حقبة الدولة القطرية/القومية التنموية…حقبة مغدورة

القومية: مدخل مادي/طبقي/ اقتصاد سياسي (الحلقة الثانية)

عادل سمارة

هل كانت فترة الدولة القطرية قومية التوجه فترة انتقالية مديدة في الوطن العربي بما حال دون قدرة القطريات ذوات التوجه القومي التنموي من بينها على إنجاز الوحدة أم أن استطالتها كانت نتيجة لكونها محتجزة وأن هذا سبب استطالتها بما ليس مألوفاً في تعريف أو الاتفاق على طول الفترات الانتقالية أم هو من الصعوبة بمكان تقدير أو قياس الفترات الانتقالية وأن كونها انتقالية ليس شرطاً أن تكون قصيرة. وبغض النظر عن ايٍّ من هذه هي الإجابة الدقيقة، إلا أن تطور الوطن العربي كان بطيئاً وسادته فترات ارتدادية قوَّضت الكثير من الإنجازات العملية التي حُققت وأبقت على المظاهر والسلبيات المتخلفة بالضرورة وراء الإنجازات. ألم تبقَ وراء التصنيع في مصر بعد الناصرية التبعية والخصخصة والاستهلاكية والطفيلية والمحسوبية وبالطبع الخروج من المعركة القومية إلى جانب الإصرار على دور قيادي في الوطن العربي رغم ذلك ليكون دوراً قيادياً بالسالب! ألم تبق في العراق بعد التنمية مافيا وتوابع وبُنى عميلة بلا مواربة؟

رغم المسافة الزمنية الطويلة بين دولة محمد علي ودولة عبد الناصر إلا أن اثنتيهما قامتا على الأرضية نفسها، أي محاولة الدولة القطرية ذات التوجه الإنتاجي التنموي وذات الدور والإمكانات المركزية لعب دور قومي قيادي بهدف تحقيق الوحدة العربية.

إن دور الدولة المركزية هنا نابع من توفير سياسة تنموية وقاعدة إنتاجية تفترض سوقاً قطرية ناشطة ومحررة وتطمح لتمديد السوق إلى القطريات الأخرى، وهنا يبرز دور السوق في مشروع الوحدة بما هي اي السوق تعبير عن وجود قاعدة إنتاجية تتطلَّب سوقاً أوسع. وهذا ما يبين معنى مدخل الاقتصاد السياسي في التحليل. فاعتماد الشعار السياسي ومقومات تعريف الأمة سواء الأرض والشعب والطموحات واللغة والأديان…الخ، وهي متوفرة في الوطن العربي، لا تكفي وثبت أنها لا تكفي وحدها إذا لم ترتكز على العامل المادي. فإذا ما غاب العامل المادي اي البنية الصناعية فإن العوامل الأخرى لن تفرض على الأنظمة الحاكمة الذهاب باتجاه الوحدة. ويأتي الفرض هنا من الدور، من العمل الإنتاجي الفاعل للطبقات الشعبية. وبغير هذا يبقى الحديث عن الأمة والوحدة مجرد إيديولوجيا أو لغة. ومن جهة ثانية، فإن البرجوازية العربية التي تحولت إلى كمبرادور ليست جديرة بأن تُمنح اية فرصة قيادية مرة أخرى كما أن الذين يُغفلون العامل المادي والطبقي ويتحدثون عن الأمة والقومية والوحدة في غياب هذا العامل، إنما يساومون بمهارة وشطارة أنظمة الحكم كي يجددوا لها سيطرة لنصف قرن كامل قادم على الأقل لنعود بعدها كما نحن الآن. والعامل المادي هنا بمعنى:

· وجود القاعدة الإنتاجية المتقدمة على الأقل طبقاً لمتوسط التطور العالمي في المرحلة المعطاة،

· اشتراطها الضروري توفر السوق الأوسع

· تبلور مصالح مادية لطبقة/ات اجتماعية في سوق أوسع وبالتالي كبنية سياسية باتساع السوق وتوسعه معاً.

هذا العامل المادي سواء كان مبلوراً في ذهنية صناع السياسة والتنمية في تجارب محمد علي وعبد الناصر وصدام حسين أم لا، إلا أنها كانت دون مواربة هي الأرضية المادية الحقيقية التي أُقيمت عليها تجاربهم جميعاً.

