القومية: مدخل مادي/طبقي/ اقتصاد سياسي

مع أمن الوطن القطري لا نظامه

بمناسبة ديمومة 23 تموز

(الحلقة الأولى)

عادل سمارة

لم تشهد مسألة في الوطن العربي قصفاً متواصلاً من التكفير والنقد وتلبيس المضامين والانتقال بها إلى الالتباس بقدر ما شهدت ذلك وأكثر المسألة القومية العربية بل شهدت وتشهد المسألة القومية عامة نقداً بل رفضاً من الماركسيين ذوي التفكير الخطي أو السطحي وتشويهاً من ماركسيي الكمبرادور الذين استُخدموا لصالح ماركسية لم تتفهم بشكل خاص وجود أمة عربية تطورها محتجزاً، فرأت أنها في طور التكوين اعتماداً على عدم تكوُّن السوق الواحدة والتي لم توجد بعد نظراً لنفس السبب، الاحتجاز، بل نظراً لدور القوى السياسية والاجتماعية الطبقية الكامنة/الواقفة وراء السبب والصائغة له بوعي سياسي طبقي وهي قوىً داخلية وأخرى خارجية. والماركسية المقصودة هي الماركسية السوفييتية. أما ماركسية فروع الأممية الرابعة وكثير من ماركسيات غربية أخرى التي أُصيبت بتطعيمات صهيونية يدركها البعض والبعض الآخر لا يدركها وهي من خلال تلوثها الإيديولوجي الصهيوني وحتى في حالات أخرى تلوثها الديني/التوراتي لا تدعم الكيان الصهيوني وحسب بل تدعم الاستعمار والإمبريالية وتتخذ مواقف تتقاطع مع مواقف/مصالح الطبقات الحاكمة هناك تجاه/ضد الأمة العربية.

كما تشهد المسألة القومية هجمة من اتجاهات في الإسلام السياسي لاختصار القومية العربية ضمن المكون الديني وحده، في حين لا تُعير القوميات المسلمة الأخرى أي انتباه لهذا الأمر إلا بالمعنى الثقافي. وهذه الهجمة لا تخلو كذلك من تراث تثقيفي استعماري أكاديمي بشكل خاص بهدف إحداث أكبر تفكيك بل اشتباك داخلي ممكن في الوطن العربي سواء بين العرب أنفسهم طبقياً وعقيدياً أو/و بين العرب وشركائهم في الوطن من الأمم والإثنيات الأخرى.

هذا إضافة إلى هجمات وتشكيك وتهم من نخب في القوميات والإثنيات الشريكة في الوطن العربي والتي ترتبط بعلاقة حبل سُرِّي بالمركز الراسمالي الغربي الذي من أكبر مشاريعه إبقاء الوطن العربي ساحة لتحقيق مصالحه أي استغلال ونهب وحتى الاستيطان في الوطن العربي.

وإذا كانت كل هذه كمؤثرات خارجية ومتخارجة مفهومة، فإن ما يحتاج إلى تفكيك هو الموقف المعادي للأمة العربية وللقومية والوحدة من داخل الوطن والشعب نفسيهما.

لن أناقش هنا مواقف القوى المحلية المعادية للأمة والقومية والوحدة [1]، ولكنني سأعرج على مسألة عامة ولكنها اساسية في تطور الوعي وتحقيق الحقيقة القومية، وهي المسألة العامة التي طبَّقها منتجوها على كل العالم وبخلوا بها على العرب، ونبت من بين العرب من هلَّل لها ولا يزال! إنها مقولة ستالين التي يشاركه فيها حتى الأكثر عداء له: ومفادها أن السوق والتطور الراسمالي، ويقصد هنا الصناعة، أساسية لاعتبار تجمع بشري ما قادر على التحول إلى أمة ويتطور لديه الوعي القومي وهذه المسألة أو المدخل هو مدخل الاقتصاد السياسي بالمفهوم المادي الأوسع والشامل، مفهوم فلسفة الاقتصاد السياسي وليس المنظور الاقتصادوي المحدود.

