الاستنتاجات الختامية من الوباء المزعوم لإنفلونزا الخنازير

ثائر دوري

قبل عدة أيام صدر تقرير للمجلس الأوربي أشبه بتحقيق جنائي عن الوباء المزعوم لإنفلونزا الخنازير. اعتبر التقرير، الذي نشرت مضمونه وكالات الأنباء، أن الأمر برمته ليس سوى عملية نصب واحتيال جنت منها شركات الدواء الكبرى حوالي سبع مليارات من الدولارات، واتهم التقرير مجموعة من الخبراء يعملون في منظمة الصحة العالمية، التي لم تنجُ من الاتهام أيضاً، بما يسمى بتضارب المصالح. حيث نُشرت أسماء لأشخاص كانوا أصحاب قرار، أو يقدمون المشورة الفنية لكل من منظمة الصحة العالمية أو للحكومات في حين أنهم، وفي نفس الوقت أيضاً، يتقاضون مرتبات كبيرة من شركات الدواء. على سبيل المثال سمت مجلة دير شبيغل الألمانية _في تحقيقها المطول عن الموضوع والمنشور على الموقع الإنكليزي للمجلة على النت بتاريخ 12 -3 – 2010 تحت عنوان “هستريا الإنفلونزا”_ سمت المستشار العلمي الأول للحكومة البريطانية البروفيسور روي أندرسون بأنه كان يتقاضى راتباً سنوياً قدره اكثر من 177ألف دولار من شركة غلاسكو سميث إحدى الشركات المنتجة للقاح انفلونزا الخنازير.

لم تجد مديرة منظمة الصحة العالمية تشان ما ترد به على تقرير المجلس الأوروبي سوى بالقول إنه لا يوجد أي تضارب مصالح عند أي من خبرائها. (وكالات)

ما يهمنا من العودة للكتابة عن هذا الأمر هو تلخيص الدروس المستفادة من هذه التجربة، واستغلال لحظة الأزمة الوهمية التي مر بها العالم للكشف عن بنية النظام الذي يحكم العالم، فما يجري في المجال الطبي العالمي مشابه لما يجري في المجالات الأخرى، وتبقى الأزمة سواء كانت حقيقية أم وهمية أفضل كاشف للبنية الحقيقية للأفراد والجماعات والأنظمة، فكما أن الرجال يمتحنون بالذهب، والذهب بالنار، فإن المجتمعات تمتحن بالأزمات، فتظهر بناها الحقيقية عارية.

أولا: رأسمالية الكوارث الوهمية

يعني تعبير “رأسمالية الكوارث”، الذي نحتته الكاتبة الكندية نعومي كلاين، استغلال كارثة ما: طبيعية مثل التسونامي أو الزلازل، أو من صنع البشر مثل الحروب من أجل تحقيق الأرباح وتمرير برامج سياسية كان من الصعب أن تمر في الأوقات العادية. فقد رأينا أثناء زلزال هايتي مسارعة القوات الأمريكية لاحتلال هذا البلد بحجة مساعدته، كما صرح أحد المستثمرين الغربيين في العراق للكاتبة بالقول: “الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم لا يزال على الأرض”. وسبب ذلك يعود إلى أن البنى الاجتماعية، التي تقاوم مثل هذه التحولات، تكون مدمرة بفعل الكارثة والناس مذهولة لا تبدي حراكاً تحت تأثير الصدمة.

طرأ تطوير جديد على مفهوم “رأسمالية الكوارث” فنشأ ما يسمى “رأسمالية الكوارث الوهمية”، ويقوم هذا المفهوم على ايهام الناس عبر وسائل الإعلام أن هناك كارثة كبيرة قادمة، ثم استغلال حالة الخوف والصدمة لدى الناس من أجل تحقيق الأرباح، أو تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها الناس في الحالات الطبيعية. تشرح الكاتبة الكندية نعومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة” نشأة رأسمالية الكوارث الوهمية. فتقول إن قواعد هذه اللعبة عرضها الخبير الإقتصادي صاحب النفوذ في صندوق النقد والبنك الدوليين جون وليامسون، وذلك في مؤتمر صغير عقد في واشنطن في 13 كانون الثاني 1993. حيث ألقى وليامسون محاضرة في هذا المؤتمر قال فيها ما يلي:

