أوباما يعتذر!

عبداللطيف مهنا

قبل قمة أوباما ونتنياهو الأخيرة في البيت الأبيض بأيام، كان حال العلاقة التفاوضية بين رام الله وتل أبيب هي ما يفصح عنها ما قاله أبو مازن، رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، في حوار له مع ستة من رؤوساء الصحف الإسرائيلية، حيث اشتكى لهم تشدد نتنياهو التفاوضي، هذا الذي قال أنه “يتجاهل تماماً كل ما نطرحه”، والذي، مع ذلك، “لا ازال انتظر أن اتلقى منه جواباً أو اشارة ما”. وعليه، فهو يخاطب الإسرائيليين عبر إعلامهم متبرماً: “لا تدعوني أفقد الأمل، فعلاً إنني أحياناً أفقد الأمل”. وصارحهم: “أحياناً أجد نفسي وحيداً من دون سند، ورغم ذلك فإنني أواصل المفاوضات”!

وإبان القمة الأمريكية الإسرائيلية، كانت تصريحات الدكتور صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات تترى محذرةً من إنهيار “عملية السلام”، وتتوالى مناشداته للراعي الأمريكي الذي لا من راع سواه، أخذ هذا المحذور بعين الإعتبار، وعدم تجاهله وهو يرحب بحليفه المتغطرس الذي لايرعوي ولا يلتفت لمثل هذا الإنهيار الوشيك المفترض!

… وحيث هي تعقد، والضيف والمضيف يتبادلان أطراف الحديث حول ما يهمها ويشغلها من شجون وشؤون علاقتهما العضوية وعلائقها التحالفية الإستراتيجية وهمها الإيراني وقلقها التركي، ومن بينها بالطبع واسطة عقد كل هذه وتلك ما تدعى “عملية السلام”… ليس استجابة لتحذيرات الدكتور عريقات، وإنما لما لها من تداعيات مؤثرة على كل ما لابد وأن يبحث مما يهم الشريكين الحليفين… في أثناء ذلك، تمت التسريبات المقصودة، عن الترتيبات والاستعدادات للإعلان عن مشاريع تهويدية جديدة، بعد نهاية مدة التجميد المزعوم في أواخر الشهر التاسع، ليس في القدس فحسب، حيث لايكاد يوجد ما لم يهوّد فيها بعد، وإنما في باقي اشلاء الضفة المحتلة، بالتوازي مع تأكيدات وزير الاستخبارات دان ميريدور، بأنهم ليسوا في وارد التفاوض حول مسألة العودة إلى حدود الرابع من حزيران يونيو العام 1967. رافق هذا تقرير لمؤسسة “بيتسليم”، يقول بأن 42% من مساحة الضفة، من دون حساب مساحة القدس الكبرى واقتطاعها من مساحتها الإجمالية، قد ابتلعتها المستعمرات وغدت تحت سيطرة المستعمرين اليهود، وإن ما تعداده نصف مليون منهم يعيشون الآن في الضفة والقدس…

هذا إسرائيلياً، أما أمريكياً، ولم نصل إلى أوباما وادارته بعد، فقد جاء في تحقيق استقصائي مطوّل لصحيفة “نيويورك تايمز”، أن “أربعين جمعية أمريكية على الأقل” دأبت على جمع الملايين خلال العشرة سنوات الماضية، على شكل هبات للمستعمرين والحركة التهويدية للقدس وسائر الضفة. الصحيفة اقتفت مسار تلك الأموال عبر السجلات الحكومية الأمريكية والإسرائيلية، وأكدت أن وزارة الخزانة الأمريكية “تساعد في ديمومة المستوطنات، عبر الإعفاءات الضريبية على التبرعات”. وكشفت الصحيفة أن بعض تلك الأموال تستغل في شراء “المساكن، وكلاب الحراسة، والسترات الواقية من الرصاص، ومناظير البنادق، وسيارات لتأمين المستوطنات المقامة في عمق الأراضي المحتلة”…

هذا كله سبق القمة ورافقها، فماذا كانت حصيلتها؟

قبل التعرض لهذه الحصيلة، أو ما حصده نتنياهو من خيراتها الأوباماوية، لابد من الإشارة إلى ما كان قد سبقها من أقاويل وتخرصات غذّت أوهاماً دغدغت خيالات بعض التسوويين العرب والفلسطينيين حول العلاقة المتشنجة بعض الشيء بين قاطن البيت الأبيض وضيفه الذي حلّ سهلاً ونزل أهلاً، وإلى الصحافة الإسرائيلية التي أبهجها انقشاع هذه الغيمة المزعومة، فعلّقت “يدعوت أحرنوت” مثلاً، أن: “الابتسامات عادت إلى المكتب البيضاوي وحديقة البيت الأبيض”، ووصّفت “هآرتس”قمة أوباما- نتنياهو ب”باقات زهور، ولا كلمة عن المستوطنات”!

