خنقت الفتنة ام أُجِّلت؟

العميد الدكتور امين محمد حطيط

ليس غريبا ان نقول، ان لبنان كان ولا يزال ميدان اشغال المنطقة عن الاساسيات لتمرير المشاريع الغربية بما يناسب “اسرائيل”، فاذا عدنا الى العقود الاربعة الماضية نجد من الشواهد الكثير، بدءاً بالحرب الاهلية التي انتجت دخاناً حجب السعي الى اتفاقية كمب دافيد، واليوم يواجه المشروع الغربي الصهيوني استحقاقين اساسيين في المنطقة يستلزمان التغطية:

– الاول في فلسطين وما يخطط له من تصفية المسألة الفلسطنية التي باتت مجزأة في المواضيع والجغرافيا (يقال القدس، غزة، الضفة،… كما يقال عن اللاجئين وتوطينهم، والناس في غزة وحصارهم، والاسرى وعذاباتهم مع اغفال الحديث عن القضية الاساس: فلسطين كلها وشعبها كله) والعمل على تصفية القضية بمفاوضات مباشرة تريدها اميركا الان بين فريق في منتهى الضعف والوهن ولا يملك مصداقية تمثيله لشعبه، وفريق يملك كل اسباب القوة الداخلية والدعم الاميركي ولا يأبه لحق او مبدأ اخلاقي.

– الثاني في العراق وما يخطط فيه الاميركي للانكفاء عن المدن والتحصن في حصون -قواعد عسكرية تضمن له قواته فيها – بحجم 50الف- مصالحه وسيطرته على القرار في العراق دونما تحمل اي نوع من المسؤولية الامنية او سواها في هذا البلد.

تريد اميركا تمرير هذين الحدثين باقل ما يمكن من الاثارة والمتابعة من قبل اصحاب الشأن لذلك وجدت نفسها بحاجة الى ميدان الهائي تشغل به العرب عامة – رغم ان معظمهم استسلم كلياً للقرار الاميركي واضحى بعضهم متشدداً لتحقيق المصلحة الصهونية حتى اكثر من اميركا و”اسرائيل”- وتشغل سورية والمقاومة خاصة لتضعهما في مواجهات داخلية عبر اختلاق الاكاذيب والتلفيقات التي تستهلك الوقت اللازم لتمرير المشاريع، فضلاً عن تحقيق امل ما زال يراود الفكر الشيطاني الغربي، ويتعلق بالمقاومة لجهة اجتثاثها او شلها او اشغالها عن “اسرائيل” في ادنى ما يرغبون.

لهذا لجأت اميركا الى السلاح الاحتياطي الذي انشأته خلافاً لكل قواعد القانون المحلي ولشرعة الامم المتحدة لتتخذه سيفاً بيدها تستعمله عند الحاجة لتحقيق اغراضها في المنطقة. وللمناسبة نذكر ان جريمة قتل رفيق الحريري ليست مما يدخل في صلاحيات مجلس الامن كي يضع يده عليها وتحت الفصل السابع لانها رغم فظاعتها لا تتطابق مع توصيفات العمل الذي يهدد السلم والامن الدوليين، الذي يتيح لمجلس الامن وضع اليد عليه، وبالاضافة الى تعدي الصلاحية في مبدأ الانشاء، كان هناك تجاوز للصلاحية في آلية الإنشاء حيث تم تجاوز رئيس الجمهورية ومجلس النواب، والدستور ومبادئ العيش المشترك.. ورغم كل ذلك كان سكوت عن المحكمة ولم يكن قبولاً بها، والسكوت الذي حصل مرده يومها ولا يزال من اجل دفع الفتنة لان الوقوع فيها يكون فيه تحقيق لغرض اميركا و”اسرائيل”… ومرت السنوات الخمس بما فيها من ظلم سببته منظومة التحقيق الدولي لحق بدول في طليعتها سورية وباحزاب منها الاحزاب الوطنية والقومية في لبنان وباشخاص واهمهم الرئيس اميل لحود الذي حاصروه وقاطعوه ثم تجاوزوه في صلاحياته كما ظلموا الضباط الاربعة الذين فقدوا اربع سنوات من زهرة عمرهم في السجن تعسفاً ثم اطلقوا من غير كلمة اعتذار او محاولة رد اعتبار.لقد حدث كل ما ذُكر وسُكت عن المحكمة حتى لا يقال بأن احدا يريد اخفاء الحقيقة التي ما كانت المحكمة كما يبدو الا لإخفائها، وحتى لا يدفع بلبنان الى فتنة هي الطريق لتنفيذ الهدف الاساس من الحركة الاميركية والصهيونية هنا. لم يكن السكوت عن الظلم والتجاوز ضعفاً، انما كان حرصاً اكيداً يذكر بمقولة ام الصبي التي رفضت شقه الى نصفين حتى لا يموت لانها الام الحقيقية، اما مدعو الامومة فلم يكن يعنيهم من الامر الا جيبوبهم تملأ واجسامهم توضع على مقاعد سميت كراسي حكم.