((على المرء أن يتساءل إن كان من المنطقي افتعال أزمة لتحريك الجماد نحو الإصلاح، ففي البرازيل، على سبيل المثال، اقترحت زيادة التضخم لإثارة الخوف والتحفيز لقبول التغيير.. ما كان يفترض بشخص ذي بصيرة تاريخية أن يدعو ألمانيا واليابان في منتصف الثلاثينيات إلى خوض الحرب من أجل الحصول على مكاسب النمو الهائل الذي تلا الهزيمة، هل كانت أزمة أقل وطاة خدمت الوظيفة نفسها؟ هل من الممكن اختلاق أزمة وهمية تخدم الوظيفة الإيجابية بدون تكبد كلفة الأزمة الحقيقية؟))

إن الوباء المزعوم لانفلونزا الخنازير، وقبله الطيور، تطبيق عملي لمفهوم “رأسمالية الكوارث الوهمية”، فقد تم تحويل انفلونزا بسيطة إلى مرض مميت قاتل يهدد بإبادة الحياة على وجه الأرض، وذلك عبر الضخ المكثف للأخبار المرعبة من قبل وسائل الإعلام ومساندة حشد هائل من الأطباء، ومن الاختصاصين مدعومين بتقارير منظمة الصحة العالمية. لقد قصف “الخبراء” المشاهدين على مدار الليل والنهار بنبؤات قيامية عن فناء ملايين البشر، وتحدثوا عن احتمالات تصلح كسيناريوهات لأفلام رعب هوليودية مثل إمكانية اندماج الفيروس مع غيره وتشكل مزيج قاتل، أو احتمال حدوث طفرة قاتلة على بنية الفيروس. وتدريجياً كانت منظمة الصحة العالمية تلعب دور ضابط الإيقاع عبر رفع درجة الإنذار من الفيروس وصولاً للدرجة السادسة القصوى. وهدف كل ذلك بيع الدواء ثم اللقاح.

يقول تحقيق مجلة دير شبيغل الألمانية، الذي أشرنا إليه سابقاً، أنه قبل ثلاثة أسابيع من إعلان منظمة الصحة العالمية درجة الإنذار القصوى من الوباء اجتمع ثلاثون من كبار ممثلي الإحتكارت الدوائية في العالم يطلق عليها Big Pharma) ) مع الأمين العام للأمم المتحدة ومديرة منظمة الصحة العالمية، وكان سبب الاجتماع المعلن مناقشة كيفية تأمين لقاحات الأطفال للدول الفقيرة، لكن الصحيفة تقول إن كل ما دار في الإجتماع كان منصباً على طلب ممثلي الشركات الدوائية اعلان انفلونزا الخنازير وباء من الدرجة السادسة. فقد كان كل شيء بالنسبة لهذه الصناعات متوقفاً على هذا الإعلان، وذلك لأن عدداً كبيراً من دول العالم قد وقعت، سابقاً، اتفاقيات مع شركات الدواء تنص على توريد الأدوية أو اللقاحات اللازمة بالسرعة القصوى في حال حدوث وباء من الدرجة السادسة. وتضرب الصحيفة مثالاً على ذلك بالعقد الموقع بين الحومة الألمانية و شركة غلاسكو سميث.

غيّرت منظمة الصحة العالمية تعريف الوباء من التعريف القديم، و هو “حدوث مرض جديد عابر للحدود مع إمراضية عالية ووفيات كبيرة” إلى “حدوث مرض جديد عابر للحدود” فانطبقت المعايير الجديدة المختزلة على انفلونزا الخنازير، و بناء على التعريف الجديد أعلنت المنظمة أن انفلونزا الخنازير باتت وباء من الدرجة السادسة، وذلك في الحادي عشر من حزيران 2009.

ثانيا: التخويف بالأنفلونزا الإسبانية

تشكل إثارة الخوف سلاحاً مفضلاً في جعبة منفذي ومخططي رأسمالية الكوارث بشقيها الحقيقي والوهمي. فالخوف يعطل ملكة التفكير السليم ويجعل الإنسان مشلولاً غير قادر على المبادرة، تماماً كما يتجمد الفأر أمام الأفعى، وكلما كان الخوف شديداً تحول الإنسان إلى عجينة سهلة التشكيل.

وقد استُخدم التخويف استخداماً كثيفاً من قبل “الخبراء”، وفي وسائل الإعلام أثناء ما يسمى بأزمة انفلونزا الخنازير. فتحدثوا عن ملايين الوفيات، وعن تعطل الحياة، وبثوا تنبؤات قيامية. لكن حجر الزاوية في سياسة التخويف كان ما يسمى بالإنفلونزا الإسبانية، وهي إنفلونزا انتشرت في العالم عند نهاية الحرب العالمية الأولى، ويُقال، استناداً إلى الدراسة التي أجرتها عام 2002 مدرسة الصحة العامة في جامعة هارفارد ونشرتها مجلة لانست الطبية الشهيرة، أنها أدت إلى وفاة خمسين مليوناً من البشر. لكن الاستشهاد بدراسة جامعة هارفرد كان منقوصا على طريقة “لا تقربوا الصلاة” ثم السكوت عن “وأنتم سكارى”.

