قراءة في كتاب: “تأنيث المرأة : بين الفهم و الألغاء”

كلاديس مطر

ليست حقوقُ النساءِ بالبدعةِ الغربيةِ، بل ليست حقوقُ الإنسانِ كلُّها بدعةً غربيةً. انها في الواقع اعادة الامورِ الى نصابِها تماما كما ارادتها الطبيعة أن تكون. حين تكون المساواةُ الوظيفية الانسانية بين الجنسينِ امرا الهياً طبيعيا فاننا لسنا مخيرين بان ننتقي ما يناسبنا من هذا الامرِ ونتحفظُّ على الباقي. ولماذا نتحفظ ان كان نموُّ مجتمعاتِنا وازدهارِها يتوقف تماما على هذا الانسجام مع قوانين الطبيعة؟

مم نحن خائفون؟! ولماذا كلما مر شبحُ تغييرٍ طفيفٍ بالقربِ منا، ارتعدت ثقافتُنا وقوانينُ مجتمعاتِنا؟! ولماذا نحول رموزَنا الجميلةَ النسويةَ القديمةَ من عشتارَ آلهةِ الخصبِ والجمالِ مروراً بملكاتِنا العربياتِ القديماتِ وانتهاءا بمريم العذراء.. الى اصنام للفرجةِ والزينةِ ليس الا؟! ورموزُنا المعاصرةُ مثل السعداوي وأخرياتٍ الى رموزٍ للمطاردةِ والخروجِ عن الاعراف!

مم نحن خائفون؟!

هل الانسانَ رجلٌ فقط؟! اما ان الانوثةَ والذكورةَ المتكاملين في بُعديهما الاكثرَ جوهريةً هما اختصارٌ لهذا الوجودِ البشري حولنا!؟

لماذا نحن بحاجةٍ الى كبشِ فداءٍ دائما لكي نبرر هذه المحارقَ المهولةَ الكبيرةَ التي نوقدُها كل لحظةٍ لنقاطِ ضعفِنا، ولماذا تكون المرأةُ دائما هي هذا الكبشَ السهلَ نحرُه والمزايدةُ عليه؟!

تخيلوا معي ان نصفَ المجتمعَ يضيع في محرقة لا تنتهي! وكلُّ هذا يحدثُ بمنتهى الهدوءِ والسريةِ والصمتِ، بمباركةِ نصوصٍ تشريعيةٍ وقوانينَ أصبحت بقدرةِ قادرٍ غيرَ قابلةٍ على المسِّ او النقاش! ان من يخطئ بحقِّ الآخر بهذه السريةِ والصمتِ يتحولُ مع الوقتِ الى جبان. إذن لماذا نريد تحويلَ بعض رجالنا و نسائنا الى جبناءَ!! ولماذا نضع كل مستقبلِ بلادِنا وحياتِنا على كاهلِ بضعةِ قوانينَ تمنعُ فعلا هذه الامةَ من تحقيقِ تنميتِها الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والروحيةِ الأكملْ!

الحقُّ لقد آن الاوان لنا لكي نفهمَ ان كل فكر لا يندمجُ مع الصيرورةِ الزمانيةِ والمكانيةِ للتاريخ ـ أي لا يتفاعلُ مع حركةِ التاريخ ـ انما هو آيلٌ للزوالِ ضمن الحدودِ التي رسَمها لنفسهِ في فترةٍ محددةٍ سابقةٍ من الزمن. وان عليهِ لكي يبقى في حالةِ تنفسٍ وحياةٍ ان يخلقَ ذاتَهُ من جديد بحسبِ ظروفِ المرحلةِ المعاصرةِ والا فان زوالهُ قرارٌ طبيعيٌ وحتمي.

كما آن الاوانُ لكي نفهمَ انه يجبُ فصلُ القرارِ السياسيِّ في هذه المجتمعات التي تحاولُ ان تعيدَ الامورَ الى نصابِها عن التشريع فلا تموتُ قبل ان تولدَ بسكينِ البيروقراطيةِ وتبتعدُ عن العملِ الجماهيري.

ان المطالبةَ بحقوقٍ للمرأةِ لم يأتِ من الفراغ. راجعوا التاريخَ لتعرفوا ان الرجلَ كان أول الضحايا عندما كانت شريكتُه كبشَ فداءٍ لمحرقةِ المجتمعِ الكبرى.

