منشطات الكتابة

كلاديس مطر

بركات عشتار

يتصور صديقي الكاتب أن منشطات الكتابة خذلته. وكما هيئ له أنني أضحك أمام شاشة الكومبيوتر وأنا أكتب سعيدة، كعشتار توزع بركاتها على الرعية كذلك كنت أتخيله في عزلة المتصوف الخاشع أمام نص خفي لن يعلن عنه إلا في وقته. قلت في نفسي مرات، الله وحده يعلم ماذا سيخرج من بين يديه. الأحداث العربية على كل المستويات تتوالى من حولنا وتكبر ككرة ثلج ناثرة في فضائنا كل منشطات الدنيا. من يأبه إلى عمله الإداري حينما تهطل على المرء رمال الكتابة القمرية المشعة؟ سوف يترك سماعة الهاتف وينسى محدثه ويغلق أذنيه عن صخب الدنيا ويكتب هذا النص الذي طال انتظاره. من يستطيع أن يقف أمام إغواء السرد والصفحة البيضاء الالكترونية! ؟

وأخذ خيالي يستطيل ويتمدد، وبدأت المشاهد المختلقة عن صديقي وكل أصدقائي الكتاب تتوهج في عقلي فتصورهم منكبين بين مراجع الأدب والنقد يقرأون ويكتبون ويصيغون الوجود حسب هواهم.

ترى ماذا تفعل المسافة بنا ؟! ماذا يفعل البعد، الصمت، الغياب ؟! إنه يصور لك الآخر في حالات غير حقيقية تخشى تصديقها. المسافة تخلقه من جديد في عقلك، ككائن وككاتب. المسافة تعيد قولبته، بحيث تصوره خلف المنبر يلقي نصه الذهبي أو في معرض للكتاب يمهر توقيعه على أولى صفحات إنتاجه الجديد أو بين أصدقائه الشعراء على قهوة رصيف في ليلة من ليالي القدر، وأنت هناك تصارع الكلمات بضراوة تارة أو تلقي بجسدك المنهك وذائقتك الباهتة فوق سرير الأمس المهمل.

غريبة هي الدنيا. أدخلت حتى الكاتب في سباقاتها الماراثونية الكثيرة. أصبحنا نخاف أن نضيع من ذاكرة من أحبونا وقرأوا لنا وشجعونا. أصبحنا نخاف أن نخذلهم. أن نبدو أقل بهاءً في نصوصنا أمامهم. أصبحنا نستجدي الوقت والمكان اللازمين لنكتب ما تحمله الروح وتراكمه طوال الليالي البيضاء! إنه عالم من ورق بلا منشطات اللهم هذا التَّوق العميق لأن تترك كلمتك بصمتها في قلب طالما بحثت لكي تقتنيه، ومجد صاغته كاميرات التلفزة وميكروفونات المنابر، وجنوح غريب لكي ترى نصوصك في الكتب المدرسية الممهورة بأختام وزارة الثقافة.

قطار الكتابة

تشبه الكتابة علاقة حب غير مستقرة. حين تأتي لحظات الفرح تكون جنونية وحين يبتعد الشريك تظلم الدنيا فجأة ويبدأ الخيال بنزهته المرة اللامعقولة. في لحظة القبض على الإلهام يضيء العالم بمفرداته الذهبية ويلوح الكاتب جموحا، منطلقا، متدفقا، منتعشا، يتعالى في سطوته الروحية وإحساس نادر بالرضى وحين يتمنع إلهامه يميد مشهد الحياة أمامه ويبدأ خياله لعبته الجهنمية معه.

أعرف بالعمق أن صديقي ليس كاتبا صنميا، أو أكاديميا ولا حتى ناقدا كلاسيكيا، وإلا لكانت هذه الصفات قد دفنت ألق نصوصه وحولته إلى “كاتب آخر” على رف المكتبة العربية. أراه “ينتظر” اللحظة لتأتي بملء إرادتها كامرأة مطيعة. اللحظة المباركة. لحظة القص الدسمة المنهمرة كمطر مفاجئ في عز الصيف.