اتبعت تلك الدراسة أسلوباً علمياً معقولاً يعتمد على دراسة سجلات الوفيات بين عامي انتشار الوباء 1918 و 1920 في منطقة محددة، ثم قارنته مع سجلات الوفيات خلال ثلاثة أعوام سابقة وأخرى لاحقة. واعتبر الفرق بين أرقام الوفيات بين السنوات السابقة واللاحقة وسنوات الانفلونز كوفيات بسبب الانفلونزا. وجدت هذه الدراسة أن نسبة الوفيات بسبب هذا المرض كانت في الهند أكثر بأربعين ضعفاً عنها في الدانمارك، حيث كانت 7.8 % في ولاية بيهار والمقاطعات الوسطى من الهند مقابل 0.25 % في الدانمارك. ولتفسير هذا الفارق الاحصائي الهام جداً في نسب الوفيات قام الفريق الطبي بدراسات عديدة، وفي النهاية فسر الأمر بالفقر السائد في الهند. تقول الدراسة “لكل 10 % زيادة في الدخل، كان هنالك انخفاض بنسبة 10% في معدل الوفيات”. فالقاتل هو الفقر الذي يؤدي إلى سوء التغذية، التي تؤدي بدورها إلى نقص المناعة، وتستنتج هذه الدراسة أنه في حال حدوث وباء مماثل اليوم فإن 96% من الوفيات ستكون في العالم الثالث بسبب سوء التغذية و الفقر.

كما أن الإنفلونزا الاسبانية حدثت في ظروف الحرب وما يعنيه ذلك من معسكرات اعتقال، وتجميع الجنود، وهجرة شعوب مشياً على الأقدام لمسافات طويلة، وأخيراً فإنها حدثت في عصر لم تكن المضادات الحيوية موجودة بعد.

ثالثاً: خصخصة الصحة و المؤسسات الصحية

تلقت سياسات الخصخصة الفريدمانية دفعة قوية بانهيار الإتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن الماضي، وبدا الأمر كتسونامي هائل غمر كل الحكومات والمنظمات فأغرق كل منطق غير منطق الربح. ومنظمة الصحة العالمية مثلها مثل غيرها تعرضت لهذا التسونامي.

وفي التسعينيات من القرن الماضي أعلنت النرويجية براندتلاند، التي كانت مديرة للمنظمة. أعلنت ما يسمى بسياسة الشراكة مع القطاع الخاص، وهي وصفة فريدمانية تؤدي لزوال الحدود بين القطاع الخاص والعام، ثم تسخير القطاع العام من أجل خدمة المصالح الخاصة، ونشوء ما يسمى بتضارب المصالح الذي لاحظه تقرير المجلس الأوربي. وقبل أزمة الأنفلونزا هذه كانت هناك مواقف مخزية للمنظمة، فعندما انفجرت الأزمة بين جنوب افريقيا والاحتكارات الدوائية على خلفية قيام جنوب أفريقيا بتصنيع أدوية الإيدز محلياً من أجل ايصالها إلى العدد الكبير من مواطنيها المصابين بهذا المرض (10% من السكان) غير القادرين على شراء الدواء الأصلي الباهظ الثمن والمصنع في الغرب من قبل الشركات الدوائية. انحازت المنظمة إلى صف الإحتكارات الدوائية، وهذا أمر متوقع في ظل اعتماد نسبة كبيرة من ميزانيتها على أموال الإحتكارات الدوائية، وفي ظل تداخل المصالح الذي أشارت له السيدة دافني فريشليفي في رسالة استقالتها من المنظمة، وهي تشكل اتهاماً صريحاً للمنظمة وللسيدة براندتلاند المديرة السابقة. فقد شكت صاحبة الرسالة من “النقص في حماس الادارة الحالية في الدفاع علناً عن المصالح الحيوية للبلدان النامية وهو ما يجب أن يكون موضوع الاهتمام الرئيس للمنظمة”. وهي ترى أن منظمة الصحة العالمية قد تخلت عن هدفها التقليدي وهو تأمين الصحة للجميع، وذلك لمصلحة الدول الأكثر نفوذاً، وبنوع خاص لواحدة من هذه الدول، ولمصلحة شركات الأدوية (راجع لوموند ديبلوماتيك الطبعة العربية يوليو/تموز 002 20جان- لو موشان عندما تنحاز منظمة الصحة العالمية الى جانب الشركات المتعددة الجنسية في مسألة الدواء).