عندما يكونُ هناكَ سببٌ قويٌ، ويعرف الإنسان في قرارةِ قلبه بأنه سبب حقٍ وأنهُ عادلٌ ومع ذلك يرفض الدفاعَ عنهُ..فانه في الطريق الى حتفِه. وانا لم أرَ في حياتي جثثا تمشي على قدميها وتتحدثَ عن العدلِ كما أرى اليوم.

خلال قراءتي لكتاب الدكتور عادل سمارة “تأنيث المرأة: بين الفهم والإلغاء” كان علي كل قليل ان اذكر نفسي ان هذا الكتاب انما كاتبه رجل وليس امرأة. ربما لانني لم اقرأ شيئا مشابها لطرحه بين كل ما كتبته النساء والرجال في الشرق والغرب معا عن حقوق المرأة وكينونتها وما لها وما عليها انطلاقا من وجهة النظر التي اعتمدها الباحث. او لأكون أكثر دقة فأقول لربما بدت المقاربات الاخرى اكثر انفعالية وتنظيرا امام هذا التحليل الطبقي القاطع كالسيف والواضح حول “ماهية” المرأة وعملية “التأنيث” التي يرى الباحث انها تعرضت لها بطرق مشوهة عبر مراحل حياتها على الخط الزمني التاريخي للبشرية.

ليست زاوية البحث هي ما تحسب للباحث هنا وانما قناعاته الدفينة بأن الذكورية انما هي حالة “نكوص وإسترجاع لا تقل عن الأصولية بل انها حتى تقويها وتمتطيها وتستخدمها.” ان هذا البحث بكل بساطة هو قراءة شيوعية للمرأة أي انها قراءة تقوم على التحليل الماركسي للحياة والتاريخ والمجتمع. “انها قراءة طبقية في المنطلق والمنتهى” كما يقول كاتبها. وكلمة طبقي في سياقها هنا تعني “أن اناساً في بلد معين ليسوا كتلة واحدة متشابهة ذات حياة مشتركة/ منسجمة، بل هم طبقات وشرائح اجتماعية لكل منها مصالحها وموقعها في السلطة والانتاج”. كما انه تأمل في الحركات النسوية ومدى علاقتها بالطبقات الاجتماعية وأين هو موقع المرأة في الصراع الطبقي. إن النساء لا يشكلن طبقة او اثنية في ظل هذا الفهم المشوه للمرأة على أساس التمييز والقمع وذلك لانه يطيح في طريقه بالرجال ايضا، و كلاهما معا يشكلان طبقة “تتشكل على أساس الموقع الاجتماعي والدور في العمل والموقع في السلطة ومن السلطة.”

يطالب الدكتور سمارة في كتابه بثورة للوعي. انه يعتقد ان علاقات الانتاج حتى لو كانت متقدمة فانها وحدها لا يمكن ان تحقق المساواة للمراة لان التغيير الاجتماعي لا يضمنه تطور الصناعة وعلاقات الإنتاج والامر لا يمكن ان يحدث بشكل ميكانيكي كما انه لا يكون بمرسوم من الرجال. وهكذا احتشدت الدراسة بأسئلة كثيرة وأجوبة أكثر.

لماذا لا تكون الاشتراكية حركة نسائية بامتياز؟

هل على خلفية مشاعية الارض كانت مشاعية الجنس؟ كيف تم تأنثت المرأة بحيث أصبحت تخشى أي رجل؟

وهل خلقت المرأة أنثى بالمعنى الاجتماعي ام جرى تأنيثها؟

وما هي المشروطية الاجتماعية لعملية التأنيث هذه؟ وهل تأنيثها هو استعادة لتاريخ الانتصار الذكوري؟

ولماذا تعتبر الخصخصة والتصحيح الهيكلي وتصفية القطاع العام والإنفاق الحكومي قد أتوا تماما لغير صالح النساء طالما من الصعب على القطاع العام التمييز ضد المرأة في حين ان المالك الفرد “حر” في اختيار مأجوريه؟

ولما وصف ماركس ان الزواج البرجوازي هو “بغاء علني”؟ هل هناك شك بعد من ان الماركسيين ركزوا على جعل الحب حرا بدلا من التركيز على حرية الحب؟

وإذاً الا يعني هذا انهم ارادوا تحريره من تراث مهول من النظم الاجتماعية قامت على السيطرة الطبقية والقمع الطبقي؟

أليست حرية الحب هي الأعلى من جعل الحب حرا؟

ولما لم تتم غربلة مواقف المفكرين “الكبار” من المرأة والتي انطوت على احتقار لكينونتها وضيق فهم لماهية وظيفتها ابتداءاً من أرسطو وأفلاطون ونيتشه وديموسنتين وابقراط وانتهاءاً بجان جاك روسو وكوندورسيه وبيير جوزيف برودون وكانط وجون لوك وهوبز بينما أمكن لابن رشد ان “يلتقط تأنيث المجتمع الذكوري للمرأة قبل سيمون دوبوفوار؟