إنه يشبهني في هذا كثيرا… فلست أغالب أدواتي والكلمات لأصوغ نصوصي ولا أجهد لكي أستخرج العبارة. أريدها – و الله – أن تأتي بملء إرادتها، أنيقة، متدفقة، بسيطة، مبتسمة، جذابة، ومتجددة. أريد أن تحمل بذور جودتها الفنية في ذاتها. أن تقدر على حوار المتلقي. أن تلتف حوله وتغريه بعمقها وشفافيتها. كلانا معا، أنا وهو، نعرف أن هناك أوقات طويلة ربما يجب أن تمضي قبل أن تحضر لحظة القص المباركة فتقتحمنا مثل حبيب طال غيابه. لكننا نظل في انتظارها. من يمنع هذا الخيال الجامح من أن يسافر إلى “الآخرين” فنراهم يمهرون تواقيعهم فوق النصوص، التي ستنطلق إلى مواقعها الثقافية وتستقر فيها.

خيال الكاتبة المرهقة

في المنزل. بين صور العائلة المنتشرة على الجدران. صور شهادات أشقائي. صوري عندما كنت صغيرة في ثوب العيد الأبيض والقبعة الملفوفة بشريطة الساتان. صور الأحفاد. صور الوالد في ثوب التخرج. صور جدي وجدتي في “بُوزْ” رومانسي قديم حيث الرأس يميل على الرأس… بين هذا الزحام من الذكريات والتيه أمضي ساعات طوال في غرفة مكتبي. أعرف أن هذا الإرث يحرك ذائقتي في اتجاه ما. في ما مضى. في مرحلة دراستي الثانوية كنت أقضي تسعة أشهر في العام بالزي العسكري. كان كل شيء باهتا عدا الكتب وهذا الطريق المشجر الطويل باتجاه المدرسة. الذهاب والإياب إلى دير الكرمليت، صمت الراهبات الصباحي ورائحة الصابون التي كانت تفوح منهن وجرس الدخول إلى الصفوف. نظارة المُدرسة وأحمر شفاهها. رسائل الحب الصغيرة التي كانت تقفز إلى مقاعدنا من الخارج عبر الشبابيك المفتوحة. الجوع ساعة الظهر. الصداع بعد الظهر. النعاس في صف العلوم. الخوف في صف اللغة الفرنسية، ذكريات تحرك هذا القلم الذي يشعر بالوجود حوله و يكتبه.

لكن الإرث اليوم اخذ يكبر، فما يتفرج عليه صديقي في قنوات العروبة الفضائية أتفرج عليه أنا كذلك. بعد ساعات الكتابة الطويلة والإرهاق الفكري، أسمح لنفسي بتأمل فنانات ناصلات اللون لا أتذكر أسماءهن، ممن يجعلوني أفكر بهذا الجانب الذي أريده أيضا أن يكون منتعشا وأنيقا وحيا في حياتي. لكني أقول في نفسي إنه لا يوجد حد وسط. إما أنا هنا أو أنا هناك!

أتطلع في المرآة، التي تظهر فيها أيضا، بشكل جانبي، ملفاتي وكتبي المرتاحة على الرفوف. تطرف عيني وأبتسم. أتخيل هند رستم في معرض للكتاب توقع على مؤلف جاد عن “اللسانيات ونظرية تشومسكي” مثلا، بينما تتطلع في الجمهور الملتف حولها بعدساتها الزرقاء المتوهجة. أووووف! إلى أين يمكن أن يجنح خيال كاتبة مرهقة!؟

يكبر الإرث أكثر فأكثر وتتداخل العلاقات. أصبحت تصلني أصداء تعليقات الأصدقاء وآراؤهم ” النقدية”. إنهم يسمحون لعبارات السمر اليومية في ” حلقات المثقفين ” من أن تفلت بعد الكأس الأولى أو الثانية، حيث الاتهام الجاهز الأبدي من أني ” من برج عاجي أتيت وإلى برج عاجي سأنتهي”. الأصدقاء -الأعداء، سمة الكتاب المكرسين، أقول في نفسي لكي أخفف من وطأة هذا الحب الذي لم افهم له رأس من أساس.

