وجوه متعددة لحقيقة واحدة!

جمال محمد تقي

ما زال حبل السرة الواصل بين الوحشية والبربرية والتمدن هو نفسه الذي يغذي خطى سير البشرية الحالي، فمنطق البقاء للاقوى ما زال ساري المفعول حتى الان بانتظار انجلاء معالم صورة العالم مابعد التمدن، وهذه المعالم لا تستحدث او تخلق من العدم، وانما تتخلق في تراكم كمي متحول الى نوع جديد ينفي نفي الاول ويعيد خلقه في وحدة واحدة من صراع الاضداد.

الانسان ليس متلقي سلبي لفعل القوانين الموضوعية، والتطبيق الملموس هنا على الفضاء الشاسع بين تجنب العاصفة والانخراط بها، كما في الحالة الفارقة بين المساومة المشروعة وبين الاستسلام، بين الانقلاب على النفس ومسخها وبين التجديد فيها او تحوير بعض مساراتها اوالاقلاع عن صيغة ما بإيجاد فضاءات جديدة لاختراق حالة الانسداد الحصاري التي تعم المنطقة والعالم بحكم هيمنة المشروع الامبراطوري الامريكي حاليا على مجمل العلاقات الدولية ومحاولته تجيير الولاءات بخطين حادين يصعب تجاوزهما اما معه او ضده!

هناك دول مستقلة براياتها برغم من تطابق منظومة اقتصادها مع الراسمالية، بحكم ارادتها السياسية المسنودة بعاملي المنافسة والتفاوت، وهناك مسارات لدول معلمة بالوان راياتها فالنجوم الحمراء كانت راية للسوفيات ومعسكرهم الاشتراكي والنجوم الزرقاء راية مرفوعة وما زالت في اغلب بقاع المجال الحيوي الامريكي ومن خلفه ـ الناتوـ والتي تتسع لها كل القواعد والمصالح حول العالم، ويوجد من يرفع عناوين سيادته وحدوده على سواري تحمل يافطات محايدة الملامح لكن التمعن بالوانها الخلفية يكشف عن زيف حيادها المزعوم الذي تتمظهر به، فانعدام الشحنات الفاعلة لديها وانعدام تأثير حركة سيرها على حركة المرور العالمية لا يعني عدم ارتباطها او تبعيتها ولا يعني استقلالها ونديتها، وكانت وما زالت هناك رايات مؤولة اما عن الوان بيارق هذا المعسكر او ذاك او هذا المركز او ذاك، كانت اشارات المرور الدولية تعتمد توازن الوان الازرق والاحمر والاصفر ولا يمرر بحرية تذكر من كانت بيارقه خارج دائرة هذه الالوان المتفق عليها والتي سبغت طرق العالم وخطوطه منذ الحرب العالمية الاولى مرورا بالثانية والتي بلورتها بشكل صارخ، وحتى نهاية الحرب الباردة في نهايات العقد الثامن من القرن الماضي!

في ظل اجواء الانحسارات المتواترة من متاريس المواجهات الايديولوجية التقليدية والوانها الثابتة، في ظل انهيار القطب السوفياتي ومعسكره، وفي ظل انحسار فضاء صوت الذين لا صوت لهم، ثارت غبار المتاهة بنوعيها الانقلابي والمتشائم، وراحت التيارات تميل الى جرف القرون الامريكية المتمددة كاخطبوط حول العالم، توهمها البعض اطواق نجاة، وارادها المنقلبون ذريعة لانقلابهم، لم يبقى في جرفه حرا وطليقا في بحثه عن الحلقات المفقودة الا الناجون باعتصامهم بحبل فطرتهم رغم تغير الاحول انهم يستكملون طريق الحق رغم قلة سالكيه!