ولما اراد الليبراليون نسف القراءة الطبقية للمرأة على حساب قراءة النوع والفرد والقدرات العقلية فقط؟ وهل يمكن بناء التاريخ على هذه الدهشة الطفولية لرؤية البنت للقضيب؟

ومن اين اتى هذا اللغط المشين الذي اعتبر ان الطمث والحمل وسن اليأس ما هي الا امراض او نقائص اخرى في المرأة؟

من قال ان كثرة استعمال المراة لعقلها يؤثر على رحمها؟

اسئلة كثيرة يثيرها هذا البحث الخصب المتشعب واجوبة اكثر طرحها لا كحل نهائي وانما كباب يفتحه لمزيد من التفكير والحث على البحث.

يعتبر هذا الكتاب ايضا مرجعا في فهم علم تشريح العزوبة وعلاقة المرأة بالحرب من حيث رفضها لكي تكون مكآفأة المحارب لا جسديا ولا روحيا. فهذه العسكرة انما هي طريق آخر لسبيها واغتصابها ودك العائلة التي تبينها. انها ليست بغي من دون ذاكرة تاريخية كالجندي الذي لا يملك قرار الحرب كما يقول الباحث وانما هي انسان يدافع عن وجوده اولاً وأخيراً. ان تأنيث المرأة يربيها على الاستسلام في كل شيء بما فيها الخوف من الحرب. اما المندمجة في المؤسسة الذكورية فانها تتجاوز أنوثتها لتصبح صاحبة قرار لكي تبقى في السلطة. ان الحرب هي احد تجليات الملكية الخاصة و احد اهم أنشطتها وبالتالي فان أي شكل من أشكال الاستعمار العسكري والتجاري والاستيطاني انما هو موجه ضد النساء اولا. فاذا كان الموت والقتل هما محركا الحياة الاقتصادية، فان كل تطور سوف يبنى لاحقا على وجوب خلق مناخ الحرب وهكذا يتحول العلم الى خادم لها وتحت أمرها، العلم الذي هو وسيلة النساء للتحرر تماما. اما الاستعمار والحروب الأهلية فهي تشل حركة النساء باتجاه استقلالهن الاقتصادي وتمهد الى اغتصابهن بغية كسر قدرة المقاومين. بل ان الحروب والصراع الطبقي تدفع بالمرأة نحو البغاء. حين سقطت بغداد عاشت الكثير من النساء من أفخاذهن. إنهن لسن مومسات كما يقلن وانما هو الواقع الذي يجب ان يعاش والجوع الذي فرض قيمه الجديدة عليهن قسراً. لقد روجت فكرة “تحرير العراق ودمقرطته ” لبيع المراة لجسدها كما واكبت الرأسمالية والعولمة هذه التجارة العاطفية بكل تؤدة وصبر. حتى في فلسطين ازدهرت هذه التجارة بعد اتفاق أوسلو في كلا من شقي القدس الغربية والشرقية وفي الضفة الغربية وغزة. اما في هونغ كونج فكانت الفتيات جزءً من الضيافة وينزلن على فواتير الزبائن كاي مادة استهلاكية اخرى.

لقد كان الكاتب واعياً جدا لطروحاته بل مدافعاً عنها وكأنه يقف وراء متراس في جبهة. وها هو في هذا الكتاب الجامع المانع يضعنا أمام سؤال جديد: ما هو الأكثر وحشية، هل هذا الاستخدام للمرأة أم الاغتصاب؟

الحق لقد فتحت كل هذه الأسئلة الإشكالية الباب في فصول لاحقة من الكتاب على موقع المرأة في النظام العالمي مبينة ان الغزو الثقافي ليس الا اداة واحدة من ثلاث هي: الثقافة والغزو العسكري وراس المال. والثقافة هي أداة غزو لاخضاع المحيط ثقافياً وهكذا تحولت الحركة النسوية في هذا المحيط الى “مجرد محطات تطبيق للكولونيالية الجنسانية من الغرب الراسمالي”. وهكذا سقطت المرأة في درك أوطى. من الملفت حقا ان يهتم هذا الغرب الرأسمالي بالمرأة في المحيط (بعد الاستعمار) وخاصة في الوطن العربي ولا يهتم بالرجل! هل لان إختراقها اسهل؟ ام لان امرأة المحيط ذات ميول غربية كما يعتقد الباحث ولأن المجتمع الغربي يُظن بأنه ليس ذكوريا؟ اليست هذه كلها نمط من الغزوات “الافرنجية” بطابع ناعم أنثوي مرفه؟؟ وإذا اليست منظمات غير الحكومية هي مجرد حركة نخبوية آتية من الخارج ذات إمكانيات مادية غير محدودة محرجة للنساء بينما عاجزة في نفس الوقت على ان تكون جماهيرية وجزءً من آلية المقاومة؟؟

