صيفٌ لاهب

بسام الهلسه

صيفٌ لاهبٌ يجتاح العالم: قارات، ودول، وامم تعاني وطأة الحر الشديد. تصرخ.. لكن صراخها يتبخر ويتطاير في الفضاء الشاسع تماما كما تتبخر الارض ويجف سطحها وجوفها معا.

وإذ تتمكن الفئات الثرية من تدبر امورها -على نحو او آخر- في الحر كما في البرد، لا تجد اغلبية الطبقات الشعبية، وبخاصة الفقراء، ما يُعينها على مواجهة الطبيعة الغاضبة واحتمال مزاجها الضاري.

ما من خطيئة ارتكبها هولاء الفقراء سوى انهم وجدوا انفسهم عالقين في وضع عسير صنعته انظمة سياسية، واقتصادية-اجتماعية، لم يستشاروا فيها. انظمة، جرت صياغتها وتدور آليات عملها على نحو يقصيهم باستمرار الى الهامش: هامش القرار، وهامش الرعاية والاهتمام، وهامش الحياة..

والمكان الوحيد الذي يكونون في مركزه دائما هو: الاستغلال، والاستدعاء بين الحين والآخر عند حاجة الاسياد الى استخدامهم.

* * *

لم تنقلب الطبيعة فجأة، ولا هي فعلت ما فعلت من تلقاء ذاتها.

فمنذ عقود والعديد من العلماء والباحثين والنشطاء، يتحدثون عن الاختلال البيئي. يحددون اسبابه، ويحذرون من عواقبه.

لكن اصحاب الشأن- من الحاكمين والمالكين- لم يروا ان هذا شأنهم. فشأنهم المعتاد و”الطبيعي” هو مراكمة السلطة والثروة، وهم ابعد ما يكونون اهتماما بما يلهيهم عنه.

* * *

ما حدث للطبيعة من تحولات، هو النتيجة المحتومة للفلتان والفوضى التي تحكم عمل الرأسمالية وتسيِرها. ليس فقط في عهدها الحالي المسمى عولمة، ولا في عهدها الامبريالي والاحتكاري، بل ومنذ عهدها الفتي: عهد رأسمالية المنافسة والمزاحمة، التي اباحت لنفسها انتهاك كل الحرمات ما دامت تحقق الارباح. والارباح كما نعلم هي الاله المعبود الحقيقي للرأسمالية، الذي تقدم لاجله الاضاحي والقرابين من كل نوع، فكيف بالطبيعة التي هي مجرد “مواد” في حساباتها؟

* * *

منذ الثورة الصناعية لاحظ علماء الاقتصاد السياسي ومصلحون اجتماعيون وادباء وفنانون، الويلات الاجتماعية والاضرار البيئية التي سببها اسلوب العمل الرأسمالي. ولم تكن اشعار ولوحات وموسيقا الرومانسيين سوى زفرات شاهدة على تلكم الاحوال المريرة.

ولعلنا نجد في روايات تشارلز ديكنز ما يُذكِرُ بتلك الاحوال، التي لم يجر اصلاحها وتحسينها الا بفعل نضال الطبقات الشعبية، وتحت ضغط الازمات الدورية المتلاحقة للرأسمالية، وبخاصة بعد ظهور بديلها الاشتراكي، الذي اجبرها التنافس والصراع معه على ادخال تحسينات على نظامها.

لكن العالم غير الصناعي-آسيا، افريقيا، اميركا اللاتينية- ظل ميداناً مفتوحا للدول والشركات الرأسمالية تمارس فيه العابها الرهيبة: استعمار الارض، واستغلال البشر، واكتساح الطبيعة ومواردها التي سخرتها بشراهة همجية كمواد اولية لصناعاتها المتنامية. فجردت معظم بقاع العالم من غطائها النباتي، واستغلت مياهها حتى نضبت او كادت. وقضت بلا رحمة على العديد من احيائها البرية والمائية.

اما التلوث الناجم عن الصناعة، وعن مخلفاتها وطرائق استخدامها، فهو معروف للمتابعين بفضل النقاش الواسع الذي تناوله في مختلف ارجاء العالم في العقود الاخيرة.

* * *

فوضى وعبث الشركات والدول الصناعية، هما المسؤولان عن اضطراب الطبيعة وهيجانها. وتغليبها لمصالحها الانانية الخاصة، هو العائق امام التوصل الى توافق دولي يواجه المشكلة ويتبنى حلها. ورغم تزايد الحكومات والهيئات المهتمة للامر، الا ان المعالجات التي تم تبنيها حتى الان ما تزال دون المستوى المطلوب. والمتابع للمداولات الجارية حول الموضوع، يعرف ان الولايات المتحدة بالذات هي الرافض الاكبر للحلول المقترحة، مع انها اكبر المتسببين في المشكلة، فيما تدفع نحو القاء معظم اعبائها وتكاليفها على الآخرين، وبخاصة الدول الفقيرة. وفي حال استمرار الوضع على ما هو جارٍ، فان اضطراب الطبيعة والكوارث البيئية، ستتواصل وتزداد مخاطرها.

اما المعالجات المقترحة، التي تراوح اغلبيتها في نطاق مصالح الدول الكبرى والشركات الاحتكارية، فلن تفيد كثيرا..

فالفيضانات لا تُغرف بالدلاء.

والحرارة اللاهبة لا تصدها المظلات.

:::::

alhalaseh@gmail.com