في ظل هذه الظروف انقلب اليسار المتهافت الى اليمين فزاده يمينية، وهام الاصلاء يبحثون عن المخارج، اعلنوا ان الراية الحمراء هي وحدها من يستوقف تغول العناكب المفترسة، هي وحدها من يبطل سموم الدماء الزرقاء، هي وحدها من يستوقف انتشار اللون الرمادي وتحلله، هي وحدها من يفتح الطريق نحو عالم الاخضرار الابدي!

ان اخصاب الراهن بما يجعله ولادا ومثمرا هو نشيد هذه الراية المتجددة، فالقحط قد يقطع النسل كما يقطع الحرث لكنه لا يؤبد الموت، والفكرة الخضراء ما زالت حلما يراود الانسانية بكل جوارحها، انها تستدعيها لبناء عولمة انسانية..

حتى في دول القبائل فان التوق يحث سيره نحو حداثة غير مشوهة، حداثة لا تعتصم الا بحبل الحياة ونسغها المدرار، ماء عذب، وخضرة مزهوة بشعاع الشمس، وارواح ووجوه حسنة!

ان الانتقال من مرحلة مجتمع القبائل الى مجتمع دولة المواطنة امر ليس بالهين وليس بالارادوي او الفوقي، خاصة وان مجتمع القبائل قد داخ من دورانه حول نفسه واجتراره لتراكماته الداخلية التي تغذت مشاربها بمبازل الملح الهيمنوي الكولونيالي العالمي والذي يفرض نوعا مشوها من نظم الدولة ـ دولة المجتمع القبلي التابع ـ وانسدت نوافذ نمو القاعدة التحتية الموضوعية لديها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا لتكون على هامش الطريق ابدا!

كانت الجيوش المحلية ـ الوطنية ـ التي ساهم في قيامها المستعمر الكولونيالي لتكون قوة ضاربة ومساعدة على حماية مصالحه، قد شكلت نواتات متفردة لمركزية دولة القبائل وواجهتها، وهي بميزتها العابرة لحدود القبيلة الواحدة كانت تعبيراً غير مقصود عن كينونة جديدة لمجتمع غير متواصل مع بعضه، لقد شكل قيام هذه الجيوش وتطور نفوذها كمؤسسات محلية صرفة بادارة كولونيالية تناقضين رئيسيين افضيا الى تغيرات دراماتيكية في اغلب البلدان المستعمرة او شبه المستعمرة ـ اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ـ وتحديدا في عالمنا العربي التي خضعت معظم اقطاره الى الاستعمار الاوروبي ـ البريطاني والفرنسي والايطالي ـ اولهما : في ازدواجية العقيدة القتالية لهذه الجيوش وثانيهما : دورها المحوري في دولها كمطالبة فاعلة للتحررمن الاستعمار، ومحتكرة للسلطة!

المؤسسة العسكرية هي اكثر مؤسسات الحداثة تاثيرا في المجتمعات المستعمرة وشبه المستعمرة والتي تجمع بين الانضباط والتنظيم والتراتبية وسهولة اتخاذ القرار وتنفيذه اضافة الى كونها قوة ضاربة.

صحيح ان قيام هذه الجيوش تلازم مع ولادة الارهاصات الاولى لنشوء طبقة اجتماعية جديدة طبقة العمال الاجراء وعلى نطاق محدد نتيجة لقيام المستعمر ببعض مشاريع البنية الاساسية للايفاء باحتياجاته او لاستثمار الخامات الاولية واستخراجها وتصديرها ـ الفحم الحديد النفط الغاز الملح الحجري وغيرها من المعادن ـ او للاستفادة من المنتجات الزراعية النوعية واستغلال انتاجها لمصلحته ـ القطن، قصب السكر، الاخشاب، البن، الكاكاو، التوابل، وغيرها ـ فقامت الصناعات الاستخراجية ومن اجلها انشأت موانيء التصدير وقامت طرق المواصلات المعبدة والسالكة برا ونهرا وبحرا اضافة للسكك الحديدية، فتوسعت الحواضر والمدن لتستوعب هذه التحولات مما ساهم بجذب فقراء الفلاحين للسكن في المدن فحصل نزوح من الارياف الى الحواضر بسبب من شحة العمل في الارض الزراعية وسوء استغلالها، والعلاقات الانتاجية والاجتماعية ـ شبه العبودية، شبه اقطاعية ـ القاسية في المجتمعات الريفية، والتي لعب المستعمر فيها دورا رسخ من خلاله العلاقات الاقطاعية لضمان ولاء سادة القوم من شيوخ وملاك!

