الجيش إلى الجنوب.. فماذا عن الفتنة؟

امين محمد حطيط

أصرت فرنسا وخلفها الدول الاوروبية المشاركة في قوات اليونيفيل (قوات الامم المتحدة الموقتة في لبنان) على ارسال تعزيزات اضافية لوحدات الجيش اللبناني العاملة في الجنوب التي كانت حتى مطلع تموز الحالي تتجاوز في حجمها ثلث القوى العملانية للجيش كله، واضطلعت منذ العام 2006 بتطبيق القرار 1701 بنجاح في ما يعني الجانب اللبناني منه، في الوقت الذي لم تلتزم اسرائيل يوما بهذا القرار واستمرت بخرق السيادة اللبنانية جواً وبرا وبحرا مع استمرار احتلالها لارض لبنانية في الغجر ومزارع شبعا وسواها. ومع ذلك لم تحرك فرنسا ساكناً حيال السلوك الاسرائيلي وتحولت الى لبنان لتضغط على حكومته بغية تعزيز قواتها في الجنوب. ضغط استبق بطلب الرئيس الفرنسي ساركوزي من اسرائيل حماية جنوده عند شن الحرب المقبلة ضد لبنان، تلاه افتعال مشكلة مع الجنوبيين باستفزازهم خروجاً على القرار 1701 وتزامن مع ما تداولته وسائل الاعلام والمواقف السياسية من خطة لفتنة في لبنان من باب قرار اتهامي يصدر عن المحكمة الخاصة بلبنان، يتبعه اجتياح اسرائيلي ينهي «اسطورة المقاومة» في لبنان.

مع هذه الوقائع الثابتة يطرح السؤال المزدوج: هل خطة الفتنة في الداخل باتت امرا لا رجوع عنه؟ ثم ما هو نصيب الجيش اللبناني من هذا الشأن؟

في الاسباب الموجبة لطلب تعزيز قوى الجيش اللبناني في الجنوب ذكر الفرنسيون وأكدت القيادة الاسبانية لقوات اليونيفيل امرين دون ذكر اي اضافة:

الاول حماية قوات اليونيفيل وهو امر تبحث عنه فرنسا بشكل خاص والقوات الاطلسية بشكل عام،

والثاني تمكين قوات اليونيفيل من التحرك اكثر في الجنوب لان «لديها 350 دورية يومياً» بحاجة لمن يرافقها من العسكريين اللبنانيين، والا تحركت بمفردها، حتى لو كان القرار 1701 لا يجيز لها ذلك.

وهنا يفهم ما عناه بيان مجلس الامن الاخير من المطالبة بحرية حركة هذه القوى في الجنوب، دون ان يتوقف عند القرار 1701 نصاً وروحاً. وهنا نسأل ممّ تخاف قوات اليونيفيل، وقد بات لها في الجنوب من العمر ما ناهز 32 عاماً ولم يعتد عليها احد من سكانه، كما ان التنظيمات اللبنانية السياسية او المقاومة تتطلع دائما الى افضل العلاقات مع هذه القوى وشرطها الوحيد التقيد بقرار الانتداب اي 1701 كما جاء في النص وليس كما يريد الفرنسي او الغربيون من تفسير.

اما السؤال الثاني فهو في اصل الامور ونقول فيه: من المسؤول الاول عن بسط سيادة الدولة البنانية في الجنوب؟ الجيش اللبناني ام القوات الاجنبية التي انتدبت لمؤازرته؟

والجواب قطعي هنا بان الدولة بجيشها هي المسؤولة عن الشأن، وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا اذاً تصر قوات اليونيفيل على الحركة المنفردة بحجة تنفيذ مهام من اجل بسط سيادة الدولة وتتجاوز ما يريد الجيش او يطلب في هذا المجال؟

ان الاسئلة التي تخطر في الذهن هذه، والتي تطرح بوجه سلوك غربي في توقيت محدد تثير الريبة العالية المستوى، وقد تقود الباحب الى ربط السلوك المعتمد فرنسياً وغربياً مع ما يروج للفتنة الداخلية في لبنان من توقيت وسيناريوهات، لننتهي الى جملة من الفرضيات او المخاوف يمكن طرحها بوضوح وبصورة علمية، تعتمد عادة من قبل القادة العسكريين، عندما يواجهون امرا يتطلب سلوكاً، ويلجأون فيه الى تقدير الموقف ليبنى عليه القرار ونقول هنا:

1) هل السنياريو المعد للبنان وفيه فتنة داخلية بات قراراً نهائيا يستوجب التحضير الميداني المواكب له مع تجنب اخطاء الماضي التي افشلت بعض خطط الغرب في لبنان منذ العام 2005؟

