يجري في رام الله

احسان سالم

الاراضي المحتلة ـ رام لله

هذه حادثة حقيقية حصلت معي شخصياٌ ، وهي تؤشر إلى المستقبل الدامي والرهيب الذي ينتظر الشعب العربي الفلسطيني في آتي أيامه في ظل هذه السلطة وبقائها جاثمة على رقاب هذا الشعب المنكود.

شاء حظي التعس أن أفقد هويتي الشخصية، وقد افتقدتها أمام احد الحواجز عندما طلبت مني مما اضطرني للعمل سريعاُ على استخراج هوية جديدة سالت كيف السبيل فقالوا لي الخبراء اذهب إلى الشرطة وبلغ عن فقدان هويتك، ذهبت بكل بساطة وعفوية إلى قسم الشرطة في رام الله حيث قالوا لي اذهب إلى مباحث الشرطة ولبلهي الشديد ظننت أن أمرا كهذا لن يستغرق مني ساعة زمن .

ذهبت إلى مباحث الشرطة حيث دلفت إلى رواق كريه الرائحة متسخ حيث واجهتني فتحة صغيرة اطل منها رأس لا تستطيع تمييزه فسألني بصوت أجش ماذا تريد فأخبرته فأشار إلى إجلس في هذه الغرفة حتى يناديك أحدهم، دلفت إلى غرفة رائحتها عفنة بداخلها مقاعد خشبية لا تكاد تفرق لون جدرانها من شدة الأوساخ العالقة تعيدك إلى أيام التحقيق وبمجرد دخولك .

تحس أنك أمام عالم حديدي جليدي لا إنساني بعد فترة تكرم رجل المباحث وأدخلني الغرفة المجاورة وهو يكاد يتساقط منه العرق وتحس أنت بذلك فتسرع بسرد موضوعك وكأنه سوف يطلق عليك النار إذا استرسلت وببرودة جليدية وبدون أن يتنازل وينظر في وجهي وقد أراحني ذلك قال عليك أن تعلن في الصحف المحلية عن فقدان هويتك وتحضر معك نسخة من الجريدة مرة ثانية تنفست الصعداء وذهبت إلى أقرب وكيل جريدة ونشرت الإعلان وباليوم التالي أحضرت الإعلان وذهبت مستبشرا وطبعا دخلت من نفس الرواق وسألني نصف الرأس البائن من الفتحة وأشار لي بصرامة إن انتظر بالغرفة إياها وبعد وقت ليس قصير دخل رجل المباحث وتكرم وأشار إلي فدخلت وأخرجت الإعلان فقال لي اتركه معك ولم ينظر إليه وكتب ورقة وقال لي ارجع بعد أسبوع وعندما هممت بالتساؤل عن معنى الانتظار لأسبوع أخر نظرالي نظرة توحي بأنني تجاوزت الحدود وانه هكذا تجري الأمور وأشار لي بالانصراف بعد أن رمقني بذات النظرة التي تشير بالتعالي من مجرد النقاش في موضوع هو قرره ،بعد أسبوع رجعت مسرعا بالموعد المقرر وانا أقول لنفسي من المؤكد ان كل شيء سيكون جاهزا وفي هذه المرة دخلت مسرعا للغرفة إياها طالما عرفت الطريق ولكن قبل دخولي ظهر نصف الرأس من الفتحة وسألني ماذا تريد وأخبرته فأشار لي بالانتظار الى ان يحضر الشخص المسئول الذي حضر بعد نصف ساعة الى غرفته المجاورة دون ان يتنازل وينظر الي وانتظرت ولكن بالنهاية قررت ان ادخل على حضرته متحملا العواقب وتجاسرت وجلست على مقعد أمامه واخذ اقوالي وسجلها وغاب ثم أحضر ورقة وقال لي ببرودة انت مطلوب لشرطة المرور اذهب اليهم وبعد ذلك ترجع هنا.