وبغض النظر عن حدود نجاح هذه التجارب من مدخل بنيتها/ قدرتها الذاتية وإعداد نفسها ودور العوامل الخارجية في إفشالها بالعدوان والتدمير المفتوحين، فإن هذه التجارب الثلاث اعتمدت بالتوازي كلٍّ من:

· التنمية

· الإيديولوجيا

· والبنية العسكرية الدفاعية

وهذا الاعتماد قائم على فهم موضوعي للواقع الصراعي تاريخياً على الصعيد العالمي ولا سيما في مرحلة التطور التاريخي الرأسمالي حيث تتحقق المصالح بالقوة المتعيِّنة. ولهذه الأسباب نفسها كان إصرار الأعداء على تصفية هذه التجارب بالقوة المتعيِّنة كذلك.

قد لا نبتعد عن جوهر الموضوع إذا ما اشرنا إلى أن أي عربي، وخاصة من نخبتي السياسة والثقافة، يتجاوز عن التقاط هذه التطورات والصراع وتحديداً عن فهمها بعيداً عن حقيقة أن العلاقة بالغرب الرأسمالي هي علاقة صراعية وعداء من الطراز الأعلى بمعنيَّي الشِّدة والامتداد معاً، إنما يفتقر إلى التقاط التطورات على اساسها المادي وبالتالي يفتقر إلى مقومات الانتماء فيسقط في وهم المحايدة.

امتدت هذه المحاولات على قرابة قرنين من الزمن وهي فترة انتقالية مديدة بمختلف المعاني حتى لو قرأناها منذ تحقيق الاستقلالات السياسية الشكلية في الوطن العربي، وما زلنا نعيشها حتى اليوم. وربما كانت السمة الأساسية لهذه الفترة في الديالكتيك التالي:

· محاولات النهوض المتواصلة كحالات مبادرة ومقاومة

· وعدوان بالقوة لاحتجاز التطور بمعزل عن تنوع القوى المعادية سواء من الداخل أو الخارج.

وهذا يفترض ويشترط حالة من التعبئة والمقاومة المستدامة وربما كانت ولا تزال خطوتها الأولى وشرطها عدم التطبيع مع القوى المعادية الداخلية والخارجية.

هل كان الخلل المركزي في تجربة محمد علي في أخذ الدولة المبادرة من الأعلى على اساس بيروقراطي فوقي فرضوي؟ ربما. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير الفشل الذي انتهت إليه التجربة بما هي قد وضعت قدمها أو إصبعها على المسألة الأساس : التصنيع والتنمية المدنية وحمايتها بالقوة المسلحة التصنيع العسكري. وهل قامت ونجحت أية تجارب بدون هذه الدعائم وبدون دور مركزي بل أمري للدولة[1]؟ . هل كانت هناك فرصة للتطور الديمقراطي الشعبي التدريجي كما حصل في بريطانيا مثلا في الانتقال من الإقطاع إلى الراسمالية؟ بل في انتقال أوروبا الغربية بمعظمها، ولا نُجمل هنا أوروبا الشرقية والجنوبية؟ ألا يرتبط هذا الانتقال الأوروبي بحقبة نادرة في التاريخ بمعنى غياب مركز عالمي مهيمن يحتجز تطور أوروبا مما ينقل مقولة :”لا يابان بعد اليابان” إلى “لا أوروبا بعد أوروبا”. لا بل إن من قال بعبارة “لا يابان بعد اليابان” لم يحاول تفسيرها أو إعطائها معناها العميق والحقيقي على ضوء الفترة الزمنية التي انتقلت فيها أوروبا من الإقطاع إلى الرأسمالية اي دور أي مركز مهيمن في احتجاز أية محاولة تطور تخرج عن هيمنته وهو احتجاز يتم بالقوة المكشوفة.