وهذه مسألة تفتح على نقاش موسع ربما نهايته كما جادل ماركس، بأن الانتقال إلى الاشتراكية يشترط وجود قاعدة صناعية هي القاعدة الرأسمالية وكان في هذا الصدد كثير من الجدل الذي حاول استخدام انتقال روسيا الأقل تصنيعا إلى الاشتراكية قبل الغرب الرأسمالي الأوروبي، ومن ثم انتقال الصين إلى الاشتراكية، ثم عاد النقاش ليحتدم ثانية بعد تفكك الكتلة الاشتراكية، إلى أن توصل البعض إلى الاعتقاد بتعدد طرق الوصول إلى الاشتراكية.

الرسملة والتصنيع والسوق

ونقاشنا هنا ليس بشأن انتقال الوطن العربي أو غيره إلى الاشتراكية وإنما قبلاً بشأن مدى ودور عملية الرسملة والتصنيع ووحدة السوق في التبلور القومي.

والتبلور القومي هنا لا يُغفل حقيقة تاريخية هي وجود أمم قديمة استمرت

في الوجود عبر تاريخ طويل، وبالتالي فهي خارج التشكيك في وجودها كأمة ومن بينها الأمم الهندية، الصينية، الفارسية…الخ والعربية رغم تعرضها للتجزئة القسرية.

ولكن يجب أن لا تفوتنا الإشارة إلى أن مسار تطور الأمم التي خضعت للاستعمار، أمم المحيط، سواء كان سيذهب باتجاه الرأسمالية أو اي منحى آخر، هو مسار جرى احتجازه على مستويين:

· الاحتجاز بالمعنى العام نظرا للنهب والتدمير والتجريف من قبل الاستعمار الغربي الراسمالي

· والاحتجاز بمعنى حصر طريق “تطورها” ما قبل الرأسمالية في الطريق الرأسمالي مع احتجاز هذا الطريق عبر الاستقطاب كي يتم احتجاز تطورها الرأسمالي من جهة ولمنع وقطع تطورها الاشتراكي من جهة ثانية.

يؤكد هذا الجدال على تعقيدية المسألة بمعنى أن الأمم المتقدمة تتبنى وتطبق سياسة الاستقطاب بمعنى الحيلولة دون لحاق الأمم الفقيرة/المتخلفة بها. وفي هذا المعرض تحديداً يتم توظيف نظرية ومن ثم سياسة الاستقطاب باتجاه معاداة وخصي التطور الصناعي بمدياته المديدة والتصنيع الزراعي كذلك وخصي الوعي ومن ثم الممارسة فالتبلور القومي في المحيط. أي أن هناك تغذية متبادلة بين الاستقطاب والتجزئة والتذرير لبلدان المحيط وخاصة الوطن العربي.

لقد سبق وجود السوق حلول مرحلة الرأسمالية مجسدة في هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وقد لعبت السوق دوما دورها في صراع الكيانات السياسية لأجل سيطرة كلٍّ منها على مواردها وموارد الأخريات. ومن هنا كان صحيحاً الجدل بأن العولمة اقدم من تجليها الذي تبدى في نهايات القرن العشرين.

ومقابل صحة الجدل بأن السوق أسبق من الرأسمالية بكثير وأنها وليدة تجاوز الإنتاج للاستعمال باتجاه الإنتاج للتبادل وهي بالطبع الفسحة المكانية/الحيز والعلاقاتية للملكية الخاصة والاستغلال، ليس صحيحاً القول بأن الأمم التي لم تتوحد في سوق إبان المرحلة الراسمالية ليست أمماً حتى لو كانت من الأمم القديمة بمعنى أن ليس لديها مشتركاً أو جامعاً سوى السوق الموحدة أو أن السوق لم توحدها.

السوق بحد ذاتها هي مكان تُجرى عليه العمليات الإقتصادية وهذا المكان تطور أو انتقل إلى الفضاء الإلكتروني لإجراء هذه العمليات، وهي اي السوق من جهة ثانية موقع أو فضاء تسهيل وترتيب علاقات ومهما بدت ناشطة وتتضمن مليارات الصفقات والتبادلات إلا أنها هي محايدة صماء لا يعطيها مضمونها سوى الناس/الطبقات وليست هي التي تفعل ذلك. ومن هنا كانت مقولة ماركس “إن حرية السوق هي إيديولوجيا” لأن هذه الحرية لم تصنعها ولم تمنحها السوق، كما أنها ليست للجميع بل هي مقودة بمصالح الأكثر هيمنة لدرجة أنها في غالب الأحيان تأخذ شكل حماية السوق وانحصاره واحتكاره وليس انفتاحه.

