت في تعزيز الدعوة للوحدة الاسلامية على اسس متينة.

التحديات المستقبلية

واليوم وبعد رحيل سماحته لابد من طرح بعض التحديات والاسئلة التي تواجهها المرجعية الدينية الشيعية عامة ومرجعية السيد فضل الله بشكل اخص.

والسؤال الاهم والمركزي الذي يمكن طرحه يتعلق بكيفية الاستمرار في مرجعية السيد ودورها الفكري والفقهي والمؤسساتي واستكمال الانجازات التي حققها السيد فضل الله خلال الستين عاما من نشاطاته وجهاده ونتاجه الفكري والفقهي.

ومهمة الاستمرارية لا تقع المسؤولية فيها على دور السيد الذاتي او من سيخلفه بمتابعة العمل المرجعي والديني بل هي تتعلق بكل المؤسسات التي رعاها واسسها وساهم في دعمها وانطلاقتها، كما ترتبط بكل فريق العمل الذي رافق السيد في مسيرته وخصوصا في السنوات العشرين الاخيرة، كما تتعلق اخيرا بالتيار الفكري والفقهي الذي اسسه السيد على امتداد العالمين العربي والاسلامي وهذا التيار ليس محصورا باشخاص محدودين او جهات معنية بل قد يكون الذين ينتمون لهذا التيار اكبر واكثر انتشارا مما يمكن حصره في بيئة معينة.

واما التحدي الثاني والاهم فهو يرتبط بتوفر شخصية او اكثر تستطيع حمل المسؤولية سواء على المستوى المرجعي او الفكري مع العلم ان الحوزة الدينية في قم والنجف والخليج وصولا الى لبنان اصبحت تزخر بشخصيات دينية وفقهية قادرة على التصدي لهذه المسؤولية لكنها تحتاج للدعم والرعاية. ولقد كانت ملفتا ان يتولى اية الله السيد عبد الله الغريفي وهو من علماء البحرين ومن الذين كانوا يدعون لمرجعية السيد فضل الله تلاوة بيان النعي وهذه اشارة اولى للدور المستقبلي الذين يمكن ان يتولاه على الصعيد المرجعي.

واما التحدي الثالث فيتعلق بالمؤسسات التي ساهم السيد بتأسيسها وهي تتطلب الكثير من الاهتمام والحماية من الاخطاء والاشكالات والحفاظ على دورها الريادي بعيدا عن الحسابات الذاتية.

تلك بعض التحديات المطروحة من اجل الاستمرار في مسيرة مرجعية السيد فضل الله مع دعائنا بأن ينجح محبوه ومقلدوه والحاملين لافكاره ونهجه لكي يتابعوا رعاية هذه المسيرة الرائدة.