حصيلة القمة، أو حصادها، هو ما عبّرت عنه تصريحات طرفيها، إذ يقول أوباما، وما قاله وسيقوله هو كل ما قاله و سيقوله كل من وطأت أو ستطأ قدمه البيت الأبيض من رؤساء الولايات المتحدة السابقين واللاحقين في عصرنا هذا: إن “الولايات المتحدة ملتزمة بأمن إسرائيل”. وليس هذا فقط، بل “نحن ملتزمان بعلاقة خاصة، وسنقوم بكل ما في وسعنا لتعزيز ذلك، ليس قولاً فحسب، وإنما فعلاً”. وحيث هذا هو المطبق عملياً على أرض هذه العلاقة، فليعلم القاصي والداني، أن “الحلف الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل لايمكن كسره، فهو يشتمل على مصالحنا الأمنية والاستراتيجية، ولكن الأهم، هو تحالف بين ديموقراطيتين تتشاركان مجموعة من القيم المشتركة، وقد بات شعباها متقاربين أكثر فأكثر مع مرور الوقت”!

وعليه، أوباما، يهنئ نتنياهو “على التقدم الذي تحقق، عبر السماح بإدخال مزيد من السلع إلى غزة” المحاصرة، ويدعو إلى الشروع في مفاوضات مباشرة، ويحذّر ضمناً رئيس السلطة ورئيس وزرائها في رام الله عندما يقول: “إن لدى الطرف الفلسطيني أيضاً أشخاصاً معتدلين، مثل أبو مازن وسلام فياض، ومستعدين لتقديم تنازلات وإجراء مفاوضات للوصول إلى السلام، لكن فترة الحكم قد تكون محدودة إذا لم ينجحوا في تحقيق انجازات لشعبهم”!

أما نتنياهو، الذي تحدث عن محادثات “شاملة وممتازة”، تناولت “سبل التعاون في المجالين الإستخباراتي والأمني”، وفيها تم الاتفاق على “مواصلة العمل خلال الأشهر والسنوات المقبلة لحماية مصالحنا المشتركة في مواجهة التهديدات الجديدة”، فقد كرر ماظل يكرره في كل المناسبات، من مثل، “القدس ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية”، ولمّح سلفاً بأنه لن يمدد قرار تجميد “الاستيطان”، وحيث يبدي استعداده ل”تسهيل الحركة” بالنسبة للفلسطين في الضفة مقابل المفاوضات المباشرة، يقول: “أعتقد أنني فعلت ما يكفي”، وبالتالي، ولأنه فعل ما يكفي، كانت دعوة أوباما إلى الشروع فيها، ويأتي انتظاره لأن تبدأ “في غضون بضعة أسابيع”!

حصاد نتنياهو الأمريكي لم يقتصر على ما سبق فكان شاملاً لكل ما هو مشترك بين الطرفين، المانح والممنوح، إذا تحدثت، على سبيل المثال، إذاعة الجيش الإسرائيلي عن رسالة ضمانات سرية أمريكية لاسرائيل تتعهد فيها بالتعاون في مجال الطاقة النووية للأغراض المدنية، رغم عدم انضمام الأخيرة لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي”… أما بخصوص ترسانتها النووية المثارة مؤخراً إبان الحديث عن المساعي الدولية لمنع الانتشار النووي، فخصّص لها بيان للبيت الأبيض يقول إن أوباما ونتنياهو قد “اتفقا على العمل معاً لمواجهة الجهود الرامية إلى الاستفراد بإسرائيل”… إلى جانب تأكيد أوباما بأن “كل الخيارات مطروحة” لمنع مواصلة البرنامج النووي الإيراني!!!

والآن، هل من جديد، إن كان هذا الجديد في الحصاد أو بالنسبة لجانيه، أو في بركات مواسم الحقل الأمريكي المنعم دائماً على الإسرائيليين بالوفرة؟

الجواب، واضح، إلا لدافني رؤوسهم في التراب الأوبامي، الذي ذرته رياح الواقع الأمريكي وأفعال الإدارة لا أقوالها، بسرعة قياسية، وخلال ما هو أقل من العام على دخولها إلى البيت الأبيض. إذ لولا اختلاف الوجه واللون، لظننا أن نتنياهو هذه المرة كان يجالس في البيت الأبيض. جورج بوش الإبن، أو حتى رونالد ريغان… لقد كان ما دار وما أعلن هو جوهر الموقف الأمريكي التليد، وليس من المختلف إلا أن الناطق به هذه المرة اسمه أوباما… الموقف الذي يقول:

إن اسرائيل هي جزء من منظومة الأمن القومي الأمريكي، وبالنسبة لنا هي حالة خاصة جداً ولها الأفضلية في كل المجالات بلا استثناء، ويجوز لها كمدللة لدى عرابها ما لا يجوز لسواها من الحلفاء، ولا مجال لفرض الحلول عليها أو حثها إلا إلى ما يتفق مع رؤيتها ومصالحها ورغباتها، كما لا رقابة ولا محذور على برنامجها النووي العسكري قبل المدني… وفي مثل هذا الحالة، فالفلسطينيون هم وحدهم غير الجاهزين للتسوية، حتى وأن كانت تعني مفهوم التصفية، والعرب هم الذين لايعملون المطلوب منهم لانجازها أو دفع الفلسطينيين إليها… في هذه القمة، سمع العالم من أوباما ما كان يسمعه وسوف يسمعه من أي رئيس أمريكي، وزيادة على ذلك، كاد أن يسمع أوباما يعتذر من نتنياهو عن ما قيل من فتور شاب علاقتهما قبل القمة… ترى ما الذي سيقوله أبو مازن لو التقى مجدداً برؤساء الصحف الإسرائيلية، وما الذي ستقوله الجامعة العربية وقد غدا لا يفصلها عن الشهر التاسع إلا أقل من شهرين؟!!