من شاليط إلى جرمانو: تجديد صناعة الإرهاب الفرنسي

وكمبرادور النفايات الموريتاني

بادية ربيع

لو سئُل ميشيل جرمانو بعد موته (إن كان قتل حقا ً) ما تعليقك على مصرعك؟ لقال:

أنا سعيد بما جرى، فمن اين لي بهذا الاحتفاء المهيب على كل فضائيات الفضاء لو لم أُقتل؟ من كان سيسمع بي سوى جهاز التجسس والمخابرات الفرنسي أو مغامرين أنثروبولوجيين يكُرون أرواحهم ليعرفوا ما هو العالم الثالث وخاصة الصحراوي منه، وربما تستفيد من معلوماتهم وتحليلهم بعض دوائر التجسس- هذا إذا لم يكن الرجل جاسوساً.

ألم يكتب طلال أسد في شبابه البحثي : في العالم الثالث كلما قلبت حجراً تجد تحته عالم انثروبولوجي- في إشارة منه إلى علاقة الأنثروبولوجيا بالإمبريالية، فما بالك بعلاقة الاستشراق! وما أكثر العلاقات والتواشج المشبوه بين علوم معينة وبين الرأسمالية والإمبريالية، وقد تكفي لإثبات ذلك الإشارة إلى إعادة الهندسة لدى كارل بوبر و بنيوبة ليفي شتراوس التي كانت النظرية الأم للمحافظية الجديدة وللنيولبرالية ولا سيما مدرسة شيكاغو حيث تمترس هناك الاقتصاديان فريدريك هايك وملتون فريدمان.

ميشيل جرمانو في أفضل الأحوال أُلتقط في غير بلاده، والتقط وهو على تواصل مباشر مع دوائر التجسس الفرنسي مما جند حملة فرنسية وحملة موريتانية بالوكالة لتخليصه. فليس الرجل بكل تلك البراءة.

جلعاد شاليط، فرنسي ايضاً أُسر وهو يدخل غزة لاغتيال فقرها وأطفالها، وقد حاول ساركوزي تحريره بالدبلوماسية والمشاركة في حصار غزة.

إذن الرجلان صفحتا وجه فرنسا، الوجه الحقيقي. هل يُغضب هذا الحديث المجتمع المدني الفرنسي؟ ليكن، ماذا يفعل كل منهما في ما ذهب إليه؟ نعم هكذا علينا ان “نسطع بما نؤمر” يجب أن يعرف الأبيض الرسمي وتوابعه أن نظام بلاده وطبقاته الحاكمة هم أجهزة نهب بالمفتوح.

لم تَمُت العجوز الإمبريالية في فرنسا، لم تخرج روحها ولن تخرج ما لم تخرج روح راس المال. هل يعرف العرب هذا؟ بل ها هي العجوز تكرر محاولات العودة لتصفية بقايا دماء القارة السوداء. ولكنها عودة تحت رقابة السيد الأميركي.

قد يسأل البعض: هل تقبل كبرياء الراسمالية الفرنسية هذه التبعية؟

نعم، من يقرأ الحياة من مدخل المصالح المادية، اي بوابة التاريخ الحقيقية، وليس دهاليزه الثقافوية أو تهويماته الأدبية البعيدة عن البنى الطبقية وقراء الاقتصاد السياسي أو تلاعباته السياسية يفهم تماما أن راس المال يقوم على علاقة حيوانية في فهم الصراع.

بمعنى: أن راس المال يقاتل بعضه بعضاً، ولكن حين يدرك طرفاً أن لا قِبَل له بالآخر، ينِخُّ تماماً ويكون جندياً لسيده مع حفظ بعض الربح.

لكن المشكلة الأخطر هي في أنظمة الكمبرادور القطري العربي التي تستدعي الاستعمار والتبعية للسادة بل ربما تخلق خلية للقاعدة هنا أو هناك كي تُغري الغرب بالتدخل لكي تتعيَّش من وراء ذلك.