تطبيقات عربية

كان لتداعيات حروب الدول الكولونيالية مع بعضها لتقاسم واعادة تقاسم العالم اثره على مصير كل شعوب المعمورة وفي المقدمة منها المستعمرة وشبه المستعمرة، فبعد الحرب العالمية الاولى قامت ثورة اكتوبر لاشتراكية العظمى 1917 وساهم قيامها بفضح سياسات النهب الامبريالي “معاهدة سايكس ـ بيكو ” واعطت بنجاحها نموذجا لقيام دولة الند، فتحولت روسيا القيصرية من دولة كولونيالية واكبر سجن للشعوب المستعمرة الى دولة اشتراكية تنشد الحقوق المتساوية للجميع، فكانت محفزا معنويا للشعوب الاخرى على الثورة ضد العدو العالمي والمحلي المشترك، ثورة البلاشفة هذه اعطت زخما لشعوب الشرق للاستيقاظ والنهوض، وكانت هناك اتصالات بين بعض النخب العربية المتنورة ورجالات الثورة البلشفية واصبحت اخبارها على كل لسان!

النظام الاستعماري حاول تغيير جلده باشكال تناسب المتغيرات العالمية وتناسب طبيعة صراعاته الداخلية التي تضغط باتجاه نظام عالمي اكثر عدلا وشفافية والداعية لحقوق الانسان والغاء العبودية الاستعمارية، فكان النجم الصاعد للامبريالية الامريكية هو رائد حركة المتاجرة بهذه الشعارات ـ مباديء الرئيس الامريكي نلسن في حق الامم المحتلة بتقرير مصيرها ـ فعبد الامريكان طريقهم الامبراطوري بازاحة الامبراطوريات الشائخة وخاصة تلك التي لا تغيب الشمس عنها، فتشكلت الحكومات المحلية كواجهات لدول تابعة منتسبة الى عصبة الامم المتحدة حينها، كدول مستقلة، ولكنها في حقيقة الامر تحت الوصاية الفعلية للدول المستعمرة، حتى قيام الحرب الكونية الثانية بين ذات الدول لاعادة تقاسم العالم ـ دول المحور والحلفاء ـ وما تلاها من نتائج غير متوقعة، حيث استطاع الاتحاد السوفياتي رد الغزو النازي الى عقر داره، وان يكون هو القوى العظمى الثانية في العالم بعد امريكا!

عم نهوض عالمي جديد يدعو للتحرر السياسي والاقتصادي الناجز والبعيد عن التبعية ويدعو الى التحرر الوطني والقومي للشعوب التي قاومت الضيم والظلم والتبعية الاستعمارية ـ ثورة الصين، والهند، واندنوسيا، ونهوض ثوري يعم القارة السمراء، والقارة اللاتينية ايضا، وقامت دولة اسرائيل على ارض فلسطين العربية بعد حرب 1948 بين بعض جيوش دول الطوق العربي وجيش العصابات الصهيونية بدعم وتعاطف اوروبي امريكي، وبعد قرار الامم المتحدة بتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية، كان موقف الانظمة هو رفض القرار وضم الارض الفلسطينية المقسمة الى دولتي الطوق ـ غزة تحت ادارة مصرية، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تحت الادارة الاردنية ـ.

