ألكبسولات

أحمد حسين

عندما يكون النظام ديموقراطيا وعنصريا بثقافة أمنية خالصة، يتحول مواطنو الهوية الرسمية للنظام إلى كبسولات عنصرية وأمنية ذات غلاف ديموقراطي مهمته توفير الحماية للعنصرية والأمن بوصفهما أساس القيمة في الثقافة الوطنية. وتفعيل هذه الكبسولات ميدانيا هو وتيرة مزاجية يحددها النظام والخوف والخطر المتفاقم على المستقبل. وحينما يكون هذا المستقبل بمواصفات غير معتادة، تستدعي توقان الذات إلى القوة المطلقة، في فضاء يغص بالأخرين، فإنه يتحول إلى مغامرة كبرى يجب تحقيقها تحديدا وبالكامل، أو خسارة المستقبل برمته. ليس هناك مجال لطرفين في فكرة المستقبل التي تحتم نفي الواقع من أساسه لتصبح ممكنة. ولا يوجد افتراض يمكنه أن يحقق ذلك غير القوة المطلقة. أما اختلال التوازن في هذا المجال مع الأخر، ومهما كان فادحا نسبيا، فليس كافيا بعد، ولا يعني سوى مواصلة استغلال القوة غير المطلقة بعنفوان متزايد، للوصول إلى معادلة الصفر، أي التغييب الكامل للواقع وللآخر على مستوى غير نسبي. فما دامت النسبية قائمة في أية حدود مؤثرة بين مستقبل ومستقبل فيجب مواصلة الحرب.

لقد كان الرفاه العسكري والسياسي الذي تمتعت به إسرائيل وما تزال منذ لحظة التأسيس، كافيا وعلى مدى متصاعد، لفرض ما تريد بالقوة وبالمجان تقريبا. وكان بإمكان إسرائيل المتفوقة عسكريا وديموقراطيا أن تواصل زحفها المتأني والمجاني نحو المستقبل ربما مائة عام أخرى. مائة عام أخرى من المطاردة العسكرية والسياسية والإجتماعية للفلسطينيين، ستكون حتما كافية لاندثارهم من سجل العلاقة التاريخية بأرض إسرائيل الكبرى. بعد هذا فقط يمكن الإعتماد على فوارق القوة النسبية مع بقية الأخرين. فصراع المصالح شىء، والصراع على تلقائية الوجود واحتلال المستقبل شيء آخر. إذا تنحى ” الشعب الفلسطيني ” من المعادلة، فستبدأ معادلة أخرى مع شعوب وأنظمة المنطقة قائمة على احترام القوة المتبادل، والمسقبل المتبادل.

ويبدو أن الجنرال الأكبر، التاريخ، لم يستسلم لهذا النوع من الأفكار غير الواقعية، أي غير الممكنة. ومع أنه هزم أكثر من مرة في معارك تكتيكية، إلا أنه كان يعود دائما لينتصر، لأن استراتيجيته لا تحتمل الخلل. وأهم آليات هذا الجنرال العنيد هو الإنسان المتواجد وراء الكواليس، أي الشعوب. هذه الشعوب هي أيضا كبسولات، ولكن تاريخية وليست ذاتية. وتدخلها حتمي في اللحظات المفصلية، تمليه برمجتها التاريخية الملزمة، عندما يلتقط وعيها البرمجي (وعي التجربة ) لحظات الخطر الحاسمة على نمط وجودها البشري والإنساني. لذلك كان صمود لبنانيي الجنوب أمام إسرائيل، صاحبة القوة شبه المطلقة، همسة في أذن إسرائيل أنه ليس أمامها مئة سنة أخرى من الرفاهية والمجانية العسكرية والسياسية. نقطة. سطر جديد.