أما وهذا جوهر السوق، فإن علينا النظر لما خلفها، إلى ما يُكوِّنها، وإلى طبيعة السوق في كل مرحلة تاريخية على حدة لأن المحدد الأساس/ المحرك الأساس The Prime Mover في الاقتصاد هو نمط الإنتاج المهيمن بغض النظر عن واحد أو لفيف من أنماط الإنتاج الثانية والتابعة المتمفصلة معه. السوق أحد تجليات نمط الانتاج المهيمن في تأثيره على الطبقات الاجتماعية التي تشتبك في السوق، كموقع وعلاقة أيضاً، بل تخلقه، فالطبقة الراسمالية تصل السوق بما لديها من منتجات، وضمن هذه المنتجات يصل العمال إلى السوق في وضعيتين سلبيتين مع أنهم الفاعل الإيجابي في خلق المنتجات:

· يصلون السوق مخفيين ومتضمَّنين في السلع التي انتجوها لأنهم منتجو تلك المنتجات التي هم مغرَّبين عنها.

· ويصلون كمستهلكين لما أنتجوا وكمغرَّبين عما أنتجوا وهذا عامل سلبي آخر لأن الأصل أن تكون منتجاتهم لهم. فالأجرة التي يتلقونها لقاء عملهم، وهي اقل من قيمة ما يبذلوه في إنتاج سلع يعودوا ليشترونها بالأجرة التي دفعغت لهم لقاء إنتاجها، وهي اقل بكثير من سعر تلك السلعة فقد يشترونها بما يفوق قيمتها الحقيقية لأنها تصبح في السوق رهينة العرض والطلب تحدد قيمتها بسعرها وليس بمقدار العمل المتضمن فيها.

كما أن السوق في مرحلة الرأسمالية أكثر نشاطاً وتنوعاً واتساعاً من السوق في المراحل الأخرى السابقة عليها، وهي، أي السوق، مكان تجسيد الحصول على الربح. ففي الرأسمالية تصبح السوق سوق الدولة القومية وليس سوق القرية أو المدينة أو الإقطاعة. تصبح هي الأوسع، سوق الأمة.

ونشاط السوق أو الحيوية المضفاة من الناس على السوق في حقبة الراسمالية ناجمة في الأساس عن تغيرات ليست السوق سببها بل هي مكان إجرائها، اي ليس وجود السوق هو اساسها ومحركها بل طبيعة نمط الإنتاج الراسمالي بما يقتضيه هذا النمط من:

· العمل الاجتماعي حيث تدخل في العملية الإنتاجية أعداد هائلة من الناس هم أنفسهم الذي يدخلون السوق كمستهلكين، وكأنما هم يُقاضون أجوراً من أجل هدفين لا هدف واحد:

ـ الهدف الأول هو الهدف الكلاسيكي المعروف اي تمكينهم من إعادة إنتاجهم لأنفسهم جسدياً كي يتمكنوا من العمل والإنتاج ثانيةً،

ـ ولكي يستهلكوا بهذه الأجور ما أنتجوه وهذا كامن في الهدف الأول، كموناً يؤكد أهميته وجوهريته.

· التشغيل الموسع والمأجور بمعنى أن الزراعة وخاصة الصناعة تتطلَّب عمالاً لا تستطيع الأسرة في الإنتاج ما قبل الراسمالي، الحرفي مثلاً، أو الزراعي الاكتفائي، توفيرها.

· التبادل الموسع حيث تتسع البقعة الجغرافية والعدد السكاني المرتبطة بهذا السوق بناء على اتساع الدولة القومية

· اتساع الطاقة الاستهلاكية وخاصة حين يُستبدل العمل بالسخرة بالعمل المأجور، هذا إلى جانب مصلحة راس المال في تشغيل العمال في إنتاج منتجات جديدة تغوي المستهلكين بدفع كل ما لديهم لحيازتها.

· ارتباط أكثرية المجتمع بالسوق حيث تحل القيمة التبادلية محل القيمة الاستعمالية وبالتالي تزداد الصفقات بشكل متسارع.

· توجه الناس بإنتاجهم إلى السوق وهذا مرتبط كذلك بهيمنة القيمة التبادلية حيث يصبح الانتاجان الزراعي والصناعي وكذلك الخدمات موجهة للسوق، فلا يعود هناك منتج مستقل لكفاية نفسه وحسب.

