كتاب “زيتون”: بطل سوري أنقذ عشرات الأمريكيين.. وأمريكا تكافئه بالاعتقال بتهمة الإرهاب

كتاب عن ابن جبلة عبد الرحمن زيتون ومشروع فيلم عنه

أعاصير كاترينا التي هبّت على مدينة نيو أورلينز((New Orleans بولاية لويزيانا الجنوبية في آب عام 2005، أعادت المدينة الى العصر الحجري نتيجة الفيضانات والخراب الجماعي وتشريد الملايين من السكان، وموت الآلاف في فترة أسبوع واحد.

وكان تقصير حكومة جورج بوش في إنقاذ المواطنين والمدينة يعتبر صفعة تاريخية في وجه دولة عظمى مثل الولايات المتحدة.

ولكن الكارثة أبرزت أشخاصاً قدموا التضحيات الكبيرة للمدينة. ومن بين هؤلاء كان المواطن العربي عبد الرحمن زيتون الذي أصبح موضوع كتاب صدر للمؤرخ دافيد ايجر (Daved Eggers) بعنوان “زيتون” وكان أفضل كتاب على لائحة نيويورك تايمز لعام 2009.

ولد زيتون (كما يشار اليه في الكتاب) في بلدة جبلة من محافظة اللاذقية السورية. ومن عائلة كبيرة تهتم بصيد الأسماك وتوزيعها في سوريا. ثم مارس أعضاؤها قيادة الناقلات البحرية الى عدد من دول العالم. وكان أحد أبنائها، محمد زيتون، بطل السباحة العالمية الذي قلّده الرئيس جمال عبد الناصر وساماً رفيعاً في عهد الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه توفي في حادث سيارة وهو في سن الـ 24 من عمره.

أما عبد الرحمن فإنه تابع خطى عائلته، وأدى به الأمر للوصول الى الولايات المتحدة حيث حصل على الإقامة فيها عام 1994. وتزوج من إمرأة أمريكية إعتنقت الإسلام سابقاً، وأنجبا معاً أربعة أطفال وعاشا في مدينة نيواورلينز. واستطاع بعد فترة قصيرة تأسيس شركة معمارية تهتم بترميم البيوت وإصلاحها، وأصبح يملك بعض العقارات التي بدأ يؤجرها.

وفي أعقاب إعصار كاترينا الرهيب، واجهت العائلة أوضاعاَ صعبة مع بقية أهل المدينة. هل يتركون مسكنهم وبيوتهم ويهجرون المدينة، أم يبقون فيها ويواجهون الاحتمالات الصعبة، خاصة وان حكومة الولاية طالبت السكان بالإخلاء الإلزامي؟؟

وقررت العائلة ان تذهب الزوجة والاطفال الأربعة الى ولاية أريزونا حيث يلتجئون الى أصدقاء ويكونون في منأى عن الخطر. بينما يبقى زيتون ليحافظ على الممتلكات والاشغال التي يديرها.

وكان زيتون مضطراً للجوء الى الطابق العلوي من البيت بعدما ارتفع الفيضان وغمر الطابق السفلي. وكان يملك زورقاً مصنوعاً من الالمنيوم اشتراه سابقاً بسعر رخيص، وأخرجه من المخزن ووضعه قيد الاستعمال في هذا الوضع الحرج. وصار يتجول فيه للتدقيق في ممتلكاته وأشغاله.

وسرعان ما تحول هذا الزورق الى أداة إسعاف حيث انتشل العديد من الناس المحصورين في بيوتهم، والعاجزين عن التنقل، والذين أهملتهم عمليات الإنقاذ الحكومية. وفي نفس الوقت إستطاع إنقاذ بعض الحيوانات التي تركها أصحابها بسبب الكارثة التي حلت بهم. كما ذهب الى مسجد المدينة لمساعدة الذين حوصروا هناك بفعل الفيضان وفقدان المساعدة الرسمية.

وكان “زيتون” على اتصال يومي مع زوجته الموجودة في أريزونا لكي يطمئنها على سلامته. ولكنها كانت تحثه في كل مكالمة على ضرورة مغادرة المدينة واللحاق بعائلته، لان الاخبار التي كانت تبثها شبكات التلفزيون غير مشجِّعة، إذ ان عدد الأموات أصبح يرتفع باستمرار، كما ان المشردين يواجهون أوضاعاً سيئة وبائسة.

