سيرة الحاج أمين الحسيني في جريدة الأخبار

ثائر دوري

بدأب يحسدون عليه ما فتئ بعض كتاب جريدة الأخبار اللبنانية يشنون الهجوم تلو الهجوم على الحاج أمين الحسيني لسبب واحد وحيد لا شريك له و هو تحالف الحاج أمين مع هتلر في الحرب العالمية الثانية.

لعب الحاج أمين دوراً تاريخياً هاماً على مساحة المشرق العربي في فترة تاريخية هامة. و كان له ما له و عليه ما عليه، و هو – ككل شخصية تاريخية- يجب أن يخضع للدرس و للنقد و للتشريح و للتفكيك، كما يفعل أي دارس للتاريخ، إلا أن ذلك أبعد ما يكون عن التناول المبتسر الصبياني لشخصية الحاج في جريدة الأخبار، و موضوع هذه المقالة ليس الدفاع أو نقد الحاج أمين الذي قيل في نقده الكثير، و إذا أراد نقاده من كتاب الأخبار إجراء تقييم جاد لسيرة الحاج فليعودوا على الأقل إلى مذكرات المرحوم الشقيري الذي ينقد الحاج نقداً جاداً لاذعاً دون أن يتطرق لحكاية تحالفه مع هتلر، التي هي حكاية ثانوية ضخمها الصهاينة و كتاب جريدة الأخبار من اليساريين.

يوحي التركيز بالنقد على تحالف الحاج أمين مع هتلر على أن كوارث الشعب الفلسطيني كانت كلها بسبب هذا التحالف، بما يعني ضمناً أنه لو لم يتحالف الحاج مع هتلر لما كان هناك نكبة، و ربما كانت الأمور ستسير سيراً حسناً، هذا المضمر الأول في الالحاح على شتم الحاج الحسيني بحجة تحالفه مع هتلر. أما المضمر الثاني فهو اعتبار النازية ممثلة بهتلر قمة الإجرام و الدموية و العنصرية التي أنتجتها البشرية، و أنها مجسدة للشر المطلق، و بالتالي فإن كل من يلمسها يتلوث بشرها، و يصبح حسب قانون التناضح العكسي شريراً مثلها.

التحالفات في السياسة مسألة معقدة فقد تحالف ستالين مع هتلر في بداية الحرب قبل أن ينقض هتلر على هذا التحالف، و تحالف ستالين مع كل من بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب ثم انقلبا على بعضهما و اعتبر كل فريق من الحلفاء الفريق الآخر رمزاً للشر المطلق، كما اعتبر أتباع الولايات المتحدة كل من يتحالف مع الإتحاد السوفيتي شريراً يجب ادانته و بالعكس. كان الحاج الحسيني يقوم بفعل سياسي أثناء تحالفه مع هتلر، و هو فعل مشروع تقوم به كل الأمم و الشعوب عندما تتصدى لعدوان تعرضت له، فهي تبحث عن العون من أي جهة كانت. و موضوع هذا التحالف لا أجده يقدم كثيراً أو يؤخر فيما آلت إليه الأمور فيما بعد، لأن هناك أمثلة تاريخية عربية معاكسة تحالف فيها عرب مع الحلفاء و لم يكن حصادهم أفضل من حصاد الحاج، على سبيل المثال لم يكن هناك مؤيدون لهتلر بين السياسيين الجزائريين الأساسيين، و تطوعب مع الحلفاء و لم يكن حصادها أقل مراراً من حصاد الحاج ، على سبيل المثال لم يكن هناك مؤيدون لهتلر بين السياسيين الجزائريين و تت أعداد كبيرة من الشباب الجزائري في جيوش الحلفاء ( ُقدر عدد الجنود المغاربة الذين حاربوا مع الحلفاء بربع مليون )، و مات كثير منهم في معارك الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. ماذا كانت النتيجة ؟ هل شكرت فرنسا لهذا الشعب ؟ هل ساعده الإنكليز ؟ هل وقفت أمريكا معه ؟

