على مشارف الهجوم الامريكي على إيران

محمود جلبوط

عندما يتعلق الأمر بمصالح رأس المال لا يسمح حينها لأي مجاملة من أي نوع كانت للتعامل إن مع أعدائه في استنفار كل غطرسته وعدوانيته المتوحشة لإبلاغه بأنه لن يتوانى عن استخدام القوة التدميرية ضده ليطوعه أو يهلك، أو مع أصدقائه ورسالته لهم أنه لا يسمح للتنافس فيما بينهم على سوق ما أو نهب ثروة شعب ما أن يشتت معسكره ويفت من عضد تحالفه بل ينبغي مواجهة أي عدو أو عقوق أو أي متمرد على سلطتهم بجبهة موحدة لا يسمح في سياقها التعبير عن أي اختلاف في مواجهته. وبناءا عليه ترتفع في الأيام الأخيرة صوت قرع طبول الحرب في المنطقة بعد أن مهدت لها الولايات المتحدة الأمريكية بالخطوات المعهودة في مثل هذه الحالات من استصدار قرارات ل “مجلس الأمن” و”أمم متحدة” و”الوكالة الدولية للطاقة الذرية” و”لجان حقوق إنسان” و”منظمات حقوق المرأة” و”المجتمع المدني”..إلخ بحق إيران وتبني حزمة متجددة من العقوبات بإجماع نادي الدول العظمى وتبّعها ثم أستتبعت بعقوبات أشد أمريكية-أوربية-عربية ترافقت بحشد أكبر لعديد حاملات طائراتهم ووزوارقهم الحربية وغواصاتهم ومعداتها الفنية والبشرية المتعلقة بها بالقرب من الحدود الإيرانية في مياه ويابسة الدويلات العربية والكيان الصهيوني مع تسرب أخبار استخبارية تومئ عن استعدادات واستنفار لحشود عسكرية أمريكية-إسرائيلية مشتركة في مياه الخليج ومنطقة القوقاز وأذربيجان وتدريبات لطيران أمريكي-إسرائيلي مشترك[1] استعدادا لخوض ضربة عسكرية قادمة ماحقة لإيران ربما اقترب توقيتها أكثر مما نتصور وربما تمتد لتطال المقاومة اللبنانية والفلسطينية بل وسورية أيضا إن أبدت أي تحرك عملي مؤيد لإيران أو للمقاومة.

على صعيد الجبهة الدبلوماسية بذل الكيان الصهيوني في الفترة الأخيرة جهودا مضنية استندت بشكل أساسي على “دبلوماسية” راعيه الأمريكي المعروفة (عبر الترهيب والترغيب) وقوته الضاغطة على جميع دول العالم إن كانوا دائمي العضوية في مجلس الأمن أو التي تدور في فلكه العسكري-الاقتصادي لتحسين صورته المتلطخة بالإجرام “أضرت بصورته”على المستوى العالمي بسبب حربه على قطاع غزة وحصاره (وليس اغتصابه لأرض فلسطين)، فعلى سبيل المثال أعلن عن “مبادرات” لتخفيف الحصار عن قطاع غزة وسمحت “إسرائيل” بإدخال الحليب ومعجون الأسنان وبعض أنواع الفواكه والمأكولات التي كان قد حرم على الفلسطينيين المحاصرين في غزة تناولها، بينما تناوب الزيارات إلى أمريكا وزير دفاعها إيهود باراك ورئيس وزرائها نتنياهو بجولات مكوكية للتنسيق والتشاور.