اما الآن، فان الوضع تغير، حيث ان الخطة الاميركية تذهب مباشرة الى الهدف الرئيسي – المقاومة – وتعمل على النيل منها اخلاقيا بقلب صفحة بطولاتها من حركة تحرير نجحت في طرد المحتل وتقديمها كجماعة قتل واجرام تفتك بشخصيات اساسية في لبنان وتهدد الامن الداخلي اللبناني، فيما “اسرائيل” تراهن على ان هذا الامر لن يقف عند حد الاعلان القضائي، بل سيترجم على الارض ميدانيا وبصورة فورية تلزم المقاومة بالتحول الى الداخل للدفاع عن نفسها وتسقط صفتها المقاومة ما يبيح نزع سلاحها باي وسيلة هذا “اذا ابقت لها الفتنة سلاحاً يطلب نزعه ” فهل ستنجح الخطة الجديدة؟

لا شك ان هناك مبرارات كثيرة تجعل اميركا و”اسرائيل” تراهنان على النجاح في خطتهما، ليس اقلها وجود عملاء لهما في كل القطاعات اللبنانية، بل وايضا وجود دول عربية كبرى تطوعت ـ أيضاً انتقاما لتهميشها او رغبة في تمرير سياسات داخلية لديها تعنيها – لانجاح الخطة بكل ما لديها من قدرات اعلامية او سياسية او دعم ميداني للفريق الداخلي عبر وعده او امداده بالسلاح والتجهيزات والمال، اضافة الى حالة التخدير الفكري القائمة عند شرائح شعبية واسعة تقودها الغرائز العمياء ” لتقتل نفسها وتخرب بيوتها بايديها”.هذا فضلاً عن وجود اشخاص في لبنان لا يرون لانفسهم بقاء في مواقع السلطة او على ابواب بيوت المال الا في حال الانقسام والتشتت وهذا لا يتم الا بالفتنة. اذن للمراهنة الصهيونية الاميركية على النجاح في الفتنة ما يبررها، لكن هل هم واقعيون؟

في التدقيق نرى ان في مراهناتهم مغالاة لاسباب شتى منها، ما يتعلق بطبيعة تنظيم المقاومة واسلوب عملها فمن هو معد لقتال “اسرائيل”، ليس هو نفسه من يتولى شأن حماية المقاتلين في حركتهم وامنهم، وميدان المقاومة الجغرافي حيث مواجهة “اسرائيل” مقفل بحكم الديموغرافيا والجغرافيا على اصحاب الفتنة ومريديها، وان المتطوعين لحماية المقاومة في الداخل سياسياً وامنيا هم من حيث القدرات في مستوى يفوق المطلوب، وبالتالي فان وقعت الفتنة فانها لن تشغل المقاومة عن “اسرائيل” كما يتوخون، ولن تقيدها كما يعتقدون، واذا كان بقطع بعض الطرق في وجهها ازعاج لها في لحظات فان لديها من القدرات ما يمكنها من تجاوز الامر وهي التي كانت تخترق دفاعات العدو وتصل الى مواقعه في عمق المنطقة المحتلة.

اما القول بحرب اهلية تفرض وضع مجلس الامن يده على لبنان كله وبحسب الفصل السابع، فالرد هو ان لبنان ليس العراق، فلينظروا الى قوات اليونيفيل في الجنوب التي ما ان خرجت عن الـ 1701 حتى ووجهت بالرفض وفي أدنى اشكاله وقد باتت تستغيث وتطالب بمن يحميها ويؤمن حركتها، لذلك ضغط على الجيش ليرسل تعزيزات الى الجنوب من اجلها.

ونعود الى ما يمكن التلطي به من “شرعية دولية” ومحكمة جاء بها قرار دولي، لنقول ان وقوع الفتنة التي كانت الخشية منها تعقل الالسن عن القول بعدم مشروعية المحكمة لن يستمر، فان الشرارة الاولى ستفك العقال ويكون القول الحسم واضحاً “المحكمة باطلة وما بني على باطل فهو باطل”، خاصة وان ما بدا من سلوكيات هذه المحكمة حتى الان يقطع بانها ليست هيئة قضائية بل ” شركة انتاج سينمائي” لاغراض سياسية. وسيكون التعاطي معها بالعودة الى الاصول لاعلان بطلان كل ما هو باطل.

على ضوء هذا المشهد نفهم حرص دول عربية على تفادي الوقوع في المحظور، من حريص على المقاومة وهو في الاساس من دعمها وقواها لحرصه على الحق والكرامة العربية، الى حريص على امن لبنان بما يحفظ له السلطة والنفوذ والاستثمارات المالية، وهنا نفهم الرسائل المتبادلة وكيفية التلقي ونطرح السؤال الاخير، هل ان قمم تبادل الرسائل والاطلاع على المواقف ادت الى خنق الفتنة أم اجلتها؟ ويكون الجواب رهناً بما سيستخلصه الفريق المرتهن اميركيا من عبر وتقدير موقف، فان قادهم تقديرهم الخاطئ الى القبول بالمغامرة كان الجواب في اتجاه، والاكان في اتجاه آخر. ولا زال الامر يحتمل اسبوعا او اسبوعين، لكن الاجابة لن تتأخر إلى أبعد من اول ايلول كما يبدو، لان فيه تكون الحاجة الى الفتنة قد انتفت موقتا ويعاد سيف المحكمة الى غمده ليشهر عند الحاجة طالما ان هنا في السلطة في لبنان من يوفر له المال والدعم ويمحضه الثقة.

:::::
المصدر:“البناء”، http://www.al-binaa.com