وملخص السطر الجديد هو أن على إسرائيل الأن، أن تعيد النظر في أفكارها الذاتية. أن تقر أن مشروعها المعجزة لن يتحقق، أو أن تحاول إرتكاب معجزة أكبر من الأولى، ومن التاريخ نفسه، وهو إعادته إلى الوراء، والرجوع به إلى نقطة الرفاه شبه المطلق للقوة. ومن الواضح أن العقل الصهيوني الذاتي لإسرائيل والمحافظين الجدد في أمريكا، لا يستطيع العودة إلى الوراء، لذلك كان القرار في صالح إعادة التاريخ إلى الوراء.

ويتضمن القرار كما يبدو، أن الوسيلة الوحيدة الممكنة لإعادة التاريخ إلى الوراء تكمن أيضا في استخدام القوة شبه المطلقة مرة أخرى، باستخدام أغلظ العصي التي تملكها. لذلك بالتبسيط الأقصى فإن إسرائيل قررت الضرب بهذه العصا في كل الإتجاهات، دوليا، ومنطقيا، ومحليا وبدون تردد سياسي على الإطلاق. لا يوجد الآن أي أهتمام بالسياسة داخل إسرائيل. ألإهتمام هو بشطب المرحلة التي بدأت سنة 2006، وكما قلنا على كل المستويات، وبالعصا الأغلظ. وعلى المستوى الدولي تذوقت، حتى الآن، بعض الدول ضربات بعصي إسرائيلية غليظة نسبيا فقط، ولكن بدون تردد على الإطلاق. وأحيانا بدون تبرير يخص تلك الدول الصديقة بشيء. وعلى المستوى الإقليمي لا يمكن إلا الشعور بالأسف لما حدث وسيحدث لتركيا والسيد أردوغان. أما الفلسطينيون في دولتهم المؤسفة، فهم الوحيدون الذين يضربون بوجبات يومية محددة وبالعصا رقم 2 من حيث الغلظ. وقد ولت أيام العصا الديموقراطية الجميلة التي كانوا يضربون بها الفلسطينيين في الداخل، وحلت محلها عصا الترحيل. استبدلت كبسولات اللون الزهري بكبسولات اللون الأحمر، وأصبحت العنصرية مدخلا وطنيا للتعامل مع الفلسطيني بغض النظر عن كونه مواطنا صالحا أو متعاقدا أو حتى عن كونه صهيونيا متطرفا أو عضو كنيست. أما النحس الأكبر فهو عندما يعتبرونك صاحب هوية سياسية معادية. في هذه الحالة عليك الإختفاء عن الأنظار في كل الحالات. ستنفجر في وجهك الكبسولات الحمراء في كل مكان تذهب إليه. لقد بدأ استخدام عصا العنصرية بشكل مبرمج واستعراضي. حيث بلغ التشريع الديموقراطي في الكنيست قمة ملفتة للنظر في الإبداع، ومثل ذلك القضاء والسلطة التنفيذية. لم يعد اعتقال للنشطاء الأهليين، أو السياسين، أو هدم المنازل أو الإستيطان الداخلي على حساب ما تبقى للفلسطينيين من أراض غير مصادرة، في النقب والمثلث والجليل يحظى بإجراءات متأنية من السلطات الثلاث الديموقراطية. لا مكان لكم هنا ! عليكم أن تفكروا جديا بمستقبلكم في مكان آخر.

هل ستعيد العصا الغليظة أو الأغلظ التاريخ إلى الوراء؟

ألتاريخ لا يعود إلى الوراء. يمكن المحاولة دائما. ولكن ثمن المحاولة سيكون باهظا على الجميع وبدون فائدة عملية. تستطيع عصا القوة الإسرائيلية الغليظة، أن تدمر كل ما تريد بدون استثناء، ما عدا حرية البشر في الدفاع عن إنسانيتهم وتاريخهم. وإعادة التاريخ إلى الوراء هي تورط للعقل المثالي الذي يظن أن التاريخ هو سياق للقوة فقط. وأن اللعب خارجه متاح وممكن لنبوغ القوة.