حول ما نشرته تحت عنوان “يجري في رام الله”

إحسان سالم

الأراضي المحتلة

تختلف الكتابة من حيث الهدف وحتى النص بين رجل الأدب و/أو السياسة عن ما يكتبه الآخرون بمعنى أن كتابة هاتين الفئتين يجب أن لا تكون كتابة شخصية، ولا لمآرب أو مطالب شخصية. فالأديب ورجل السياسة هما شخصيتين عامتين بداية ونهاية. وحين يقوما بشخصنة ما يكتبان، تهوي قيمة العمل إلى درك دوني عميق. عليهما، أو هما حقاً، يكتبان عن ثوابت الحياة وتداعياتها وانشطاراتها، وهو أمر يجب أن لا يكون مشخصناً.

صحيح انني كتبت مقالتي في نشرة كنعان الإلكترونية تحت عنوان “يجري في رام الله الآن”،[1] كتبته بإسمي وذلك بدافع عدم فصل الجانب السياسي عن الحياة اليومية لأن السياسة العامة تتشكل من جزئيات الحياة اليومية كي تتركب في رؤية أو مشهد عام. فالصراع مع الاحتلال يبدأ من اعتدائه على حياة ووجود كل شخص منا بشخصه وتتشكل هذه كلها في وجوده الخطير بشكل عام على الوطن والمجتمع. وليس أمامنا سوى أن نأخذ هذا الحضور الثقيل للاحتلال بالحسبان في كل لحظة، لكي نتمكن معاً من خلق ممارسات مقاومة للاحتلال تتشكل من مجموع قوانا وأن نبدع أشكالاً جديدة متجددة لمواجهته وصولاً إلى التخلص منه.

لكن هذا يقتضي ثمناً أو جهداً ضافياً. ولعل الف باء هذا الجهد هو أن لا نحاول تصوير الحياة تحت الاحتلال وكأنها على ما يرام لأن وجوب التعبئة يؤكد وجوب عرض الصورة على حقيقتها، اي ان الاحتلال…هنا، لم يخرج ولا يرغب ولن يرغب.

هذا يفترض أن يقوم المواطن الفلسطيني بالارتفاع إلى مستوى التحدي كي يتمكن من مقاومة فعالة تصل في النهاية إلى طرد الاحتلال ولا يتم طرد الاحتلال عن الأرض إلا إذا جرى طرده من دواخلنا النفسية وذلك برؤية أن التناقض الرئيسي معه ,ان لا يشغلنا عن هذا اي شاغل.

في هذا الصدد على السلطة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها أن تُقنع المواطن بأنها تعتبره ثروتها الأساسية وأن يلمس المواطن ذلك في تفاصيل حياته اليومية. فالمواطن مُثقل بضغوطات الاحتلال الممنهجة والمتواصلة والتي تهدف إلى رحيلنا جميعاً.

لذا لم اقصد بما كتبت أمري الشخصي، كما لم يكن يعنيني أن أمس هذا الفرد أو ذاك، أو هذه المؤسسة أو تلك، كان ما قدمته احتجاجاً على أمور لم أتوقع أن تكون على ما رأيتها.

لذا، كان جميلاً أن التقيت مجموعة من ضباط ومنتسبي الجهة المعنية في مقر مباحث رام الله وجرى بيننا ذلك الحوار الهادىء والمفيد حول ما طرحته وكيف فهمه الإخوة وما هي وجهة نظرهم…الخ.

وبهذا الصدد، أعتقد أن هذا أمر هام ونوعي أن يكون الحديث مباشرة وبوضوح لأن في ذلك خدمة وانتفاعاً وطنياً ومحاولات جادة لمعالجة التداعيات على الصعيد الاجتماعي والحياة اليومية لنا كمواطنين بغض النظر عن سياسة السلطة وموقف كل واحد من ذلك.

هل يمكن أن نعيش حياتنا اليومية ونرتبها ونهندسها بما يجعلها سلسة قدر الإمكان تساهم في شد الروح المعنوية للمواطن، حتى ونحن مختلفين على السياسة التي تنتهجها السلطة؟ هذا تحدِ كبير، وعلينا أن نتمكن من تطويعه بحيث نفصل ترتيب وممارسة الحياة اليومية عن الموقف/المواقف السياسية.

هذه هي العبرة التي توصلت إليها من كتابة المقال ومن حواري مع الإخوة، ويبقى الهدف هو هذا الوطن وهؤلاء الناس.


[1] يمكن القارئ قراءة مقالتي بعنوان:” يجري في رام الله”، التي نشرت في نشرة “كنعان” الالكترونية http://kanaanonline.org

على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=3310