كان قيام دولة اسرائيل بمثابة بداية لبناء مشروع استثماري امبريالي صهيوني يضرب عدة عصافير بحجر واحد ومنها وبدفعة واحدة :

1 ـ التغطية على العنصرية الاوروبية تجاه اليهود بدفعهم الى مناطق خارج القارة!

2 ـ جعل الدولة المصدرة كقاعدة متقدمة للمصالح الغربية في واحدة من اهم واخطر مناطق العالم على الاطلاق ـ الشرق الاوسط ـ.

3 ـ لتلعب الدور لذي يمكن ان تلعبه تايوان وهونكوك، في ان تكون بؤر للاستقطاب الاقتصادي والتجاري على حواف البلدان العصية.

4 ـ لتكون اسرائيل المانع الطبيعي الفاعل لاي مشروع وحدوي ندي، يفضي لقيام كتلة عربية واحدة تجمع مشارق العرب بمغاربهم.

كانت حرب 1948 فاتحة حداثوية في المسيرة الفضائحية للانظمة العربية التي كانت تدعي استقلاليتها وحرصها لتلبية التطلعات المشروعة لشعوبها في التحرر والوحدة، وكانت لنتائج هذه الحرب من تقسيم فلسطين الى قيام دولة اسرائيل والفشل في التصدي لمشروعها التوسعي، سببا نوعيا جديدا يدفع بالجيوش “المهزومة ” وضباطها المتذمرين من فساد الحكام على ضرورة التغيير ولو من باب رد الاعتبار لكرامتها المهدورة، فتتابعت الانقلابات العسكرية “الثورية” المتتالية، ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 14 تموز 1958 في العراق ومثلها في سوريا واليمن!

اسباب موضوعية غير ذاتية جعلت من حرب فلسطين دافعا مباشرا لتدخل العسكر المباشر في الحياة السياسية العربية وتوليها مقاليد الحكم في السلم والحرب، وهي على النحو التالي :

ـ فشل الحركات السياسية المدنية باتجاهاتها اليسارية والاسلامية في تعبيد طريقها المنتج، نحو مجتمع مؤسساتي مستقر.

ـ ضعف الطبقة الوسطى العربية ” الراسمالية الوطنية + وغياب دور النخب من خارج وداخل الدولة وعدم استقلالية مؤسسات المجتمع المدني

ـ رجال الدين، القضاة، وجهاء المجتمع، المثقفين”

ـ هشاشة بناء مؤسسات الدولة ذاتها والتي اقامها المستعمر ذاته لخدمة اغراضه.

ـ غياب مشروع نهضوي بابعاده الاجتماعية والوطنية والقومية والاممية، تتفق عليه القوى الفاعلة في المجتمعات العربية وتنطلق لتحقيقه.

لقد كانت ابرز اتجاهات الامة مأخوذة اما بالبعد الاشتراكي الذي تتبناه قوى اليسار او بالبعد المأخوذ بفلسفة الرجوع للاسلام الذي تتبناه حركة الاخوان المسلمين منذ عشرينيات القرن الماضي على يد مؤسس الجماعة حسن البنا، رغم وجود اتجاهات جديدة حاولت ان تجمع الاثنين معا بتركيزهاعلى البعد الوحدودي العربي كنواة موضوعية للجامعة الاسلامية التي ستثمر نهوضا عربيا جديدا، فكان قيام حزب البعث العربي الاشتراكي في 1947 واحدة من اهم امثلتها، والبعث ايضا لم يكن استثناءا فلم يتجذر الحزب اجتماعيا الا بين فئات من الطلاب والشباب ونخب مثقفة ووجد الحزب نفسه ملزما باعتبار الانقلابية هي الطريق نحو التغيير الحقيقي، رغم ان البعث حاول في بداياته من الاعتماد على النفس الشعبي المدني المنظم وبكل اشكاله بما فيه النضال المسلح بعيدا عن القادة العسكريين وخاصة اثناء حركة التطوع لنصرة فصائل المقاومة الشعبية الفلسطينية قبل حرب 48 وبعدها، حيث اعتبر الحزب قضية فلسطين هي قضيته الاولى وقضية العرب المركزية وان طريق فلسطين هو طريق الوحدة العربية، لكنه وقع تحت رحمة العسكر ايضا بعد ان استثمرته الثكنات على حساب خطوطه المدنية.