2) هل يريد الفرنسي ـ المتعارف على تسميته انه المدير الميداني والتنفيذي المشرف على اعمال المحكمة الدولية ـ اتخاذ التدابير الاستباقية من اجل حماية قواته من رد فعل ضدها قد يقوم به لبنانيون تستهدفهم الفتنة في حال اندلاعها وكانت له يد مباشرة فيها؟

3) هل يريد المخطط ان يبعد الجيش عن الداخل ويحصره في الجنوب من اجل تمكين القوى التي يعول عليها في الفتنة الداخلية وتحديدا في الساحة المسيحية من تنفيذ المطلوب منها لـ «اجتثاث الحالة المتفاهمة مع المقاومة وحزب الله»؟ والكل يعلم ان هذه الحالة تستند الى قوة شعبية مدنية سياسية لا شأن لها في الممارسة الميليشياوية وتتكل على الجيش بشكل رئيس واساسي لحمايتها ويكون ابعاد الجيش هنا حرمانا لها من هذه الحماية؟

4) هل جاءت التهديدات الاميركية الاسرائيلية بضرب اهداف للحكومة اللبنانية رداً على حزب الله من اجل الزام الحكومة بالنأي عن هذا الحزب المقاوم وتقديم التسهيلات لقوات اليونيفيل التي تعمل وفقاً لجدول اعمال اسرائيلي مخفي يفرض القيام باعمال التفتيش والتعقب والمناورة لحماية اسرائيل من «هجوم صاروخي يشنه حزب الله عليها» كما كانت مناورة اليونيفيل الاخيرة؟

5) هل سيقع الجيش اللبناني في خطة ابعاده عن الميادين الملحة وذات الافضلية لتدخله حماية للسلم الاهلي وبسط سيادة الدولة، وتكون اللجان الاميركية التي وصلت مؤخراً لتعمل مع الجيش ظاهرا في مجال التدريب وتحديث البرامج والنظم الوجستية، قد بدأت في احداث آثار معينه رغم الموقف الثابت والصلب لقيادة الجيش الواعية والمتمسكة بالعقيدة العسكرية التي ارسيت منذ العام 1991، والكل يشهد لقائد الجيش بمواقفه القاطعة وجرأته حماية للمصلحة الوطنية؟

اسئلة كبيرة تطرح، قادت اليها تصرفات ميدانية داخلية ودولية واقليمية، وتقود كلها الى التفكير الجدي، بان المخطط الغربي ـ الصهيوني بات في موقف نهائي تجاه الساحة اللبنانية ويرى فيها مدخلاً قد يكون الوحيد بنظره في الظروف الراهنة لانتاج نصر ما وتحقيق تغيير يطلبه مراهنا على التغيير الذي احدثه اثر قتل الرئيس الحريري في العام 2005، وفشل في استكماله في العام 2006، وخسر بعض منجزاته في العام 2008، وتبقى لديه الآن المحاولة التي اعدت خطتها باحكام كما يبدو باشراك الجميع بالتنفيذ:

قوى محلية سياسية وميلشياوية، قوات اطلسية من اليونيفيل، الجيش الاسرائيلي، مع محكمة دولية ومجلس امن فيه القرار تحت عنوان جاهز وتحت الطلب الاميركي ـ الصهوني.

لكن هل سيجرؤ هؤلاء على التنفيذ، ام ان خوفهم من النتائج يمنعهم عن ذلك؟ ثم كيف ستنتهي الحال اذا غامروا وقامروا؟

حتى اللحظة نقول ان امكان العودة عن الخطة او تأجيلها هو الارجح ببعض نقاط، لكن احتمال المقامرة ليس ضعيفاً، اما النتيجة لبنانياً فستكون الخسارة، بشكل اخص خسارة للفريق المحلي الذي سيساهم في التنفيذ، ولن يكون الفريق الآخر بمنأى عن الجروح والندوب، لكنه سيكون في الموقع الافضل طمأنينة للمستقبل، لان هذه المحاولة كما يبدو هي الطلقة الاخيرة على المقاومة وجمهورها في المدى المنظور… ويبقى على الجيش ان يتنبه لما يحاك له ولدوره، وللمقاومة ان لا تغمض عينها، وللشعب ان يكون متبصراً في مرحلة الاعداد التنفيذي للخطة حتى منتصف ايلول المقبل، وخلال التنفيذ اذا حصل في ما تبقى بعده من ايام خلال هذا العام.

:::::

المصدر: “السفير”

http://www.assafir.com

الرابط: http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1606&ChannelId=37536&ArticleId=3148&Author=%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86