جلست : أو الأصح أجلست أمريكا كل المنطقة ومن ورائها كل العالم على فوهة بركان تغلي حممه يستعد في أي لحظة أن يقذفها : فهاهي تركيا والبرازيل تبذلان كل محاولاتهما الحثيثة لاستنفاذ الطرق الدبلوماسية، مصر وغليان أوضاعها الداخلية، جارتها السودان وما يخطط لها من تقسيم لبناء كيان صهيوني جديد وربما أيضا في دارفور، السعودية وجهودها لترتيب الأوضاع لأمريكا مع اللاعبين الصغار إن كان في الخليج أم في لبنان، اليمن الذي تسوده الفوضى وتسرب أخبار عن مرابطة قوات وطائرات أمريكية على شواطئه وأراضيه، العراق المتلبنن، الأردن وخوف الملك هناك على كيانه كوطن بديل للفلسطينيين ليقينه بأن إسرائيل قد أعدت كل الخطط لذلك تنتظر فقط بل تسعى لاشتعال المنطقة في حرب مدمرة للتنفيذ إن استطاعت، سوريا المحاصرة بموقفها المؤيد لإيران والمقاومة والتهديدات الإسرائيلية التي طالت رأس السلطة فيها، لبنان والسعي المحموم من قبل إسرائيل وحلفائها في الداخل وجواسيسها لكشف المقاومة على آلتها العسكرية عبر شبكات تجسس لم يسبق لها مثيل في العالم لتجميع بنك من الأهداف العسكرية لها فيه وسياق المحكمة الدولية وتلميحات مسؤولي الكيان الصهيوني حول إمكانية اتهام حزب الله باغتيال الحريري وما سيترتب على ذلك من فوضى داخلية فيه، استمرار اعتراك معسكر المقاومة ومعسكر المقاومة المضادة ككل والمتصهينين، فلسطين التي تمثل قلب العاصفة والهدف الذي تهب من أجله وتمفصلات الوضع فيها بكل ما سبق ذكره، روسيا والصين والهند وغيرهم من الدول الآسيوية وغير الآسيوية تنتظر اندلاع البركان لترى كيف يمكن توقي حممه أو حصاد فوائده، أما إيران نفسها منشغلة بحفر الخنادق والملاجيء تهيئا تنظر كيف يمكن لها أن تحمي نفسها من قصف الحمم وإن حمتها جبالها منها فكيف يمكن أن تحميها من قلاقلها السياسية والأمنية الداخلية.

وقفت المنطقة على أطراف أصابعها بانتظار ثورة البركان، ومع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف اصطفاف الأطراف، فالكارثة ستعم الجميع.

إذا فالمصيبة قادمة لا محال، لأن الحرب إحدى المكونات البنيوية لرأس المال وحركته منذ نشأته ونزعة متجذرة للامبريالية التوسعية، وقد عودنا رأس المال بعدم اكتراثه للضحايا البشرية التي تسببها حروبه هذه ولا مبالاته بأي دمار مادامت أهدافه الأساسية هي الاستثمار والربح : الربح في التدمير عبر تشغيل الآلة العسكرية والسلاح، والربح في مشاريع إعادة البناء اللاحقة عبر حصول شركاته على عطاءات تعهدات إعادة البناء.

إن الوضع السياسي والعسكري السائد في إيران اليوم وعلى حدودها يعيد إلى ذاكرتها الشعبية وقائع ما جرى في خمسينيات القرن الماضي إبان حكم مصدق[2] الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 51-53 على إثر نجاحه في انتخابات برلمانية والذي كانت أولى مهامه بعد تسلمه رئاسة الوزراء تأميم النفط الإيراني ثم خلع الشاه، ولذلك فهو يعيد إلى ذاكرتها التهديد الكبير الذي شكله النفوذ الأجنبي لها والذي كان مسيطرا على العراق والمنطقة المحيطة بها جغرافيا في القرن الماضي إبان الحكم العثماني ثم ما تلاه من الاستعمار البريطاني الذي امتد شرقا ليقيم في قلب المنطقة، التي تطلعت عبر تاريخها إلى بسط نفوذها عليها، مستعمرته الصهيونية العنصرية التي سلحها وقواها لتكون مشروع مركز المنطقة التي نضجت الظروف لتحويلها إلى “الشرق الأوسط الكبير” أو الجديد على حساب أي تطلعات لمركز آخر إن كان عربيا أم تركيا أم إيرانيا مع الأخذ بعين الاعتبار فوارق المقارنة للمراكز.

كما ترى القيادة السياسية الإيرانية الحالية بأن أمريكا اليوم تعيد سيناريو نفس الدور الذي مارسته بريطانيا آنذاك ليس فقط بانتشار القواعد العسكرية في البلاد المجاورة لها والأساطيل الحربية والغواصات وحاملات الطائرات قريبا من شواطئها المهدد لها باستمرار وإنما بمحاولات إثارة القلاقل السياسية والعمليات الإرهابية داخل حدودها في سبيل إسقاط الحكم هناك واستبداله بحكم موال للغرب بالضبط كما حصل في السابق فترة مصدق.[3]