قبل ثورة 23 يوليو في مصر مثلا كانت الحياة الحزبية متحجرة ومتلائمة مع الحالة العامة، لذلك لم تكن التجربة الحزبية نموذج ايجابي يمكن البناء عليه! وهي لم تكن مؤهلة للدفاع عن وجودها، لذلك استطاعت الثورة حلها دون مقاومة جذرية، وكانت شرعية الثورة منبثقة من شعبيتها المبنية على استعداد رجالها للتضحية بارواحهم من اجل تحقيق الاهداف المغرية للثورة!

الثورة ارادت ان تقول بقرارها لحل الاحزاب، انها اختزلت دورة باهتة بتوازنات غير متحولة كان قد خبرها الشارع المصري، بعد ان عرضت اعز ما عندها ومع ذلك فلم تشفي غليل الشارع المصري، والمقصود هنا تحديدا قوى الوفد والاخوان والشيوعيين.

الشارع يميل الى القوة المتحولة لمعالجة الاعطال السائبة حتى لو كانت هذه القوة لا تمنحه حقوقا فردية بل حتى لو صادرت بعضها الممنوح اصلا، لكن اذا شعر الشارع بان هذه القوة تصادر فقط ودون ان تعالج فساعتها سوف لن يغفر لها بطشها وسيتحين الفرص للتخلص منها!

جمال عبد الناصر بتركيبته وانحداره واحلامه وكارزميته واخلاصه لما يعلن عنه امتلك ليس فقط ناصية الشارع المصري بل والعربي ايضا ـ من الخليج الى المحيط ـ كانت دوائره المتفاعلة الوطنية والقومية والاسلامية والافرو اسيوية والعالمية تتكامل مع بعضها، حتى غدا بسياسته هذه زعيما في كل دائرة خاضها، فكان زعيما لدول عدم الانحياز الى جانب شون لاي وتيتو ونهرو وسوكارنو، كانوا جميعا لا يعتصمون بحبال الاحلاف والمعسكرات التي تريد التحكم بمصير العالم، انما اعتصموا مع عبد الناصر بحبل الاستقلال والحرية والتنمية الشاملة، ولان حيادهم ليس باعمى فكان بعينه هو حياد ايجابي اي يميز بين الاقرب والابعد لاهداف الشعوب الفقيرة او الفتية كان خيارا يميز بين العدو والصديق!

عبد الناصر كان ملهما وفاعلا في طريق الوحدة العربية كسبيل لتحقيق الذات، وكان واضحا في اعتباره اسرائيل المعرقل المتقدم لقيامها.

لكن اي وحدة ومتى وكيف؟ اسئلة تم ولوجها وهو يعمل وباخلاص لتحقيقها، التجريبية كانت احد العناوين البارزة لمرحلة الفتوة، والخطوة خطوة هي عنوان مرحلة نضج التجربة وزعيمها.

التجربة تعني الفشل او النجاح، وتعني شرف المحاولة، وتعني حفر اساس متين بسبب من تراكم الخبرة المكتسبة، تعني تواصل السعي نحو الهدف الحلم باستلهام دروس من عبدوا الطريق.

عبد الناصر في خضم تجربته ارتكب اخطاءأ كثيرة لكنه حاول تجاوزها وتصحيحها في الوقت الضائع.