أقرر أن ابتعد وانشر نصوصي بهدوء.

القلب وما يرهقه!

يغدو العالم موزاييكيا أكثر كلما مرت الأيام علي وعلى صديقي. خط أنترنيت رفيع، تائه، خفي يمرر هذه النصوص الجميلة. يطلب مني التدخل بقلمي الأحمر حين يكتب عن قضايا الوطن وأطلب منه التدخل بقلمه الأزرق حين أكتب عن الحب على الطريقة السورية. نعين أنفسنا على الإبداع كعجوزين قتلهم الشوق لهذا النص الأخير، البديع الذي لا يأتي!؟ عالم من ورق يفرش عباءته على هلع الاقتصاد والمجتمع والسياسة وحتى الطبخ.

من وقت لآخر تظهر قصيدة في الأفق لشاعر فلسطيني أو مقال لكاتب لاتيني أو تقرير من جامعة أمريكية يدين إسرائيل وسياسة أميركا الخارجية. تتحرك البوصلة من جديد، بوصلة القص المباركة لتغير اتجاهها وتدخل مصطلحات جديدة على الخط لنطرز بها النصوص القادمة.

وبينما يرهق قلبه من “دراما الصحف المكررة” يرهق قلبي أنا أيضا من هذا الجنون الفالت من عقاله حولنا. لكن قلبينا يتعبان أيضا من تفاصيل صغيرة ربما لا تهم الآخرين. إنهما يتعبان من لحظات اكتشاف الجمال في النص. لحظة يغشى العين دمع الفهم. لحظة نرمي بقهر الورق من أيدينا ونقرر أن الدنيا تساوي قشة من دون الفن. لحظة ندرك بلمحة أن ما يجعلنا باقين على قيد الحياة ليس سوى توقنا المتواصل لتحرير هذا النص البديع الذي لا يأتي.

القلب ترهقه الأبواب المغلقة، المسافة، الحواجز، الجدران المرتفعة، الآذان الصماء وخطوط الانترنيت المقطوعة وسفر الأحباء إلى اللامكان. لكن القلب يرهقه أيضا مشهد هاو للشعر يقرر بعد كتابة القصيدة الأولى أن يعتمر البيريه ويشرب البايب، أو كاتبة صغيرة تدعي أن نجيب محفوظ صديقها الشخصي، أو ممثل مبتدئ يبرر غيابه بسبب “اوردرات” التصوير، التي تنهال عليه ليل نهار، أو ملحن لا يعرف الـ (Do) من الـ ( Re)، يعطي رأيه بسيد درويش. القلب يرهقه الزيف وكون الدنيا مقلوبة على قفاها الآن…!

و أعود من جديد، لأبحث عن منشطاتي الإبداعية. ألف المدينة على قدمي. أتطلع في كل الوجوه. أبحث عن كلمة فالتة بطريق الخطأ من فم أحدهم تحث إلهامي. مشهد صغير في التلفزيون. لحن يهيج شيئا من حنيني المتهالك. لقطة من شعر أحمد مطر أو نص من كتاب “سأخون وطني” لمحمد الماغوط، أو حتى رسالة على الموبايل تشعرني أن الدنيا بخير. قرعٌ على بابي. أحدٌ يناديني من الخارج. صوت سقوط أي شيء، أو حتى ضحكةٌ من وراء باب البيت يطلقها أحد الجيران و هو يهبط أو يصعد الدرج!!

وبعد…!

لربما كانت منشطات الكتابة منتهية الصلاحية في وطننا العربي. لقد أصبحنا متآلفين مع كل شيء! بَهُت الإحساس بالدهشة الأولى، النسمة الأولى، الفرحة الأولى، القبلة الأولى، الاكتشاف الأول. العالم يمر كل يوم من أمامنا كما هو أو متبدلا، لا فرق!

لكننا نعرف، أنا و صديقي أين نعثر على هذه المنشطات!

:::::

من كتاب: “رغبة غافية” الذي سيصدر الشهر القادم.

موقع الكاتبة

www.gladysmatar.net