وبعيداً عن اشتراك محتلف تجارب النمو والتنمية عالمياً في دور مركزي/أمري/بيروقراطي للدولة سواء (أوروبا الغربية، الولايات المتحدة، اليابان، الاتحاد السوفييتي، الصين الشعبية)، إلا أن الفارق بين هذه التجارب وبين المحاولات العربية كامن في أن هذه التجارب احتفظت بمستوى تطورها التقني التصنيعي، قاعدتها الصناعية بغض النظر عن التغيرات في النظم السياسية. ففي روسيا تمكنت البرجوازية الصناعية الإنتاجية من نجاوز المافيا وإعادة الاقتصاد الروسي إلى التوازن، وفي الصين لم تؤد الردة الطبقية العقيدية نحو الرسملة، لم تؤد إلى تخريب الاقتصاد بل سجل الاقتصاد نمواً رأسماليا عالياً وإن كان بعلاقات إنتاج متوحشة. أما في الوطن العربي فكان الأمر مختلفاً، حيث جرى تخريب القاعدة الصناعية لدولة محمد علي، وسيطرة الكمبرادور والمافيا في مصر الناصرية مما احتجز مشروع التطور الصناعي، أما في العراق فانتهى البلد خراباً يباباً. ألا يحتاج هذا الأمر تحديداً إلى فهم خاص وموقف محدد من الأعداء بدءاً من رفض التطبيع معهم وصولاً إلى بلورة مشروع تنمية بالحماية الشعبية للأمة بأسرها؟ ولماذا، لأن التنمية بالحماية الشعبية لا يمكن تقويضها بالحهد الأقل المتمثل في هزيمة دولة السلطة/الطبقة.

ويمكن سحب النقاش نفسه على نقد الخلل في التجربة الناصرية بمعنى، هل قام فشل التجربة الناصرية على وسطيتها الطبقية بمعنى توسيع الطبقة الوسطى وصولاً إلى مجتمع من الطبقة الوسطى أو مجتمع تحكمه الطبقة الوسطى بغض النظر عن كون الأمر الحاسم هو نمط الإنتاج المهيمن في أية تشكيلة اجتماعية اقتصادية وهو في الحالة المعطاة نمط الإنتاج الرأسمالي لا نمط إنتاج خاص بالبرجوازية الصغيرة أو الطبقة الوسطى. كانت قاعدة النظام الناصري الطوعية هي الطبقات الشعبية التي كانت تمحضه الولاء بلا حدود، بينما كان النظام في خدمة الطبقة الوسطى، وغير جذري ضد الراسمالية الكبيرة وكبار الملاك العقاريين. وإلى جانب الطبقة الوسطى كان الحزب وكانت الإيديولوجيا وسطيتين شأنهما شأن النظام نفسه أي لم يكونا عقيدة ولا حزب الطبقات الشعبية. وعليه، ما أن تفكك النظام برحيل الرجل الكاريزما حتى تم تذويب حتى البنية الإنتاجية لتتحول مصر إلى بلد كمبرادوري. فما أن هُزم النظام 1967 ورحل الزعيم 1970 حتى انقضت القوى الطبقية المضادة للثورة والتي لم تتم تصفيتها لتفكك البلد بأسره وتعرضه للبيوعات بأنواعها. لم يكن هذا مصير الاقتصادين الروسي والصيني بعد الهزيمة كما أشرنا، بمعنى أن القاعدة التقنية ظلت متواجدة حتى لو خُصخصت، بل خُصخصت رأسمالياً في الصين بهدف أو بزعم تطويرها، مما ابقى على فرصة للنهوض “الرأسمالي”.

ومع ذلك، لا بد من الملاحظة أن عوامل الضعف البنيوي في النظام الناصري لم تكن كفيلة بكل هذا الدمار لولا الهزيمة العسكرية التي ألحقت به من الخارج، بمعنى أنه لو حصل تغيير النظام عبر صراع اجتماعي داخلي، حتى لو بردة إلى الوراء لكانت عناصر ضمان الاقتصاد الوطني قد ظلت فاعلة بمعزل عن توجهاتها. وما نقصده تحديداً هو وجوب أخذ العوامل الخارجية المعادية بالاعتبار سواء المتعلقة بدور الدولة القطرية العربية ضد النظام الناصري أو دور الكيان الصهيوني أو الإمبريالية، أو بأدوار هذه جميعاً لأنها مجتمعة معاً. وهذا يعيد التذكير ثانية وإلى الأبد بأن البدء مجدداً وجذرياً في بناء الوطن العربي يفترض الوعي بمرحلة راس المال، بالنظام الرأسمالي العالمي بما هي قائمة على العدوان والنهب مما يخلِّد التناقض والصراع وهو الوعي الذي يؤكد على رفض التطبيع مع القوى المعادية وهو رفض يقوم على تجنيد كل مواطن ضمن مشروع إعادة البناء شعبيا هذه المرة. إن مشروع تصفية واحتجاز تطور أمة لا يمكن صدَّه إلا بمشروع اصطفاف شعبي شامل على مديات اللحظة واليوم والمستقبل. وهذا يشترط بالضرورة مواجهة خطاب التلاعب البرجوازي العالمي عن السلام والمحبة بخطاب يفنِّد هذا التلاعب ويعبىء ضده.