ان احتكار العمل السياسي الوطني والقومي لمصلحة حزب السلطة وبالتالي اعتباره حزب الجميع “حزب قوى الشعب العامل ” جعل المجال خصبا لترعرع الطفيليات والطحالب والهلاميات وتماسكها على شكل بيروقراطية انتهازية تنخر في تفاحة الثورة حتى استهلكتها، لقد عشعشت في اجهزة السلطة ذاتها وعزلتها عن حاضنتها الشعبية، هذا درس كان عبد الناصر ذاته قد مر عليه، ولو قدرله البقاء لغير هذا الاتجاه، نحو اتجاه التعددية السياسية الايجابي!

كان احد اهم اسباب هزيمة 67 هو شدة التأمر الغربي والعربي الرسمي التابع والداخلي المتضرر، اضافة الى كل هذا هناك انعدام وضوح الرؤية بحيث عز على الرئيس ذاته ان يبصر الحالة الحقيقية لجاهزية القوات المصرية والشعب المصري!

هزيمة 67 كانت مؤامرة كبرى لاسقاط الحلم الوحدوي الذي كانت سياسة عبد الناصر تمثل بوصلته، اي لاسقاط عبد الناصر ليس فقط كزعيم وانما كتجربة ورؤيا وحلم.

تصوروا ان الطائرات الاسرائيلية كانت تتزود من القواعد الغربية في برقة بليبيا بالوقود لتعاود ضرب البقية الباقية من القوة العربية في مصر، اي كان ظهر الجبهة مكشوفا لمساومات الاشقاء، نعم كانت تتزود طائرات العدو من قواعد الغرب على الارض الليبية لتجهز على القوة المتبقية للشقيقة الكبرى!

كانت امريكا واسرائيل والرجعية العربية كلها شريكة في العدوان على الحلم العربي والفلسطيني الذي لم يمت رغم انتصارهم وهزيمة عبد الناصر في حرب 67.

هذه نتف من احلام الرايات المتعاكسة، ورغم تقادمها ورغم الجفاف الذي نشف حتى العروق لكنها موعودة بالعودة لتحل مجددا وبنضج وعمق متاصلين بسحب قادمة، تتكاثف مجددا حتى تهطل حمولها مطرا تخضر له حتى الصحاري القاحلة!

منطقتنا العربية وبالرغم من الانحدار الذي يشكل سمتها العامة وبسبب من عدم تجبس تركمات الكم فيها لكنها متحفزة للحظة الحرجة، لحظة وصول كمها لمرحلة التجبس التي تبنى عليها متدرجات الصعود، فالقوى المتطلعة للتغيير ما زالت تريده وتتحرق اليه.

تجربة دول عدم الانحياز ورغم خيمتها الفضفاضة فانها عكست حقيقة وجود تناقض من نوع اخر بين المجموعات الدولية واشكال نظمها السياسية، والملاحظ ان غياب الصورة النمطية لشكل الصراع العالمي انعكس مباشرة على وجود حركة عدم الانحياز وفاعليتها، مما يعني تاثرها مباشرة بطبيعة وشكل الصراع الجاري، هذا الصراع الذي يسير مجددا من نظام القطبية الواحدة الى نظام متعدد الاقطاب بالرغم من شمول الجميع بسيادة نظام السوق الحرة متفاوت الدرجات.

عولمة المخاطر النوعية التي تجتاح العالم تستعجل الخطى نحو نظام عالمي جديد يضع مصالح البقاء الامن للبشرية على حساب الانانية القاتلة للتغول الراسمالي الذي يضع مصالح اسواقه والياتها على حساب مصالح الجميع.

ما يجري في هذه السياحة المكثفة في تجربة تكاد تكون مكررة في العديد من بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ذات الاقتصاديات المتخلفة تجعلنا نخرج بانطباع راسخ يقول ان العالم وحدة واحدة القوي فيه يستبعد الاضعف وينهشه وما من حل عادل الا بتعديل خط السير من سكة اتجاهها لا يؤدي الا للهلاك البشري الى سكة يتكامل فيها البشر في ارض تنعم بالاخضرار الروحي والمادي!