في موريتانيا نماذج عديدة من الكمبرادور:

· كمبرادور تقليدي بمعنى فتح الأسواق للمنتجات الأجنبية وخنق الصناعات البدائية والابتدائية في البلد.

· كمبرادور النفايات: ألم يقم النظام الأسبق هناك بتأجير أراض في موريتانيا للكيان الصهيوني كمدافن للنفايات النووية إضافة للاعتراف بالكيان؟ إستيراد النفايات مقابل أجرة تُدفع للنظام لحراسة مقبرة النفايات.

كمبرادور عسكر: تأتيه الأوامر بالعمل لصالح النظام الفرنسي وهذا ما نراه اليوم، دخول جيش موريتانيا في مالي 200 كيلو متر بحثاً عن فرنسي واحد.

وهنا نتوجه للمواطن العربي، مطلق مواطن/ة هل يُعقل أن تدخل دولة حرباً في أرض أخرى من أجل شخص واحد من قومية أخرى جاء على الأقل بشكل غير شرعي؟ بينما يُذبح ملايين العراقيين والأفغان ويقول العالم إنها حربا شرعية؟

وهذا يسمح لنا بالحديث عن الإرهاب.

ليس السؤال إن كانت القاعدة إرهابية أم إنسانية، مقاومة أم قتل؟ السؤال أن ما يحصل في عالم اليوم، هو ذلك الامتداد لما قبل خمسة قرون من التأسيس لصناعة الإرهاب.

نعم، مع تبلور السوق العالمي، وهو الإعلان العالمي للعولمة، وهذا تم حقيقة على يد راس المال، ومن حينها حتى يوم نتمنى أن يكون قريباً وراس المال يعيش على الحروب في كل مكان يمكنه وصوله. والحروب هي الإرهاب. لكن أكاذيب المثقفين والساسة تُضفي عليها شرعية ما بمعنى أن القتل على يد أنظمة الحكم جائز وشرعي لأنه قتل رسمي وبه فتاوى! أما الرد فهو جريمة إرهابية، إنه تطاول الفرد العادي والبسيط على السيد الرسمي!. على الشعوب أن تمد أعناقها على خشبة المقصلة وللدولة قرار القتل أو العفو! فالقتل الرسمي مقدس، أما الاعتراض الشعبي فجريمة إرهابية.

إذن منذ خمسة قرون والعالم محكوم بمشروع الحرب، مشروع الإرهاب، صناعة الحرب والإرهاب. صناعة يمكن وصفها بأقذر تثنية في التاريخ البشري، طرفاها المستمِر والمستعمَر:

الأول: حضاري ابيض لديه القدرة على التفكير والتجريد، يعرف عن الآخر ما لا يمكنه أن يعرفه عن نفسه وبيته وشعبه وثقافته، بل ويقوم بقتله كي يولج الفكرة في راسه، ولكن يا للخسارة، بعد موته!

والثاني: متخلف، شقي ذو عين حاسدية، لم يتجاوز دماغة العمل بالنظام الإشاري الأول.

كل هذا لإضفاء المشروعية على قيام الطبقات الراسمالية في الغرب بنهب العالم، اي المستعمرة الكبرى. نهب الثروات، تشغيل العمال بما يقارب السخرة، تنصيب أدوات محلية تحكم بالقوة، وتنفذ رغبات السيد الأبيض.

بقي القول، إذا كانت القاعدة قاعدة واحدة أو مدرسة واحدة، إذا كانت إرهاب أم غضب المظلوم والمضطهد لقرون عديدة، اضطهاداً يتزايد، فما الذي سيُقنع القاعدة بالعدول عما تفعل، ومن يدري أية قواعد جديدة أخرى قادمة. فما لم يُجتث راس المال، فإنه سوف يصنع بيديه نهاية البشرية.