بل ذهب بعض المحللين السياسيين بمقارنة الوضع السائد في المنطقة اليوم والتحضيرات للحرب فيها ضد إيران بما سادها قبيل التحضير للعدوان الإسرائيلي-الأمريكي المترافق مع تحريض وغبطة بل شماتة الكولونيال العربي على مصر وسوريا وما تبقى من فلسطين أثناء عدوان حزيران عام 1967، بل أن هناك تحاليل مفصلة تؤكد حتى على تشابه المفردات الفنية لهجوم إسرائيلي-أمريكي مشترك.[4]

إن إلقاء نظرة تحليلية معمقة لطبيعة المعركة وأهدافها ومسوغاتها التي يجري التحضير لها الآن على شواطيء الخليج، مع الأخذ بعين الاعتبار التحضيرات الأمريكية-الإسرائيلية-الكولونيالية العربية وما يرشح هنا وهناك لوقائع صغيرة لها دلالات كبيرة شبيهة بواقعة خطف العالم النووي الإيراني في السعودية ومحاولة تسليمه إلى إسرائيل من قبل المخابرات المركزية يمكن المرء للاستنتاج دون عناء أن جبهة الهجوم على إيران قد اكتملت منذ فترة بعيدة : أمريكا-الكيان الصهيوني-الكولونياليات العربية ربما منذ نجاح الثورة الإسلامية فيها التي حاولوا محاصرتها في حينه عبر حرب مع العراق دامت 8سنوات، بل أن كل الدلائل تشير إلى رغبة هذا الحلف بالتسريع في تنفيذ العملية التي أعاقتها قليلا التحضيرات الدبلوماسية الأمريكية المبذولة للحصول على موافقة روسيا والصين و ما يسمى “الشرعية الدولية” المتمثلة ب”مجلس الأمن”.


[1] بلا شك تهدف هذه التدريبات المشتركة إلى دورة تدريبية مركزة جيوستراتيجية لقوات وطائرات العدو الصهيوني إدراكا منها عجز الكيان الصهيوني عن تحقيق المهمة لو أراد تنفيذها وحيدا.

[2] محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شغل المنصب بين عامي51-53. يعتبره الإيرانيون بطلاً قومياً لتصديه لجشع رأس المال الامبريالي الغربي وقيامه بتأميم النفط أبان تسلمه الرئاسة، كما أنه قام بخلع الشاه الذي سرعان ما اعيد بعملية أمريكية بريطانية مشتركة سميت أجاكس أطاحت بحكم مصدق وأعتقلته بعدها وسجن لمدة ثلاث سنوات ثم أطلق سراحه مع إبقائه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في العام 1967. يعتبر الدكتور مصدق أول من قاد ثورة مدنية في تاريخ المنطقة وتحدى سلطة الشاه محمد رضا بهلوي والمصالح الرأسمالية الغربية التي وقفت خلفه بإعلانه تأميم شركة النفط الإنكليزية الإيرانية عام 1951 ليكون بذلك أول من أدخل مصطلح التأميم إلى المنطقة.

[3] حسب آخر التقارير الصادرة عن مركز ستراتفور للاستشارات الأمنية بولاية تكساس في شباط الماضي تحت عنوان “الجيوسياسة الإيرانية” أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تطيق صبرا على التواجد العسكري الأمريكي على حدودها ولهذا فهي تسعى جاهدة لإثارة التوترات الدينية والإثنية في العراق وأفغانستان لإشغال القوات الأمريكية بها مما يضطرها للدفاع بدل الهجوم علّها تلهو بمشاكلها عنها، ثم تابع التقرير يقول : ” شكل النفوذ الأجنبي الذي سيطر على العراق في القرن الماضي التهديد الأكبر لإيران إن كان أثناء الحكم العثماني أو الاستعمار البريطاني الذي توسع شرقا، ليس فقط بسبب مزاولة النفوذ وإنما بسبب المؤامرات المحاكة ضدها وقلب الحكم فيها، واليوم ترى الحكومة الإيرانية أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بنفس الدور الذي مارسته بريطانيا في الخمسينات من القرن الماضي على إيران حينما استفادت من وجودها العسكري في العراق في حينه للتدخل في شؤونها السياسية وسعيها لإسقاط حكم مصدق وإعادة الشاه إلى حكمه الذي طرد منه”.

[4] يمكن الإطلاع على سبيل المثال على ما أدلى به ديفيد مون في آسيا تايمز تحت عنوان : “تحليل السيناريوهات المتعددة للهجوم العسكري على إيران”.