بعض من الوعي القومي…الجهل منه أفضل

نحب الوطن ولا نحب الأنظمة والخلط بينهما جهل على الأقل

الحلقة الثالثة

عادل سمارة

كان نقاش الحلقتين السابقتين في نطاقين فكري عام وتطبيقي على المستوى القومي ولم يتم تقريب ولا مقايسة أو معاينة المستويين على أية ساحة عربية، ولا الساحة الفلسطينية خاصة لنرى على سبيل المثال إسقاطات القطرية الرسمية على المواطن الفرد. بكلمة أخرى هل حقاً حولت الإيديولوجيا والواقع الاقتصادي والتبعية والهزيمة واستدخال الهزيمة، حولت المواطن الفرد إلى مسخ مواطن؟ كيف انتهى المواطن الذي يلعن السلطة الحاكمة إلى عبدٍ لها، يلعنها في السر ويقبِّل نعليها ارتزاقا في النهار، والأخطر أنه يفكر ويتصرف كما تريد هي له! وإذا كانت هذه من سمات المرحلة على الصعيد العربي العام، فإن خصوصية الحالة الفلسطينية تتطلب نقداً حارقاً للتشوهات التي تستشري فيها. لعل أخطر هذه التشوهات وصول فلسطينيي الأرض المحتلة إلى حالة من القطرية المفترضة وهي حالة مريضة لثلاثة اسباب على الأقل:

· فالقطرية بحد ذاتها حالة مرضية،

· كما أن كونها مفترضة، اي أقل حقيقية وواقعية من القطرية العربية التي هي مريضة اصلاً.

· وإذا كانت القطرية حالة مرضية في مختلف القطريات العربية وهي على سلبياتها أمكن التعايش معها إلى أن ترتقي قوى التغيير لنفيها، فإن هذه الحالة خطيرة في الوضع الفلسطيني لأن الفلسطينيين هم الأكثر حاجة للموقف القومي والأكثر تضررا من تفشي القطرية. وعليه، حين تتفشى القطرية في الوضع الفلسطيني، فكأن هذا الوضع يسير في طريق الانتحار لعزله نفسه عن العمق العربي. هذا مع وجوب الإشارة إلى مفارقة أن الطبقات الشعبية العربية تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها القومية، في حين تتمكن الإقليمية الفلسطينية بتعددها (إقليمية يمينية وأقليمية يسارية) من تعبئة الفلسطيني بقناعات قطرية غير عروبية!

نماذج ميدانية من التشوُّه القطري

ليس ما يلي تحليلاً لظاهرة القطرية الفلسطينية أي للقوى الطبقية صاحبة المصلحة في القطرية، وهي المصلحة التي تتقاطع مع مصالح الاحتلال والأمبريالية والكمبرادور العربي، بل ما يلي هو مقاطع أو صور ملتقطة بالتجربة الشخصية في الواقع الشعبي اليومي وهي تعبير عن حالات ليس المقصود تعميمها بل تقديمها كنماذج تتسع أو تضيق، فهذا مرتبط بقراءة ميدانية مسحية للواقع.

يمر المرء بمحطات تحفر في دماغه ما لا يُنسى ربما لأنها ذات قيمة فكرية عالية أو لأن بها ما يصدم، أو لأنها تخالف أو تناقض ما يعتبره بداهة عليا.

في سياق المسألة القومية وهي قضية على أهميتها وعموميتها ربما هي الأكثر جدالا ونقاشاً واختلافاً بين العامة والخاصة. ربما هي السردية الأكبر ، في هذه المرحلة على الأقل. لذا، تتعدد المفاهيم ومن ثم المواقف تجاهها. في سياق هذه المسألة، بوسعي القول إن الأمة العربية وهي المحرومة من وحدتها دون مختلف الأمم تعاني ليس فقط من المشروع المعادي لها بقيادة الدولة القطرية التي تتمسك بالتجزئة وتحول دون التنمية والتصنيع بل تعاني من كون الجمهور العربي نفسه واقع في اختلاطات مفاهيمية لهذه المسألة تجعل من المواطن العادي قُطرياً دون وعي ولا رغبة، وإنما تسليماً دون نقاش، وهذا أخطر.