كانت أولى المكافآت التي حصل عليها هذا الشعب مجازر فرنسية في عيد النصر على النازية عام 1945م، فقد قتل الفرنسيون عشرات الآلاف من هذا الشعب الذي قاتل في صفهم و ساهم في تحرير بلدهم من النازية. فليس مآل الأمور إذاً مرتبطاً بتحالفات الحاج. الأمر الثاني أيهما كان أكثر خطورة على القضية الفلسطينية، تحالف الشريف حسين مع الانكليز غير الفاشيين و غير النازيين خلال الحرب العالمية الأولى، أم تحالف الحاج مع هتلر ؟ باعتقادي إن تحالف الشريف حسين مع الانكليز الديمقراطيين المنتمين إلى العالم الحر في الحرب العالمية الأولى هو الذي أضاع فلسطين، لأن فلسطين ضاعت في الحرب العالمية الأولى.

نأتي لحكاية رفع هتلر و النازية لمرتبة الشر المطلق، و هذا الأمر يتعامل معه كتاب جريدة الأخبار على أنه بديهية لا تقبل النقض، و لا يأتيها الباطل من أمام أو من خلف. النازية ايديولوجية عنصرية مجرمة لكنها لا تختلف كثيراً عن ايديولوجيات العصر الغربي الذي يحكم العالم منذ خمسمائة عام و نيف. تعرض العرب في الأندلس إلى أول تطهير عرقي و ثقافي في التاريخ على يد الملوك الاسبان قبل أن يكون هناك هتلر، و تعرض الهنود الحمر إلى أكبر مقتلة بشرية على يد الأنغلوساكسون دون أن تكون هناك ايديولوجية نازية أو فاشية، و قتل الفرنسيون مليون و نصف من الجزائريين، و الفرنسيون يحملون شرعة حقوق الإنسان ومباديء الثورة الفرنسية في الإخاء و المساواة، و اشتركت كل الأطراف الغربية في قتل الأفارقة و استعبادهم و تدمير ثقافاتهم و كان نصيب ألمانيا النازية في هذه المجازر هو الأقل، و أنغلوساكسون اليوم -أعداء هتلر و غير النازيين – يتابعون القتل في العراق و أفغانستان و فلسطين بهمة يحسدهم هتلر عليها، فقد تجاوز عدد قتلاهم مليون شهيد في العراق وحده دون أن يكون هتلر هو المسؤول عن ذلك.

إن هذه الشيطنة لهتلر و للنازية مفهومة بين أطراف متحاربة، و في سياق تاريخ كتبه المنتصرون، و لو أن هتلر كان المنتصر لكُتب التاريخ بشكل مناقض لما هو مكتوب الآن، ولرأينا مثقفي جريدة الأخبار يكتبون معلقات حول مجزرة دريسدن، المدينة الخالية من أي منشآت عسكرية و التي دكتها الطائرات الأمريكية والبريطانية على رؤوس أهلها في أعنف قصف جوي عرفه التاريخ ( قبل قصف العراق ) مسببةً مقتل ما يقدر بربع مليون شخص في يومين. و لو انتصر هتلر كنا سنشاهد محاكم في نومبرغ لمجرمي الحرب الأمريكان الذين خططوا و أمروا بقصف هيروشيما و ناغازاكي بالقنبلة النووية.

النازية عقيدة عنصرية متعصبة متعالية، لكنها لا تختلف عن أي ايديولوجيا حملها حكام هذا العصر الأوربي – الأمريكي منذ نشأته على عظام ضحاياه من العرب و المسلمين في الأندلس، و حتى الطريق الممتد بين القدس وبغداد و كابول اليوم. و أما انفعال اليساريين العرب المبالغ به ضد النازية فلا تفسير له إلا بالعبارة الشهيرة ” إن أمطرت في موسكو…..”.فموسكو تضررت بعمق من العدوان النازي و من حقها أن تقول ما تريد في هتلر و في النازية. لكن لو كان كتاب جريدة الأخبار يرون المسألة بعيون عربية لأدركوا على الفور أن النازية لا تختلف بشيء عن بقية عقائد العصر الغربي و الدليل جروحنا و جثث ضحايانا. و هتلر ليس أكثر اجراماً من بقية قادة هذا العصر من ايزابيل و فرينادو وصولاً إلى جورج بوش الابن.