ذهبت لشرطة المرور حيث أخبروني بأنه قد صدر حكم قضائي ضدي بالمحكمة بسبب مخالفة مرور وعلي الذهاب للمحكمة لاحضار برائة ذمة اخذت الورقة من شرطة المرور وذهبت مسرعا الى المحكمة وهناك رأيت العجب كانت هناك زنزانة زرقاء وحولها عشرات الشرطة المسلحة حيث أخذت الشرطة بتفريغها ممن بداخلها من المعتقلين المدنيين امام جمهور المارة والمراجعين وكأن هؤلاء عبيد يساقون لسوق النخاسة، وكان بجانها طابورا كبيرا من الناس تقوم الشرطة بصفهم وعندما سألت أخبروني بأنني يجب أن اتموضع في الطابور حتى يأتي دوري لأدخل المحكمة وكانت هناك مكنة تفتيش جسدي ، هالني الامر وعلمت بأنه يلزمني أيام لإنهاء هذه المهمة فرجعت وذهبت الى محامي صديق لي وأعطيته الورقة وأعطيته مائة دينار وقلت له من المؤكد ان الحكم الصادر لن يقل عن هذا المبلغ فادفعه واحضر لي يرائه ذمة ، وانتظرت ستة عشر يوما قبل ان يتصل بي ويخبرني بأنه قد أخذ البراءة فأخذتها فرحا الى ذات الرجل الخطير”رجل المباحث” وكنت متأكدا هذه المرة بانني سأظفر بكتاب الشرطة فلم التفت الى الرواق ولا الى نصف الرأس الذي أطل ودلفت الى الغرفة اياها حيث وجدتها مليئة بعاثري الحظ أمثالي وطال الانتظار فتجرأت وذهبت الى الفتحة وسالت نصف الرأس الى متى سننتظر ؟ فكان جوابه مليئا بالنذير عليك ان تنتظر الى ان يحضر المسئول بعد نصف ساعة دخل موظف اخر رأيت ملامح انسانية على وجهه فتجرأت وسالته الا يوجد بديل للأخ فنظر لي شذرا وقال بصوت اجش وكأنه يخاطب ذبابة المسئول ذهب لتناول الفطور انتظروا حتى يرجع ” كانت الساعة الثانية عشره بالمناسبة، بالثانية عشره والنصف حضر المسئول الخطيرة فنظر ببرودة الى المنتظرين ودلف الى غرفته وبعد انتظار تكرم وفتح باب غرفته واخذ مني المغلف وغاب ثم اعطاني ورقة جديدة طالبا مني الرجوع بعد اربعة ايام، في هذه المرة جمعت ما بقي لي من شجاعة وتجاسرت وسألته لماذا ارجع وقد مضى اكثر من شهر على هذا الوضع؟ ما هي الامور التي ستحدث خلال هذه الايام تعطى الورقة لمكتب الهويات وقد فعلت ما طلبته مني؟ نظر لي وكأنني قد أطلقت عليه النار وبكل عدائية وامتعاض واحتقار وقال ليس مسؤوليتي اذا كنت قد أضعت هويتك وقمت بمخالفة مرور هذه الورقة قدمها لي بالموعد المحدد وكفى شعرت بانني قد خرجت من موقف عصيب كان ممكن ان أسجن أو يشج رأسي بسبب المخاطرة التي قمت بها ففرحت وقفلت راجعا بدون هوية على أمل ان وأنا أكتب هذا الان ولا أدري هل سأظفر بالورقة بعد أربعة أيام ام لا عندما سأرجع، وطبعا في كل هذه المحطات العجيبة ومنذ بداية العملية عليك ان تدفع رسوم الى كاتب الاستدعاءات وثم الطوابع وبعد ذلك للمحامي وللمحكمة مع الغرامة الباهظة ،ووكل هذا الوقت من أجل ورقة تافهة فقط من اجل الرسوم التي يجب أن تجبيها السلطة ومن اجل ان تفهم بان زمن الفوضى والزعرنة “أيام الانتفاضة” قد ولى، واننا اليوم امام سلطة قانون صارم.

فيما بعد حضر لعندي أحد الاصدقاء واخبرته بما جرى فابتسم وقال انت تريد لنفسك التعب، وقد كان بامكانك اخباري أو اخبار أي شخص من معارفك وتأخذ هوية جديدة بنفس اليوم بدون هذا الجهد!! تريد ان تكون من الشعب فكن منه وتحمل مسؤولية ذلك.

هذا يا سادة يا كرام يا ابناء الشعب العربي الفلسطيني ولا ادري اذا كان يسمح بوصفكم الشعب العربي ام لا في هذا الزمن الوغد القذر الذي ديست فيه كرامة كل انسان تحت مقولة الامن ومورست فيه شتى انواع اساليب التخويف والرعب مما قد يصيب ايا كان من هؤلاء فيما لو تجرأ أحد ما وتجاوز المرسوم .

هذه صورة ليست رمزية لمصير الناس في ظل سلطة ما زالت تحت الاحتلال فكيف ستغدو فيما لو قرر الاحتلال ان يرفع مرتبتها لدويلة.

من اجل من تلبس الخوذ الحربية والتي تذكرنا بالحرب العالمية في شوارع رام لله ؟

من اجل من ينتشر الجنود مدججين بالسلاح في مفترق كل شارع؟

من اجل من ينشر رجال الضرائب في مداخل المدن والقرى يلبسون ذات اللباس الذي يلبسه المحتل؟

ماذا بقي للناس من كرامة حيث تداس في مراكز الشرطة والمخافر وغيرها تحت اساليب التخلف والتنمر على ابناء شعبهم حتى يظلوا منكسرين بعيدين كل البعد عن الهم الوطني حيث يجري تدمير ماهياتهم وعقولهم فالارض قد تحررت وها هي مئات الفرق الفنية تطوف البلاد طولا وعرضا وها هي رام لله تزدان بالليالي الصاخبة تحت شعار الفن والمسرح احتفالا بالتحرير والعودة بعد ان دحر الاحتلال واستعاد شعبنا حريته وأرضه.

لمن تدق الطبول في كل ليلة وتقام الاحتفالات على المنصات في الساحات والشوارع المقفلة في العاصمة رام لله؟ انها تدق لكي ننسى الاحتلال وهمومه وننسى اننا شعب مقهور ومحتل انها عملية تغييب الذاكرة وقتلها حيث تعمل ليلا ونهارا ماكينة منظمات الانجزة على استقدام الفرق الفنية من كل مكان لكي تستمر الاحتفالات بأعياد النصر

هكذا يراد ان يكبر هذا الجيل على هذا الوقع كي يكون اخر ما يمكن ان يفكر به احد هو الاحتلال والاستيطان بحيث تغدو هذه الاشياء من الماضي.

اذهبوا يا حملة vip الى الجسور وشاهدوا معاناة شعبكم اذا كانت غرف الانتظار بالمخافر والمراكز بهذا الشكل فما هو مصير المصنف بالمعادي حينما يقع في ايدي رجال الامن، وانا حينما فصلت تفصيلا مملا ما جرى معي على ايدي موظفي امن صغار، فماذا سيحصل مع الكبار!!!

:::::

abuarabihsan@gmail.com