ما سأناقشه في هذه الحلقة ليس المستوى الفكري النظري فيما يخص القومية بمعنى مرحليتها أو ديمومتها ثوريتها أو فاشيتها…. حيث نوقشت في الحلقتين السابقتين وإن باقتضاب، بل سأناقش لحظات حديث مع أناس عاديين تكشف عن وصول الانتماء القطري إلى العمق دون تفكير ولا مراجعة، ولا أفضل ولا أجمل للدولة القطرية من هذا؟

حين تتمأسس القطرية، سواء بسبب الانتماء إلى حزب قطري، وهناك أحزابا قطرية في قُطب فكري وأممية في القطب الآخر، دعني هنا اسميها الأحزاب مكسورة الوسط، بمعنى أنها تكفر بل تعادي البعد القومي، فلا تستطيع الحراك المنهجي حتى لو خلصت النوايا.

كان ذلك في نقاش مع فلسطيني في لندن عام 1986 من حزب راكاح (القائمة الشيوعية الجديدة في الأرض المحتلة 1948 – الاحتلال الأول) حينما كانت هناك اشتباكات على الحدود (بسبب نزاع على الحدود ) بين تشاد وليبيا وتطوع بعض رجال المنظمات الفلسطينية للقتال إلى جانب ليبيا بينما كانت دول غربية تدعم تشاد.

كتبت حينها في جريدة العرب-لندن مقالاً يؤيد هذا التطوع. وقد ناقشني هذا الفلسطيني بحرقة وحرارة مستهجناً هذا التطوع ومعتبراً أن هذا ليس شأن الفلسطينيين، ثم ما هي ليبيا، بمعنى حتى لو أُحتلت أرضها أو جزء منها، ماذا يعنينا!

كان الصديق آنذاك يعاني من بضعة مشاكل في الوعي والانتماء:

· الأولى ثقافته المرباة على اعتبار القومية والانتماء القومي مسألة شوفينية (وهو بالمناسبة من تلامذة الراحل إميل حبيبي – المعادي للقومية العربية بلا ضوابط) وهذا التفكير هو بالطبع نتاج أدلجة الخط السوفييتي في حقبة التحريفية.

· ثقافته التي ترفض المسألة القومية من حيث المبدأ ، وهو قصور لم يتعالج منه الكثير من الشيوعيين العرب حتى اليوم!

· وعجزه عن التفريق بين الأرض العربية وبين نظام الحكم القطري، بمعنى بمقدار ما نرفض النظام الحاكم في ليبياعلينا بنفس القدر أن نحرص على الوطن.

· هذا إضافة إلى الانحصارية الفلسطينية بمعنى أن على كل العرب أن يناضلوا من أجل فلسطين، وليس على الفلسطينيين حتى أن يتعاطفوا مع اية قضية عربية!

في أعقاب استرجاع العراق للكويت 2 آب 1989، وقيام الولايات المتحدة ببناء تحالف عدواني ضد العراق ضم ثلاثة وثلاين نظام حكم ومنها السوري والمصري والمغربي لتكون الجريمة عربية. ولعل أخطر ما في هذه المشاركة هو ضرب الوعي والانتماء القوميين بمعنى مشاركة اقطار عربية إلى جانب الإمبريالية ضد قطر عربي آخر، يسترد جزءاً منه، هذا رغم الزعم بأن الكويت معترف بها نفاقاً من الأمم المتحدة. والمقصود بهذه المشاركة حقن المواطن العربي بأن لا وجود لقومية عربية! أذكر أنني تحدثت آنذاك مع كادر شاب في تنظيم فلسطيني راديكالي. كنت ابثُّه ألم الشعور الدامي على تدمير العراق. لكنني لم ألحظ عليه أي اكتراث وكأنني أتحدث إليه عن نملة تسير قرب قدمه! تيقنت طبعاً أن لا وعي ولا ثقافة قومية لديه، وإنما عالمه هو عالم فلسطيني بحت من طراز : “القرار الوطني المستقل”! طبعاً قرار مستقل عن الأمة العربية؟ وهكذا ، إذا كان المواطن لا يكترث ولا يعلم، فما الذي سيُخجل أو يُحرج نظام مصر وسوريا والمغرب من المشاركة في العدوان!

