نيفين الجمل: قصائد ممنوعة

د. أحمد الخميسي

لست شاعرا أو مختصا في الشعر، لكني قارئ محب للشعر، والقارئ في نهاية المطاف هو الذي يتمم كل عملية إبداعية، فلو أن كل ما كتبه إبراهيم ناجي، أو صلاح عبد الصبور، ظل لسبب ما مطمورا، دون أن يطالعه قارئ، لما كان هناك واحد من أولئك الشعراء الذين نتحدث عنهم الآن بالإعجاب.

وقد لا يختلف أحد على أن حركة الشعر المصري لم تعرف شاعرا كبيرا يتمتع بتأثير واسع منذ ربع القرن، ” قد لا يختلف ” لأن شعراء كثيرون سيطرحون بهذا الصدد السؤال من زواية “وأنا.. ألم أكتب؟ ألم تقرأ لي شيئاً؟ “. لكن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئاً. ومن باب أولى لم تظهر منذ زمن طويل شاعرة من وزن ملك عبد العزيز، أو نازك الملائكة، رغم الأسماء المتناثرة التي تلوح وتختفي أو تتشبث بمجرد الانتشار.وليس حتما أن تكون أسباب تراجع الشعر أسباباً موضوعية فقط، مرتبطة بالتراجع الثقافي العام في مجال الشعر وغيره، أحياناً كثيرة يكون العامل الذاتي حاسماً، وأعني غياب الموهبة الكبيرة.

والآن، أود أن أقدم للقارئ له موهبة شابة حقيقية هي نيفين الجمل التي قدمت نفسها فقط من خلال مدونتها الخاصة في فضاء الانترنت، ثم جمعت ديوانا لتنشره منذ ثلاث سنوات، وقدمته لمشروع الكتاب الأول بالمجلس الأعلى، ثم إلي هيئة الكتاب، ولم تترك مكانا حكوميا دون أن تسعى لنشر ديوانها فيه، لكن بلا جدوى، وظلت قصائدها ممنوعة من النشر بحكم أنها لا تعرف أحدا في الوسط الثقافي، حتى قررت أخيرا أن تنصاع لقوانين السوق وأن تنشر عملها على نفقتها كما يفعل أغلب الكتاب الشباب الذين يكتبون ويدفعون.

تواكب نيفين الجمل حركة الشعر الحالية بالتخلي عن الشعر العمودي، وشعر التفعلية، وتكتب ما يسمى ” قصيدة النثر” التي أثارت منذ مولدها – حتى بالمصطلح – قضايا خلافية عميقة معتمدة على أن الشعر لا يعرف بالوزن والقافية، فليس ثمة ما يمنع أن يتألف من النثر شعر. والوجه الآخر لذلك أن الشعر لا يعرف أيضا بالتحرر من الوزن والقافية. ذلك أن هناك دائما ” شعر”، وهناك دائماً ” لاشعر ” إن جاز التعبير. وما تكتبه نيفين يذكر بما قاله محمود درويش من أن الشعر ” هو لغة الحلم “، وبهذا المعنى تؤكد نيفين الجمل أنها موهبة كبيرة حقا، بل وساطعة وعميقة، تكتشف في كل ما يدور حولها الطبيعة الشعرية للأشياء والبشر والأحداث والعلاقات، وترى العالم من زواياه الحادة بعقل فلسفي، وبروح تمشي حافية على حد الموسى. وستقدم نيفين الجمل لنا أكثر مما نحلم به، إذا هي أرادت، وإذا عمّقت صلتها بالشعر العربي وبتراثه ولغته وإيقاعاته الثرية.

وديوان نيفين الجمل الأول، الذي لم ير النور بعد، مشبع بأحلام وعذابات روح ترفرف لتكون روح الكثيرين، وفيه ستقرأ شعرا ربما لم تقرأ مثله من زمن طويل. تقول نيفين في قصيدتها “أهذا أنت “:

” أنا وأنت – شعور يغمرنا – ونغمره ” !

فقط شاعر حقيقي قد يفكر في أن الإنسان قد يغمر الشعور. ولا أعتقد أن هناك شاعرة مصرية كتبت من قبل في إطار قصيدة حب ما كتبته نيفين الجمل : ” رؤياك تربكني – بعدك يقتلني – صوتك يؤنسني – وعقلك يحزنني ” !. ما من امرأة تتوقف في قصيدة حب عند ” العقل الذي يحزن ” لكن نيفين تتوقف عنده وتكتبه فتهبنا شعرا حقيقيا يخرج عن كل ما ألفناه طويلا. ولنفكر قليلا في أن شاعرة تريد أن تعبر عن أنها تكتم مشاعرها ؟ وتذكر حين تفكر في ذلك كل الصور التي تضمنها شعر المرأة، لا أظن أنك ستجد من قالت : ” من الآن فصاعدا – سأكتم مشاعري –

بخرقة مبللة “.

تحتاج نيفين الجمل إلي أن تهب نفسها للشعر الذي وهبها نفسه بالكامل. تحتاج إلي أن تكون وفية له، لأن الشعر يعشقها، فإذا فعلت، فإن ديوانها الذي يتحدى المنع والتجاهل سيصبح أول نبتة في حديقة تلك الموهبة العميقة الحقيقية المسماة ” نيفين الجمل “.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad­_alkhamisi@yahoo.com