وضع المشروع المعادي، وخاصة فريقه المحلي-الكمبرادور- في حسبانه تقويض القاعدة الصناعية والقطاع العام في مصر الناصرية، والهدف من هذا واسع ومتعدد وهو ما يعيدنا إلى القضية الأساس في هذه الورقة، اي التصنيع وافتراض السوق الأوسع ودور السوق في الوحدة، وتقليص تهميش الجماهير ومن ثم تثبيت المواطنة، وتعميق القدرة والإصرار المطلبي للجماهير مما يعمق الحريات وفي النهاية يبني مجتمعاً جديداً. وفي هذا الصدد ماذا يعني دور الكمبرادور في تصفية هذه كلها؟ يعني أن هذه الطبقة متخارجة بالمصلحة والدور وبالتالي هي عدوة الوطن.

لعلها حلقة جهنمية التي تشكل عماد سياسة طبقة الكمبرادور في الوطن العربي. فهذه الطبقة بحكم دورها معادية للصناعة، وإذا طرأت هذه الطبقة على الحكم في قطر أُقيمت فيه صناعة لا بد لها أن تخنق وتصفي القاعدة الصناعية سواء بالخصخصة أو بإغراق السوق بالاستيراد وتشجيع الاستهلاك الترفي والمقلِّدْ، وهو ما حصل في مصر.

يمكن للكمبرادور أن يتحدث كثيراً عن الثقافة العربية الواحدة وعن القومية العربية (القومية الحاكمة/الشكلانية) وحتى قد يسمح ببرامج الفضائيات التي تحرك الوازع القومي كالفن بأنواعه وأحاديث الندوات السياسية، ولكن بيت القصيد يكمن في أن الكمبرادور يواصل تقويض القاعدة المادية للوحدة، اي القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد وبشكل محدد الصناعة والزراعة مما يجعل العوامل الأخرى بلا قوة ولا روح.

إن تقويض واحتجاز ومنع توسع هذين القطاعين يعني تهميش قوة العمل وخاصة الشابة بعيدا عن اي دور إنتاجي. والمهمش لا يجد لديه حافز الاحتجاج والثورة بقدر ما يتوفر لدى من يُنتج سواء دفاعاً عن إنتاجه أو لشعوره أنه يعمل وبالتالي له حقوقاً. ويتضمن التهميش توسيع القاعدة البيروقراطية لأجهزة الدولة سواء بتوظيف، ولا نقصد تشغيل، الشباب في أجهزة الأمن والشرطة والجيش المنتفخ بلا دور خلا القمع والوظائف المدنية فيصبح معظم المجتمع مثابة كيس منتفخ ومرتبط بالسلطة بحبل إذا انقطع يعتقدون بأنهم سيجوعوا وهذا يحد من التوجه الاحتجاجي والنقد والثوري في المجتمع.

إن احتجاز الإنتاج يقود بالطبع إلى فشل السوق في دورها بحيث تعاني من انكماش السوق المحلي سواء في السلع وحتى في الخدمات كالسياحة الداخلية، وبالمقابل يتسع الحيِّز الذي تشغله في السوق المنتجات الأجنبية، وهذا نعيم الكمبرادور. وانكماش السوق القطري يعني بالضرورة انكماش السوق القومي وذلك لغياب دولة قطرية مركزية لها مصلحة في توسيع سوق منتجاتها بأبعد من سوقها القطرية نفسها، كيف لا وهي لا تكفي نفسها بل تستورد. وحين ينتهي الأمر إلى الاستيراد فليس هناك من لا يستطيع فعل ذلك. إن غياب قاعدة إنتاجية قوية لدولة قطرية مركزية يعفي البرجوازية القطرية من تلبية تحدّي البحث عن السوق القومي وإقامتها. وهذا يذكرنا بما اشرنا إليه أعلاه في مقولة ستالين عن غياب السوق القومي العربي، في حين أن ما حصل هو تغييبه.