إذن تختلف طبيعة السوق باختلاف نمط الإنتاج المهيمن وبالتالي الطبقات الاجتماعية ولا سيما الطبقتين الرئيسيتين اللتين تمثلانه اساساً ويتعين وجوده بهما، وهما في نمط الانتاج الرأسمالي : الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة. وهذا يفتح على مسالة التصنيع بما هي لصيقة بالراسمالية بل شرطها الأساس وإن كان هذا لا يمنع أن تكون شرطاً لغير هذه التشكيلة ايضاً.

فللوصول إلى سوق راسمالية لا بد من قاعدة صناعية يكون نمط الإنتاج الراسمالي هو المهيمن فيها. وهذا ما يفرز البنية الطبقية في المجتمع. إن مستوى تطور قوى الإنتاج وانخراط الناس في العمل بعيدا عن التهميش يلعب دوراً مفصلياً في تحديد طبيعة المواطنة في نفس المجتمع.

فالمواطنة لا تُمنح من السلطة الحاكمة كما يزعم كثيرون بل تُنتزع من السلطة. والمواطنة تصبح بالمقابل انتماءً بقدر ما تكون قد تبلورت بنضالات الطبقات الاجتماعية (الطبقة العاملة خاصة) كي تحقق حقوقها وتتمسك بالتالي بهذه الحقوق كإنجازات ناضلت من أجلها. إن المواطنة إنتاج مجتمعي ونتاج كجزء من البنية الفوقية يكمن اساسه في قوة البنية التحتية التي ترغم السلطة على احترام المواطنة والمقصود بالبنية التحتية هنا وجود قاعدة تشغيل لأعداد كبيرة من الناس الذين يتحولون إلى منتجين وبالتالي أصحاب حقوق وهذا ينطبق اساساً على التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية أو يبدأ من عندها.

وقد يجد هذا الأمر تفسيره في قراءة أصول ومسببات الديمقراطية السياسية في المجتمعات الراسمالية. هل الغرب الراسمالي ديمقراطي بالفطرة أو بلونه الأبيض بينما الأمم الأخرى ميالة بطبيعتها لخلق الاستبداد والتعايش معه؟ هل تتحقق الديمقراطية السياسية في الأنظمة البرجوازية اللبرالية بمعزل عن التصنيع وعن علاقات الإنتاج الراسمالية؟ وهل الديمقراطية هي كالسوق موجودة في كل عصر ولكنها مع كل نمط إنتاج مهيمن تتخذ شكلاً مختلفاً وعمقاً مختلفاً كذلك؟

صحيح أن الديمقراطية لم تنبت مع الرأسمالية، ولكن هناك ديمقراطية رأسمالية، ديمقراطية اكتسبت ملامحها بل جوهرها من طبيعة العلاقات الاجتماعية التي أفرزها نمط الإنتاج الراسمالي، وهي لا شك متقدمة على أشكال الديمقراطية السابقة لها لأن التشكيلة الراسمالية أرقى من سابقاتها كما انها لن تظل الأرقى.

ورقي التشكيلة الرأسمالية مرتكز أساساً على مستوى التطور المادي الذي جوهره الاقتصاد وإلى جانب ذلك الثقافة أو البنى الفوقية بشكل عام. وهذا يفتح على السؤال:

كيف تبلورت الديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة؟ هل كانت الحريات والديمقراطية منحة أملتها ثقافة “تقدمية/إنسانية” لدى البرجوازية؟ أم أن شرط سير خط الإنتاج يتطلب درجة من الحقوق وإن على شكل رشوة تولد هيمنة على الطبقة العاملة. نعم، قد يعتقد البعض أن هذا الرضى هو درجة من الهيمنة أو الاستسلام لهيمنة رأس المال، وهذا صحيح وصحيح كذلك لأن الطبقة العاملة لم تبلور مشروعها للهيمنة المضادة أو المقاوِمة.


[1] ناقشت هذا الموضوع باستفاضة في كتابي: دفاعا عن دولة الوحدة: وإفلاس الدولة القطرية منشورات دار الكنوز الدبية، بيروت 2003 وكتابي القطرية والقومية والاشتراكية: مقدمات في تفكيك مفاصل الدولة القطرية، منشورات مركز االمشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية رام الله 2009.