وبمناسبة قضية جنوب افريقيا مع أدوية الإيدز وجه السيد رالف نادر رسالة للمنظمة قال فيها أن “الكثير من الناس قلقون لكون منظمة الصحة العالمية قد قبلت أن تمارس حفنة من كبريات شركات الأدوية نفوذاً غير مناسب على برامجها[…]. فالمنظمة […] قد قلصت من دورها التقليدي في تطوير استخدام الأدوية النوعية في الدول الفقيرة”.

إن الوباء الذي اجتاح العالم وما زال ويهدد بفنائه هو الفيروس الليبرالي، الذي أزال الحدود بين القطاعين العام والخاص، فحوّل المؤسسات العامة والموظفين العموميين إلى خدمة القطاع الخاص.

رابعاً: تواطؤ الأخصائيين

هناك مقولة شهيرة تقول “إن الحروب أهم من أن يترك أمرها للجنرالات” تنطبق هذه المقولة على كل مجالات الحياة، فالاقتصاد يجب أن لا يترك للإقتصاديين وحدهم. وكذلك فإن تقرير السياسات الصحية يجب أن لا يترك للأطباء وحدهم.

من المفترض أن الإختصاصيين هم أكثر قدرة على تقييم الأمور، كل في مجاله، لأنهم قضوا حياتهم يدرسون مادتهم ويبحرون في تفاصيلها. لكن الجانب الآخر السلبي هو أنهم و هم يغرقون في التفاصيل الصغيرة للإختصاص يفقدون ميزة النظرة الشاملة التي توجد عادة عند غير أهل الاختصاص، فالاختصاصيون يتوقفون عن رؤية الأمور ضمن ارتباطاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة، فيكتبون ويحللون و كأنهم يدرسون موضوعاً معزولاً عن أي ارتباط. في حين أن كل أمور الحياة مترابطة وتحتاج منظوراً مجسماً. كما أن الإختصاصيين يدرسون في معاهد و جامعات هي بالأصل جزء من بناء اجتماعي وثقافي مهمتهما تخريج كادرات للدولة القائمة، فالجامعات بشكل أو بآخر هي مؤسسات صناعة ايديولوجية مهمتها دعم النظام القائم. يضاف إلى ذلك أن المعاهد العلمية والجامعات تخضع في ظروف الخصخصة الحالية إلى تنازع المصالح. ففي المجال الطبي أصبح كثير من مراكز والمعاهد البحثية يعتمد في استمراره على تبرعات الشركات الدوائية فكيف نتوقع من عامليها والمرتبطين بها أن يعطوا رأياً يضر بمصالح هذه الشركات!

أما أزمة الأخصائيين في العالم الثالث، ومنه أمتنا العربية، فمضاعفة لأنهم تابعون للمركز الغربي ويتم التحكم بهم من هناك من الجامعات التي درسوا بها، أو بواسطة الدوريات العلمية التي يتابعونها، أو المؤتمرات التي يحضرونها، فيتبنون آراء ليست بآرائهم، وأفكاراً لم ينتجوها، ويوهمون أنفسهم برؤية أمور لا يرونها، فيصبح نتاج اختصاصهم وسلوكهم المهني نهر جار يصب في بحر الغرب ولا تنال مجتمعاتهم منهم سوى التقريع واللوم.

خامساً: ضوء في نهاية النفق

إن نقطة الضوء الوحيدة والباعثة على الأمل في هذا السواد هو الوعي الشعبي الذي لم يروضه لا الخوف، ولا آراء الاختصاصيين، ولا خبراء رأسمالية الكوارث، فبقي مصراً على أن الملك عار وأنه لا وباء ولا هم يحزنون، فرفض التلقيح وأوقع الحكومات في أزمة التخلص من اللقاحات التي اشترتها، يضاف إلى ذلك بعض الأصوات الإختصاصية الشجاعة التي لم يفسدها لا المال و لا الترهيب، وعلى سبيل المثال لا الحصر وزيرة الصحة البولندية، التي وقفت بكل شجاعة في البرلمان البولندي لتقول إنها قضت عمرها المهني الطبي، و هي تحمل رسالة واحدة، هي أن لا يصيب الضرر أي إنسان، وأنها لهذا السبب لن تشتري اللقاح، وعندما لمحت تذمراً من السياسيين، قالت إن المستفيد الوحيد من اللقاح هي شركات الدواء.