لعل أكثر تجليات سلبية التهميش في الوطن العربي هي في غياب المواطنة، غياب الشعور بها وهو غياب يقود إلى عدم الانتماء للوطن وعدم الانتماء الجماعي وتصاغر الأحلام والبحث عن الشعور بالأمان في نطاقات محدودة جداً مثل الأسرة، العشيرة، القرية وفي أفضل الأحيان الحزب بالمعنى المتعصب والحلقي.

وهنا لا بد أن يدخل عامل الوعي لتعويض بعض ما يتسبب عن غياب القاعدة المادية الإنتاجية التي تجعل الفرد جزءا من العمل الاجتماعي فاعلا فيه ومنفعلا به، ونقصد بعامل الوعي دور وأهمية السرديات الكبرى في تمتين الترابط الاجتماعي والسياسي بين الفرد والطبقة والفرد والوطن وإن كان مفعول هذه السرديات ضعيفاً في غياب القاعدة المادية. بهذا الغياب تظل السرديات الكبرى مجرد إيديولوجيا. هذا رغم أن هذه الأمور تغذي بعضها بعضاً سواء في السلب أو الإيجاب.

قد لا تكون هذه الأمور أو المسائل الهامة حلقات متواصلة باتساق وانسجام بمعنى واحدة بعد الأخرى تماماً ولكنها تغذي بعضها البعض. فالعلاقة بين المواطنة والحريات وبين المواطنة والديمقراطية علاقة قوية إلى ما يقارب افتراض الواحدة للأخرى في كل من السلب والإيجاب أو الحضور والغياب. ولكن هذه المسائل جميعاً لا بد أن يرتكز وجودها، أو يفتقد غيابها للقاعدة المادية التي تولدها وتفترضها بل تشترطها. ومن هنا مرة أخرى أهمية الاقتصاد السياسي.

قد يكون في هذا الحديث رداً بشكل أو آخر على من ينطلقون في تحليل الواقع الاجتماعي من مداخل أخرى، الأدب، والخطاب السياسي مثلاً، وهذه مداخل هامة لكنها ليست كافية ولا ممكنة بمعزل عن العامل المادي، أرضية وجودها وتطورها. والعامل المادي هنا يعني درجة التطور الاقتصادي الاجتماعي والذي يمكننا ترجمته بمسألة أكثر وضوحا هي:

طبيعة نمط الإنتاج المهيمن، ومستوى التطور وفي التحليل الأخير وجود وأدوار ووعي الطبقات الاجتماعية لكل من الاقتصاد والسياسة والأدب والفن…الخ.

بكلمة أخرى، فإن سقوط السلطة السياسية بأيدي الكمبرادور قاد في الوطن العربي، في الجزء الذي عايش البرجوازية القومية التنموية والانتاجية، قاد إلى التبعية وتعميقها وحال دون التنمية وقوى احتجاز التطور بمختلف مستوياته التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديمقراطي والحرياتي.

في الحقبة الحالية، حيث تسيطر الدولة/السلطة القطرية على الوطن العربي بجوهرها الكمبرادوري المتخارج[2] والطفيلي والفاسد واللاوطني، يصبح اي حديث عن الحريات الشخصية والعامة وعن المواطنة وعن التعاون العربي مجرد لغوٍ بلاغي في خدمة هذه الدولة نفسها. لغو يقود إلى الدوران على المحور والبقاء بمجرد حكم الاستمرار الطبيعي لا أكثر. وهذا يؤكد على وجوب تغيير الواقع الجاري تغييراً ثورياً وبالعنف الأقصى الذي قد يبدأ بتفكيك مفاصل الدولة القطرية وصولاً إلى إنجاز دولة الوحدة بمضمونها العملي الوحيد الاشتراكي والحرياتي.


[1] انتهى دور الدولة في التنمية إلى شبه إجماع على أن ما تُحدثه هو تنمية من أجل طبقة وليست تنمية مجتمعية، ومما زاد النقد على هذا الدور أن الدولة في دول الاشتراكية المحققة لم تخرج عن هذا المجرى. لذا تصبح التنتمية بالحماية الشعبية هي البديل للعبور إلى الاشتراكية.

[2] المقصود بالتخارج هو وجود توجه وقرار وقناعة بالارتباط بالخارج بعيدا عن الواقع المحلي (القومي). وعليه، يتصرف السياسي أو المثقف وكأنه لا ينتمي الى مجتمعه حيث تكون اطروحاته السياسية وعلاقاته مرتبطه بالاجنبي، او بخارج بلاده.