الحق أن في طروحات الدكتور سمارة فهم ووعي لكون الأخلاقيات المتدنية للمجتمعات البرجوازية ما هي الا طريق واضح معبد باتجاه الدعارة. فتركيبة هذه المجتمعات الاقتصادية والاجتماعية هي في علاقة مباشرة ومضطردة مع الظروف المسهلة لها على الرغم من تصدي هذه المجتمعات لمثل هذا السلوك. أي نفاق يقبع في قعر هذه المجتمعات!

الواقع ان فهما طبقيا جيدا لدور المجتمع يحتم علينا ان ننتبه الى انه لا يوجد عبء على المرأة كفرد مهما كان هذا العبء انما وظائفها هي تماما وظائف اجتماعية تفيد المجتمع بأسره.

لكن الباحث يعترف ان الاشتراكيين أو” الشيوعيين ” تحديدا، مع انهم رفعوا حقوق المرأة بطريقة مناسبة، إنما لم يتناولوها بشكل مثالي او كافي، اذ ان كل نظام اشتراكي حاول مباشرة تطبيق مساواة النوع في حين أن الأنظمة الرأسمالية لا تزال تقاوم هذه المسالة في أكثر تشكيلاتها تقدما”.

اما المراة العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً فقد إحتلت حيزا ضخماً في الكتاب معتبراً ان وضعها لم يُدرس الا قليلاً على عكس المروج له من ان وضعها قد اشبع دراسة بل انه يعتقد جازماً ان الاغلبية الساحقة من مثقفينا ليسوا معنيين اصلاً بدراستها. ولهذا فانه انطلق من هذا الواقع المؤلم فأثار في بحثه الهام أسئلة طعمها أمر من العلقم عاكسا المرة تلو الاخرى واقعاً اقل ما يقال عنه انه مجرم بحقها. انها معتقلة باختصار. وإعتقالها يتسع ويزداد ابتداء من أرديتها (حجابها) وإنتهاءً بالاستغناء عنها اقتصاديا وحتى جنسيا حيث يمكن ان تستبدل بفراشات الليل الأجنبيات بكل سهولة.

وبينما كانت المرأة ايام الرسول تشارك في النقاش والجهاد فان نساء العرب اليوم يدخلن في نفق اعتقالهن مبتعدات عن هذا الدرب الذي يجب ان يجمعهن مع الرجال. هل تنشر صورة سيدة عجوز على ورقة نعيها في الشوارع العربية اليوم؟؟ ما الذي يرغم الرجل الذي لا يكسب دخله من العمل الإنتاجي على تشغيل المرأة ام السماح لها بالعمل؟ واذا تحول هذا الرجل الى وهابي مثلا فهل سيكون تحرر المرأة على أجندته؟ وهل لإرهابي لا ينتج غذاءه وسلاحه ان يهزم ارهاباً نووياً؟؟ ألم تكن المرأة ميدان الإسلام السياسي حين صعوده؟ الا يعتبر السلفيون رأس حربة الذكورة وراس المال والبطريركية؟ والى اين ستنتهي حرب النوع هذه التي يشنها نصف المجتمع العربي ضد نصفه الاخر؟؟ اليست المؤسسة الدينية في الوطن العربي هي في موقع متماه مع السلطة السياسية على علاتها وذلك على عكس الاجتهادات الأخرى في بلدان مثل ماليزيا و أميركا اللاتينية؟؟ أليست المنظمات غير الحكومية (منظمات الانجزة) هي الاخرى من يدق إسفينا في نعش المرأة العربية؟ كيف تقف المرأة العربية نفسها لتستمع إلى زوجة توني بلير تحاضر امامها عن حقوق النساء بينما الجيش البريطاني في العراق يمعن في اغتصاب الفتيات الصغيرات هناك؟ واذا ما هو المطلوب هنا؟ اليس انقلابا في الوعي، انقلابا يحثنا على ان نرى ان الحجاب لم يزداد الا في فترة صعود هذه المنظمات غير الحكومية التي لم تكتف فقط بالابقاء على واقع حال مزر للمرأة وإنما تدخلت في عمق حياة الأسرة العربية مدعية تمكين نساءها. هل من وراء التحجب موقفا نضاليا أم ان الفكر السلفي وراءه؟ هل هو حجب لكل أنشطتها وجعل النضال فكرة ذكورية حصريا؟ ما الفرق بين الاحتشام والتحجب؟ هل الاحتشام فكرة ذكورية ايضا؟ هل التبرج تمردا على حجاب مفروض بالقوة؟ وما علاقة الحجاب بالهوية الوطنية؟ هل هل يشكل الدين وحده هوية المرء؟ ولماذا يعتقد الفقه المعاصر ان المراة قد تنافس الرجل في ميادينه بشكل يضر في نهاية المطاف بالمصلحة العامة؟؟ أسئلة كثيرة تحتشد في هذا القسم الغني من الكتاب وطروحات تتناول الإصلاح من داخل المرأة نفسها ومن اجل نفسها.