وكان نقاش آخر مع شخص آخر قبل احتلال العراق وتدميره في عدوان 2003 بأيام حين كنت في كندا، حيث التقيت مثقفاً فلسطينياً آخراً من بقايا حزب العمال الشيوعي الفلسطيني الذي اندثر فانضم بعض منه لحركة فتح والبعض لصالح حركة فدا. كان الرجل مغتبطاً لأن احتلال العراق صار مؤكداً، وكأن الكيان الذي سيدمَّر هو الكيان الصهيوني. لم أتخيل أن امرىءٍ يمكن أن يغتبط لأية حرب إمبريالية حتى لو ضد المريخ. ولم يدرك كذلك هذا الرجل أن ما سيدمر هو قطر عربي بشعب عربي وليس فقط نظام الحكم الذي يكرهه. فليكرهه، ولكن كيف يمكن انتظار الحرية من عدو البشرية. زار هذا الصديق رام الله بعدها وحضر إلي مع الصديق بسام الكعبي، خجل أن يفتح الموضوع، واحترماً لهما لم أفتح الموضوع. ولكن كانت تقاسيم الوجوه تتحدث وتحكي وتقرأ!

وكان نقاش آخر مع صديق آخر بعد احتلال العراق بأشهر، ولهذا الصديق موقف من القومية العربية، موقف ليس من تمفصلات الشيوعية التقليدية، لكنه كان كارهاً للرئيس الشهيد صدام حسين. كان هو المتحدث وقد ناقشه ثلاثة قبلي رفضوا تأييده للاحتلال بزعمه أن الاحتلال خلَّص العراق من “طغيان” البعث وصدام حسين. ولكن حين ناقشته أنا استشاط غضباً ونفر عني ومني سنوات! ولا أدري إن كان حتى اليوم متمتعاً بجنة الديمقراطية التي وهبها رعاة البقر -أو البقر- للعراق! وهو رغم ثقافته ووعيه قدعجز عن رؤية أن الأساس هو الاحتلال. والغريب ان كل هؤلاء فلسطينيون أي من بلد لم يمر غيره بالاحتلال كما مر ولا يزال! هل الحكمة إذن أن الناس مع معايشة الاحتلال يستمرؤوه، أم يتحولوا إلى حالة انتقامية تتمنى أن يقع كل العالم تحت الاحتلال. على طريقة بيت الشعر لأبي فراس الحمداني:

معللتي بالوصل والموت دونه إذا مِتُّ ظمآنا فلا نزل القطرُ

إن أخطر ما يمكن أن يحصل من امرىءٍ أن يستسيغ احتلال جزء من وطنه أو أن لا يشعر بأي حيف أو عار أو حنين للمقاومة، فما بالك أن يؤيد. فعدم الشعور بلادة وعجز ذهني، أما التأييد فلا يقع في أية خانة احترام أو إنسانية.