وفجأة إنقطعت العلاقة التليفونية اليومية بين الزوجين، وبعد ستة أيام أصبحت الزوجة تعيش فترة عصيبة. فهي لا تدري ماذا حل بعبد الرحمن؟ هل هو في خطر؟ هل ذهب ضحية الفيضان؟ هل هو مقتول، إذ ان الفوضى بدأت تشل المدينة، وكان المجرمون يسوحون في كل مكان دون رادع؟ وبدأ الاطفال يسألون عن والدهم وليس هناك من جواب. وبدأت الزوجة تفكر في حياة ما بعد عبد الرحمن: هل تذهب الى سوريا لتعيش مع عائلة زوجها؟ هل بإمكانها تسيير الأشغال لوحدها بعدما تستقر الأمور؟ وما هو مصير الأطفال بدون والدهم؟

والذي حصل كان في أقصى الغرابة. فقد جاء الى بيت زيتون ستة أشخاص مدججين بالسلاح واقتادوه الى معسكر في المدينة دون سبب. إنه عربي ومسلم وسوري الأصل، وهذا ما يكفي لإلحاق تهمة الارهاب به.

ووصلت حرب بوش على الارهاب الى نيواورلينز، وكان ضحيتها عبد الرحمن زيتون، وخلال فترة التوقيف والسجن التي استمرت قرابة الشهر، تعرّض زيتون وثلاثة من أصدقائه الى كل أنواع الإهانة الجسدية والنفسية دون وجود أي مبرر أو دليل على ارتباطهم بعمل او تنظيم إرهاب. وواجهت عائلاتهم ظروفاً قاسية صعبة. وأمام التضحيات الشخصية التي بذلها لإنقاذ المنكوبين كان جزاؤه السجن والعذاب.

لقد وُفّق الكاتب في سرد حياة زيتون، إذ انه سافر الى سوريا عدة مرات لمقابلة عائلته ومعرفة تفاصيل طفولته ونشأته مثلما رافق مسيرة حياته في أميركا بكل تفاصيلها، خاصة فترة السجن التي وصفها بكل صدق ودقة: كيف تمَّ القبض عليه وعلى أصدقائه الثلاثة، وتحويلهم الى سجون متعددة دون توجيه أية تهمة ضدهم، ووضعهم في أقفاض حيوانات، وتجريدهم من ملابسهم، ومنعهم من الإتصال بالخارج، وعدم الإهتمام بأوضاعهم الصحية، وكيف استولى عليهم الخوف بأنهم سيتحولون الى سجن غوانتانامو الرهيب حيث يقضون هناك سنين عديدة دون معرفة عائلاتهم.

وفي قسم من الكتاب يشير المؤلف الى المضايقات التي تعرّضت لها زوجة زيتون لأنها كانت متحجّبة، وكيف كان الصبية يلاحقونها في الشارع لانتشال حجابها.

وعلّق أحد النقّاد على كتاب “زيتون” بقوله: “بعد خمسين سنة من الآن سيظل الناس يتحدثون عن عائلة زيتون، عندما يريدون معرفة ما حدث لهذه المدينة العظيمة خلال تلك الفترة المعيبة من تاريخنا”.

وخلاصة القول ان عبد الرحمن زيتون العربي الأصل وقع ضحية الهستيريا التي رافقت الحرب على الارهاب، مثل الكثيرين الذين لم تظهر قصصهم في الكتب والمؤلفات، ومن بينهم أولئك الذين شحنتهم وكالة الإستخبارات الاميركية الى دول عربية وشرق أوروبية لمجابهة التعذيب الشديد خلافاً للقوانين الدولية وحقوق الانسان: ومن المحتمل ان تبقى قصص التعذيب والارهاب حبيسة جدران السجون التي وحدها تشهد ما حدث للمئات من العرب والمسلمين على أيدي أسياد “الحرية” و”الحضارة”.

ملاحظة أخيرة: من غرائب الأمور ان ولاية لويزيانا التي غمرتها الكوارث الطبيعية، عام 2005، تواجه الآن كارثة تاريخية نتيجة إنفجار آبار الزيت على شواطئها بفعل أعمال التنقيب عن النفط: وتواجه كارثة هائلة تقضي على حياة وتجارة الاسماك والسباحة والمرافق الطبيعية، وليس هناك حتى الآن من سبيل للسيطرة عليها.

:::::

المصدر:

http://www.lattakianews.com/ar/lattakia_news/3362.html