أما المرأة الفلسطينية فهي حالة استثنائية بين نساء العرب وحديث الكاتب عنها يتجاوز واقعها وتحليله ليتحول الى نص أبعد من كل هذا حقا: انه توجع من “شطب الذاكرة وتشويه الرواية وإستبدال الثقافة او احتلالها على يد الكيان الصهيوني والمركز الرأسمالي الغربي”.

في هذا الكتاب قرأ الدكتور عادل سمارة التاريخ الفلسطيني جيداً ضمن سيرورته المادية التاريخية. إنها قراءة تقوم على أساس الدور المادي في تشكل المجتمع والإنتاج والثروة وتوزيعها. إن هذه القراءة هي انتباه لدور الغزو الأجنبي في تفكيك المجتمع الفلسطيني على أساس النوع هذه المرة كما يذكر الباحث، كما أنها شرح لعملية “سلام رأس المال” التي حدثت بعد أوسلو وإفقار الطبقات الشعبية وتشغيل كامل لأعضاء وأنصار وتوابع حزب السلطة وإلقاء القوة العاملة من الشعب في جحيم البطالة الكاملة وإيقاف تشغيل عمال المناطق المحتلة في اقتصاد الكيان، ثم هذا الانفتاح القسري على الاقتصاد الإسرائيلي الذي سمح بتدفق سلع الاحتلال وخاصة الزراعية إلى الأسواق المحلية مما أثر على العمل الزراعي للنساء.

ان هذا الجزء الخلاب من البحث انما يركز على جانبين كبيرين لربما غير متوفرين في المقاربات التي تتعلق ببقية الدول العربية. ففي فلسطين لا بد من ان تُؤخذ بعين الاعتبار في اي اقتراب ميداني او نظري مسألتان:اولا : الاحتلال وثانيا: سلطة الحكم الذاتي. والاحتلال هو ضد المرأة، فاحتجاز تطور الاقتصاد المحلي انما هو دوما ضد المراة على اعتبار “أن فرص اقتراب المرأة من بعض حقوقها هي أكثر احتمالا في مجتمع نام ومتطور مما هي في مجتمع خاضع للاحتلال وغير مصنع”. اما المنظمات الاجنبية غير الحكومية في الاراضي المحتلة فهي تعمل على جر النسوية المحلية الفلسطينية الى التطبيع والى التفاوض مع الكيان الصهيوني ومحاولة تبيان النضال الوطني والقومي وكأنه اعتداء من الفلسطينيين على بلد مجاور.

اذا كان الكيان الصهيوني مغتصب مغتصباً للارض، اذاً فلا داعي لكي نتحدث عن النساء واذا كانت سلطة الحكم الذاتي تفتح ابوابها لمنظمات الانجرة الراسمالية لكي ” تمرن” نساء فلسطين على المعايير النسوية الليبرالية. فان لا فجر حقاً امام المراة الفلسطينية التي يجب ان تمترس نضالها الوطني وراء جبهة واحدة مع حركة المطالبة بحقوقها في واقع سليم ووطن حرٍ ومستقلٍ.

هذا هو كتاب عادل سمارة الذي يقدم على طبق من وجع لأمة تقول إنها أكثر من كَرَّمَ المرأة.

:::::

* “تأنيث المرأة : بين الفهم و الألغاء”، كتاب جديد للدكتور عادل سمارة سبصدر قريباً.

وننشر اليوم مقدمة الكتاب بقلم الاديبة كلاديس مطر.

موقع كلاديس مطر

www.gladysmatar.net