في حديث عادي شكى صديق مؤخراً أن السوريين يضايقون على دخول الفلسطينيين إلى سوريا وأنه حين يذهب إلى هناك يشعر بكوابيس رقابة تكتم أنفاسه. وقد حيرني هذا الشعور، فطالما أن الأمر على هذا النحو، فما الداعي لزيارة سوريا وما طعم النزهة في مكان مخيف! يقول صديق آخر متعاطف مع سوريا بأن السوريين لا يحبون زيارات أهل الأرض المحتلة لسوريا لأنهم يخشون وجود جواسيس بين الزوار. لذا يتبعون المثل القائل : “إقطع السن واقطع وجعه”؟

وبرأيي أن هذا صحيح لأسباب عدة منها:

· إن ما تقوله الأخبار عن شبكات التجسس في لبنان هو أمر مريع؟ وإذا كان كل هذا في لبنان، فلماذا لا يكون في فلسطين وهي تحت الاحتلال الاستيطاني نفسه لمدة أطول وبكل الامتلاء؟ أم أن الفلسطيني عنصر خاص بينما اللبناني رخواً؟

· من ينكر أن الأرض المحتلة بشمت جواسيساً؟ قد يفسر البعض هذا الحديث بأنه تقليل من شأن الشعب الفلسطيني ومعاناته ونضاله، وهذا غير صحيح؟ ولكن الاحتلال اخترق كثيرين، فلماذا لا يُرسل جواسيسا إلى سوريا لا سيما وأن النظام السوري نظام ممانعة؟

· وهذا صحيح كذلك لأن المخطط الأميركي بعد احتلال العراق وتدميره كان ذاهبا باتجاه سوريا ولبنان، فهل من الممتع لنا أن يتم تدمير سوريا، فقط لأن بيننا من لا يؤمنون بالأمة والقومية العربية؟ أليس الأساس أن سوريا وطننا بغض النظر عن النظام؟ كيف يمكن لامرىءٍ أن يبرر ذبح الوطن للتخلص من نظام الحكم، وخاصة على ضوء مذبحة العراق!

· وهذا صحيح كذلك، لأننا نحب سوريا كأرض عربية كدولة، مهما اختلفنا مع النظام الحاكم ورفضناه، ويجب أن لا نقبل تدمير البلد من أجل تغيير النظام.

· وهذا صحيح لأن تغيير النظام ، أي نظام، يجب أن لا يأتي من الخارج بل من أهله، وتجربة العراق ماثلة أمامنا. ترى ماذا يقول الذين ايدوا تدمير العراق؟ ماذا يقولون اليوم؟

· وهذا صحيح لأن المقاومة العراقية هي التي حمت سوريا ومن ثم لبنان. هي المقاومة التي أهلكت الوحش الأميركي فلم يعد قادراً على استكمال احتلال الهلال الخصيب، على الأقل.

أما وبعد درس العراق، ما زال بيننا من يعتبر احتلال سوريا أمرا عادياً لأن وعيه القومي بسيط أو لأنه لا يؤمن بالقومية، أو لأنه لا يحب النظام الحاكم لأنه نظام غير ديمقراطي، أي لأنه ولأنه وبعد ألف لأنه، فهذا من الغرابة بمكان؟

لا مناص من وجوب التفريق بين الأرض، بين الوطن وبين أنظمة الحكم. ولكن هل هذا الخلط وتلك السذاجة هي من صنع الأفراد بأنفسهم لأنفسهم، ومن عجز الأحزاب وقطريتها، ومن التضليل الذي تبثه الأنظمة القطرية؟ أم هو كذلك من صنع دوائر الأكاديميا المخابراتية الغربية ومن صنع أجهزة الكيان الصهيوني، من هذه جميعا؟

إن الكثير من الأحزاب والحركات السياسية هي قطرية بنفس المستوى، وهي ضد القومية بنفس المستوى، ولذا، فهي تساهم بوعي خبيث في خلط الأوراق فتخلط قداسة الوطن بسياسات الأنظمة القطرية مما يقود إلى تفكيك الوعي والانتماء القوميين، ولعل أخطر ما في هذا أن هذا التفكيك بماهو صورة مصغرة عن التجزئة والقطرية هو أفضل ضمان لبقاء الكيان الصهيوني الإشكنازي؟ فليتعظ أولو الألباب!